فارس السينما الأكبر (الأخيرة) المشهد الأخير فى حياة أحمد مظهر

البلدوزرات تكتب نهاية تراجيدية لفارس الرومانسية انتقل إلى «البراجيل» لينعم بالهدوء فوجد كابوساً فى انتظاره دخل فى حالة اكتئاب حزناً على أشجار حديقته واعتراضاً على الطريق الدائرى فى أيامه الأخيرة استعاد كثيراً سيرة عبدالناصر وكأنه يستعد للحاق به

عاش أحمد مظهر سنوات طويلة من حياته فى شقته بشارع البطل أحمد عبدالعزيز، التى ظلت عنوانه الدائم الذى يعرفه أصدقاؤه المقربون، ولا يجدون صعوبة فى الوصول إليه بحكم موقعه الفريد فى وسط البلد.. إلى أن حدث ما استدعى تغيير عنوانه.. فقد اكتشفت أسرته أن شغالة التى تأتيه أسبوعيا لتنظيف الشقة استغلت وجوده بمفرده وقامت بسرقته، ولم يكن المبلغ المالى الضخم هو ما شغلها، بل الأهم أنها سرقت مسدسه المرخص، مما يعني أن حياته أصبحت فى خطر وهو بمفرده..

 (1)

ثم كان أن تعرض لأزمة صحية فى عام 1998، وعانى بعدها من مشاكل وضيق فى التنفس، فنصحه طبيبه المعالج بأن يذهب للإقامة بعيدا عن تلوث العاصمة وصخبها، فاختار "البراجيل"، وهى قطعة الأرض التى اشتراها قبل سنوات بعيدة فى تلك المنطقة الزراعية على أطراف الجيزة وسماها "العزبة"، وأقام فيها ابنه المهندس شهاب فيلا تتميز بحدائقها الواسعة وأشجارها النادرة.

وخصص شهاب لوالده جناحا يقيم فيه، كما خصص له مساعدا شابا (عبده) يرعاه ويلبى طلباته على مدار الساعة.. وهكذا انتقل مظهر إلى عزبته فى "البراجيل" طلبا للراحة والهواء النقى ودفء الأسرة بجوار ابنه وأحفاده.

ورغم أن سنوات عمره وقتها تخطت الثمانين (مواليد 8 أكتوبر 1917)، فإنه ظل محتفظا بحيوينته العقلية وتوقده الذهنى ومحبته للحياة.. وشغفه بهواياته الأثيرة، وبينها ثلاث بالتحديد لم تستطع سنوات العمر وتراجع الصحة ووهن العظم أن تنال من شغفه بها وعشقه لها..

أولها الفن، فكان يرفض بإصرار لقب الفنان المعتزل، ولما سئل وقتها: هل يمكن أن تعود من جديد إلى التمثيل وبلاطوهاته فى هذا العمر؟.. أجاب بحسم وثقة: "طبعا، لو أعجبنى دور لقبلت فورا، فالقنان قد يعتذر عن أدوار لا تعجبه ويفضل الابتعاد، يعتذر لكنه لا يعتزل، لأن الممثل ليس لاعب كورة وليس له سن للاعتزال".

وفى سنوات الاعتذار لا الاعتزال شغل نفسه بكتابة حلقات مسلسل تليفزيونى تاريخى عن "الناصر بن قلاوون".. وكان يتابع ما يجرى فى الوسط السينمائى قدر الإمكان، ورغم اعتراضاته الكثيرة ومواقفه الحادة وغضبه الساطع من حال السينما وما وصلت إليه، فإنه لم ينضم إلى حملة الهجوم العاتية على السينما الشبابية وجيل الكوميديانات الجدد وفى صدارته يومها محمد هنيدى وعلاء ولى الدين وأشرف عبد الباقي، بل رأى أن فيهم مواهب حقيقية، ويستحقون التشجيع لا التقطيع، وأن يترك الحكم الأخير عليهم للجمهور وشباك التذاكر.. و"الموهوب يثبت نفسه".

والموهبة الثانية الفروسية وعشق الخيل، فقبل أن يصاب بالأزمة الصحية وتتراجع لياقته كان حريصا على الذهاب إلى نادى الفروسية بالجزيرة (وكان من أقدم أعضائه)، يمارس عشقه القديم للخيل، ركوبا كفارس، أو حكما فى مسابقاته الرسمية.. ثم إنه كان وكيلا وعضوا فى الاتحاد المصرى للفروسية، ويشارك بشكل منتظم فى لجان التحكيم، ولم يجد الاتحاد خيرا منه ليسند له مهمة تطويره واستعادة دوره فى المسابقات المحلية والدولية.

وفى أوراق مظهر تجد ملفا ضخما يجمع كل الأوراق والمخاطبات والرسائل والوثائق التى تخص علاقته بالفروسية وناديها واتحادها، مشاركاته فى لجان التحكيم، الكتيبات الإرشادية التى كان يعدها بنفسه للفرسان و"للمتبارين فى أرض التسخين"، رؤيته وخطته لتطوير الاتحاد، وربما كانت أهمها وأخطرها تلك الوثيقة المتمثلة فى خطاب استقالته من الاتحاد المصرى للفروسية والمؤرخ فى 15 نوفمبر 1977، وفيه يتوجه بخطابه إلى رئيس الاتحاد ويكتب بخطه الأنيق وعبارته البليغة وأدبه الجم:

"تحية واحتراما وبعد، فأرجو التكرم بقبول استقالتى من عضوية الاتحاد حيث أصبحت عاجزا أن أكون ذا نفع للاتحاد، وسيادتكم تعلمون أننى قبلت الانضمام إليه كعضو بعد أن كنت وكيلا له فى عصره الذهبي، ولم أجد غضاضة فى هذا، وكفانى أن أكون تحت ظلالكم، وكان كل هدفى أن أستطيع تقديم شيء ذى نفع لهذه الرياضة الحبيبة التى أفنيت فيها كل عمري، واصطدمت بالعقبات وتحملت الإهانات، سواء وأنا أقيم بواجبى فى التحكيم أو فى مناقشات بعض السادة الأعضاء حول نقاط فنية، ولم يكن كل ذلك يحبط من عزيمتى، حتى أيقنت تماما عدم جدوى المناقشة أو محاولة النهوض بشيء.. واسمح لى يا سيدى أن أصرح لكم بأننى لم أستطع أن أتخلص من إحساسى أثناء معالجة أمر من الأمور مع السيد السكرتير العام أو السيد أمين الصندوق بأننى كنت فارسا دوليا بمعنى الكلمة، وكنت رئيسا لفريق الفروسية الرسمى ولآلئ الخيالة ووكيلا للاتحاد، وربما كان ذلك خطأ، لكنى لم أستطع التخلص من هذا الإحساس، وهذا جعلنى أفزع حينما كذبت فى وقائع تقرير فنى قدمه لى قائد الخيالة السيد العقيد أحمد علما ورفعته إلى الاتحاد الموقر مشفوعا بوجهة نظرى باعتبارى رئيسا للجنة الفنية التى شكلت أخيرا للبحث فى وسائل النهوض بالفروسية واستغلال الخبرات والفرسان الدوليين القدامى..

وإننى لأربأ بنفسى أن أوجد فى هذا الموقف، وأنا واثق أن سيدى الرئيس يعلم أننى لا أكذب، وكل ما هنالك أن السيد سعد خليفة لم يدقق فى دراسة تقريرى المرفق بتقرير السيد العقيد أحمد علما، وإذا عاد وقرأه بروح طيبة فسيجد أننى لم أنتقد شيئا بلا حق، بل دعمت رأيى ببنود قانون التحكيم الدولي، ولم يسبق لى أن وافقت على أخطاء مثل التى أشار إليها تقرير قائد الخيالة، اللهم إلا إذا كان ما يقصده كاتب التقرير غير مفهوم للسيد المدير، ولا أظن يا سيدى الرئيس أنكم تقبلون أن أعامل بهذا الأسلوب من تلامذتى، كما أظن أن سيادتكم ستوافقوننى على التماسى بإعفائى من عضوية الاتحاد، علما بأننى سأضع دائما كل جهودى رهن إشارتكم من موقعى خارج الاتحاد.. وتفضلوا بقبول أسمى عبارات الاحترام" (أحمد مظهر).

لكنه ظل حتى آخر يوم فى حياته محتفظابعضويته فى نادى الفروسية، يواظب على الذهاب إلى مضماره واصطبلاته، وكانت له "فرساته" المفضلة، خاصة "مسعودة"، ويعاملها بتدليل زائد وكأنها حبيبته.

وعندما تقدم به العمر وانتقل ليقضى بقية أيامه فى "البراجيل" ظل عشق الفروسية حاضرا والشغف بها متوهجا، وهو ما تجلى فى حلم أخير باقتناء مهرين، يذكره وجودهما فى الاصطبل بعشقه الكبير، وحقق له حفيده - أحمد مظهر الصغير ابن شهاب وكان يومها طالبا بكلية الهندسة - نصف حلمه، عندما اقتنى مهرا صغيرا، وبان أنه ورث عن جده عشقه للخيل.. ومهارته فى الفروسية.

وكانت عينا مظهر الجد تلمعان بفرح متوهج وهو يجلس فى حديقة فيلا البراجيل يتابع المهر الصغير وحركاته وشقاوته وصهيله..

وفى الحديقة، وبين أشجارها الوارفة المعمرة كان يمارس هوايته الثالثة المزمنة وهى القراءة، وبجانبه كنت تجد دائما واحدة من روايات الأدب الإنجليزي.. قراءاته المفضلة.

 (2)

عاش مظهر تلك الحياة الهادئة الهانئة، التى تتناسب مع طباعه الشخصية المحبة للعزلة والنفور من الصخب.. ولم تنقطع علاقته بالأصدقاء المقربين، سواء عبر التليفون، أو الزيارات

المكالمة الصباحية:

كان يبدأ يومه بتليفون مع مريم فخر الدين. تبدأ هي بتحية: "صباح الخير يا برنس علاء"، فيرد: "صباح الخير يا سمو الأميرة إنجي" (وهما الشخصيتان الدراميتان اللتان جسداهما في فيلم "رد قلبي" عام 1957).

أبرز زواره في البراجيل:

مريم فخر الدين

نادية لطفى

ليلى فوزي

كوثر شفيق (أرملة المخرج عز الدين ذو الفقار)

توفيق صالح (المخرج)

جلسات الحرافيش والعزلة:

كان المخرج توفيق صالح يمر عليه بسيارته ليصحبه إلى قعدتهم الأسبوعية ليعيده بعدها. لكن الأمور ارتبكت بسبب اقتطاع جزء من حديقة فيلته لصالح "الطريق الدائري"، مما جعل الوصول للفيلا يتطلب الممارسة عبر سلم حجري ضيق على الطريق الرئيسي.

حاولت شلة الحرافيش عقد اجتماعاتها هناك، وعندما زاره نجيب محفوظ لم يستطع نزول السلم الحجري الضيق، فاضطروا إلى حمله ونزوله للفيلا وسط ضحكاتهم، ثم اعتذر محفوظ بعدها عن عدم الزيارة لعدم قدرته على استخدام السلم. فتسبب ذلك في دخول مظهر في شبه عزلة.

أزمة "الحجر":

زار سمير صبري مظهر ليتصوّرا برنامجاً رمضانيّاً برفقة مريم ونادية وكوثر شفيق. وعندما عاتبته مريم لعدم اتصاله بها، قال: "أنا بقيت زي المعمول عليه حجر". أساءت مريم فهم عبارته وظنت أنه حجر مادي وليست مجرد استعارة عن حالته المعنوية ورعايته الصحية، فخرجت تعلن أن أسرته "حجرت" عليه وتمنع خروجه أو اتصالاته.

أوضح ابنه شهاب حقيقة الأمر مؤكداً أن أحداً لا يستطيع منع والده، وأن الأمر متعلق بظروفه الصحية في سن 83 وسقوطه المتكرر وحاجته لمساعدة دائمة في الحركة، ورحّب بزيارة أي من أصدقائه. واعتذرت مريم عن سوء الفهم، بينما تم إخفاء تفاصيل هذه الأزمة الإعلامية عن أحمد مظهر نفسه.

أيام العمر الأخيرة والوفاة:

عاش مظهر أيامه الأخيرة في عزلة ينعم بزيارات بناته (نيفين، ريهام، إيمان) وأحفاده. شجعته أم أولاده على الرسم والاتصال بالأصدقاء عبر هاتف لاسلكي. وكان يسترجع ذكرياته القديمة مع صديقه جمال عبد الناصر في معسكرات منقباد والكلية العسكرية، ويردد أبياتاً من قصيدة صلاح عبد الصبور "أحلام الفارس القديم".

تدهورت حالته الصحية ونُقل إلى المستشفى ليمضي أياماً في العناية المركزة، حتى توفي في 8 مايو 2002.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب محفوظ يرسم صورة الفنان المصرى فى «أفراح القبة»
فارس السينما الأكبر (20) الأميرة إنجى تنقذ صورة الناصر صلاح الدين
فارس السينما الأكبر (19) فاطمة مظهر أخته الوحيدة تكشف أسرار «أبيه أحمد
مظهر
فى ذكرى رحيله ماذا لو لم يحصل نجيب محفوظ على نوبل؟
بلبل
ظل أحمد مظهر هو نجم شلة «الحرافيش» منذ تأسيسها في منتصف الأربعينات ونظ
فى ذكرى رحيل فيلسوف الأدب توفيق الحكيم الباحث عن ملامح الشخصية المصرية

المزيد من فن

نجيب محفوظ يرسم صورة الفنان المصرى فى «أفراح القبة»

من المواقع التنفيذية التى تولاها نجيب محفوظ رئاسة صندوق دعم السينما، ورئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، وقبلها كان فى وزارة...

مهرجان الغردقة لسينما الشباب.. منصة واعدة لاكتشاف المواهب

جديد الدورة الرابعة.. أفلام للطلبة والسياحة البيئية

فارس السينما الأكبر (الأخيرة) المشهد الأخير فى حياة أحمد مظهر

البلدوزرات تكتب نهاية تراجيدية لفارس الرومانسية انتقل إلى «البراجيل» لينعم بالهدوء فوجد كابوساً فى انتظاره دخل فى حالة اكتئاب حزناً...

«محمد التاجى».. مسيرة فنية امتدت لعقود

من «المتزوجون» و «البشاير» إلى «ماما وبابا جيران»