جبرا إبراهيم جبرا.. مبدع حمل القدس العتيقة فى إبداعه

«البحث عن وليد مسعود» تناولت الشتات الفلسطينى بمنظور وطنى وإنسانى عاش فى العراق أغلب حياته.. والقضية الفلسطينية حضرت فى كل أعماله

إليك النص الكامل المستخرج من الصور بترتيب صفحاتها ومحتواها دون أي تغيير:

جبرا إبراهيم جبرا، الروائي والشاعر والرسام والمترجم الفلسطيني العراقي العربي، ولد في مثل هذه الأيام، وبالحديد في 28 أغسطس 1920 بمدينة بيت لحم.. وحمل القضية الفلسطينية على سن قلمه أينما ذهب وحل، فارتبط بها إبداعه في أغلب رواياته ومقالاته ورؤاه النقدية، بل وكانت روايته الأشهر "البحث عن وليد مسعود" من أهم الأعمال الإبداعية التي تناولت قضية لشتات الفلسطيني، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، وقد صدرت عام 1978، وحلت في المركز الثاني ضمن أفضل مائة رواية عربية، ولم تتفوق عليها من الروايات العربية سوى ثلاثية صاحب نوبل. إننا إذن بصدد رواية شديدة الأهمية، رواية تتجاوز عصرها، سواء على مستوى البناء الروائي والتقنيات السردية، أو على مستوى الحضور البلاغي واللغوى والحبكة الروائية شديدة التميز والبراءة.

وليد مسعود، المواطن الفلسطيني الناجح، وجدت سيارته مركونة على الطريق الدولي بين دمشق وبغداد، بينما اختفى صاحبها وليد اختفاء تاما وغامضا، ولم يعثر له على إثر، وقد ترك شريط كاسيت سجل عليه آخر ما حكى وروى، وتناول فيه كثيرا من تفاصيل حياته وعلاقاته وأصدقائه.

منذ البداية نجح جبرا في أسطرة البطل الغائب، الذي تتمحور حوله الرواية والأحداث. تتكون الرواية من 12 فصلا، وهي رواية أصوات، تتحدث فصولها بلسان ثمانية أشخاص. البطل الغائب وليد مسعود يتحدث في ثلاثة فصول، بينما يتحدث صوت صديق البطل جواد حسني، الذي أخذ على عاتقه محاولة كشف لغز اختفاء وليد مسعود وحياته، في ثلاثة فصول أخرى، ثم يتحدث في فصل واحد كل من كاظم إسماعيل، ود. عيسى الناصر، ومريم الصفار، ومروان وليد، ابن وليد مسعود، ووصال رؤوف،

وإبراهيم الحاج نوفل.. هؤلاء الأشخاص السبعة، بخلاف البطل المختفي، تحدثوا، وتبدو أصواتهم وكأنها مرايا للبطل الغائب، الذي يمثل محور الأحداث رغم غيابه الفيزيائي. وسوف نتعرف إلى تاريخ وليد وحياة والده في فلسطين بأسلوب تراجيدي، يتضمن أبعادا ومستويات دلالية، تبرز عمق القضية الفلسطينية وحضورها المؤلم. أسلوب أشبه بأسلوب شكسبير، فمن المؤكد أن جبرا تأثر كثيرا بالأسلوب الشكسبيري، فهو أفضل من قدم ترجمات عربية لأعمال شكسبير.

ونتعرف في الرواية كذلك على مجتمع بغداد المتنوع، قبل نشوب الحرب العراقية الإيرانية. وتنتهي الرواية نهاية مفتوحة، فلا نعرف مصير وليد مسعود. أنها رواية تشبه القضية الفلسطينية نفسها.

بدايات

نشأ جبرا إبراهيم جبرا في كنف والده إبراهيم وأمه مريم، مع ثلاثة أشقاء

ذكور، وشقيقة واحدة. التحق بمدرسة السريان الأرثوذكس خلال المرحلة الابتدائية، وتلقى علومه الأولية هناك، قبل أن ينتقل إلى مدرسة بيت لحم الوطنية، ثم المدرسة الرشيدية بالقدس، التي تعرف فيها إلى إبراهيم طوقان وإسحق موسى الحسيني، ثم التحق بالكلية العربية بالقدس، وأجاد خلال تلك الفترة اللغتين العربية والإنجليزية إجادة تامة، إضافة إلى لغة السريان، وهي الطائفة التي انتمت لها أسرته. ثم سافر جبرا في بعثة إلى بريطانيا عام 1939، حيث درس الأدب الإنجليزي بجامعة كامبريدج، وحصل منها على الماجستير في النقد الأدبي. وفي تلك المرحلة المبكرة من حياته، نشر جبرا قصصا بمجلتي "الرسالة" و"الهلال"، غير أن منجزه الأدبي الأهم آنذاك كان روايته الأولى بالإنجليزية "صراخ في ليل طويل" عام 1946، والتي ترجمها بعد ذلك إلى العربية. ولتمكنه من اللغة الإنجليزية آنذاك، كتب قصائد شعرية كثيرة باللغة الإنجليزية. انتقل جبرا للدراسة بجامعة هارفارد الأمريكية، ثم عاد بعدها إلى القدس أستاذًا للأدب الإنجليزي بالمدرسة الرشيدية. ومع

حلول النكبة عام 1948، هاجر جبرا إلى العراق، معتقدا أنه لن يستمر طويلا هناك، لكن قدره جعله يقيم في بغداد إقامة دائمة، ويعيش بها بقية عمره، حتى رحيله في ديسمبر عام 1994، بعد أن حصل على الجنسية العراقية، تزوج لميعة العسكري، ابنة القيادي العراقي جعفر العسكري، أعلن إسلامه، وأنجب منها ابنيه سدير وياسر وكنى بـ (أبو سدير). وفي بغداد، تمتع جبرا بحضور فاعل وقوي في الحياة الثقافية العراقية، فأسس مع جواد سليم جماعة بغداد للفن الحديث، وأثر في شعراء العراق ومثقفيه، مثل بدر شاكر السياب وبلند الحيدري.

القدس حاضرة دائما

في روايته الأولى "صراخ في ليل طويل"، لجأ جبرا إلى الأسطورة وإلى عالم الإشارات والرموز، أما في روايته الثانية "صيادون في ليل طويل" فقد طرح البعد الرومانسى بشكل واضح، وبدأ متأثرا بشلي وبايرون، وتظهر في الرواية معارفه المهمة بالرسم والموسيقى. وفي روايته "الشياطين" ناقش أفكارا فلسفية شديدة العمق.

وفي أغلب رواياته، كانت القدس

حاضرة على أي مستوى، حاضرة بوصفها مكانا وممدينة عظيمة عاش فيها طفولته وشبابه، واحتفظ بذكرياته الأولى البريئة، ثم هي أيضا مكانا مقدسا ومدينة مقدسة.

بدا جبرا -فيما يتعلق بالقدس- موزعا بين زمانين، كما يرى د فيصل دراج: القدس قبل اللجوء وقبل الاحتلال، وحيث عاش جبرا طفولته وصباها وشبابه الباكر، يبدع ويرسم ويعلم. وقد تعرفنا إلى ذكرياته عن الثلاثة عشر عاما الأولى في طفولته الصعبة في كتابه "البئر الأولى"، ثم تناول القدس بعد اللجوء، وحيث بدا باحثا عن ذلك الفلسطيني الذي سيعود يوما -وحتما- إلى مدينته الأسيرة والأثيرة، كما قرأنا في روايته "الأمل". وهكذا كان جبرا يعيش في زمانين: زمن تحلق فيه الذاكرة في مساجد وكنائس وشوارع القدس العتيقة، وزمن يبشر بعودة مرتجاة ومأمولة إلى المدينة العظيمة. وهكذا عالج جبرا قضيته الفلسطينية من منظور فلسطيني كامل في كل أعماله تقريبا، وإن بدا الأمر بشكل أوضح وعَبقري في "البحث عن وليد مسعود"، ثم وبشكل يمتلئ رومانسية وعشقا في رواية "سراب عمان". لذلك، كان جبرا يردد دائما هذه الجملة الأثيرة "القدس أجمل مدينة في الدنيا".

دور ريادي في العراق

احتفظ جبرا إبراهيم جبرا بالقدس، وظل قابضا عليها في قلبه وذكرياته، لكنه من ناحية أخرى انخرط في الواقع الثقافي والأدبي والاجتماعي العراقي، واكتسب الجنسية العراقية، ولم ير مانعا على الإطلاق في الجمع بين الاثنين، فكل قضايا العروبة واحدة، وظل جبرا رائدا وفاعلا في الحركة الثقافية بالعراق، أدبا ونقدا ورسما وفنا تشكيليا، ثم ملهما في واقع ثقافي مزدهر وعفي، وهو ما عبر عنه القاص والروائي العراقي سعد محمد رحيم حين قال: في منظورنا الحماسي المشوب بانفعالات مراهقتنا السياسية، صنَّفنا إبراهيم جبرا ضمن خانة البرجوازية. وشخصيا، لحسن الحظ، فطنت مبكرا إلى أنه -بحضوره الأدبي والمعرفي الكاريزمي- كان يشكِّل ضرورة لا غنى عنها في مرحلة من تاريخنا الثقافي الحديث. كان واحدا من أعلام الطبقة الوسطى المدينية المتنوِّرة، من تلك النخبة العظيمة التي أرست دعائم ثقافة عراقية حديثة منذ مطالع الخمسينات. وكان جبرا أحد أولئك الذين رسخوا في ثقافتنا المعاصرة قيم الحداثة والتنوير،

لاسيما بعد أن مارس دوراً طليعياً (ريادياً) في تجديد أساليب ورؤى فنون عديدة، في مقدمتها الكتابة الأدبية والفن التشكيلي، وترجمة عيون من التراث الأدبي والفني والنقدي إلى اللغة العربية. وما زلت -مع غيري من أبناء جيلي- أنظر إلى جبرا بوصفه شخصية مبدعة، تنتمى إلى تلك الكوكبة الارستقراطية (ليس بدالتها الاقتصادية والاجتماعية الطبقية، وإنما عبر وظيفتها الثقافية).

مع عبد الرحمن منيف

في عام 1952، سافر عبد الرحمن منيف، المولود بالأردن عام 1933، لأب سعودي وأم عراقية، إلى العراق، لدراسة الحقوق، والتقى بجبرا إبراهيم جبرا الذي أعجب بموهبة هذا الأديب الناشئ، التي كانت تنبئ عن روائي كبير حقا. لكن منيف وجد نفسه مطرودا من العراق لأسباب سياسية، بعد عامين قضاهما في بغداد، فسافر إلى القاهرة ليدرس الحقوق، ولم تنقطع صلته بجبرا.

ولما أصبح منيف، مبدع "مدن الملح"، واحدا من الروائيين العرب الكبار، التقى مرة أخرى بجبرا في بيروت عام 1973، لتجمعهما تجربة فريدة ربما لن

تتكرر مرة أخرى في أدبنا العربي، وهي شراكتهما في إبداع رواية "عالم بلا خرائط". كانت فكرة جديدة ومذهلة لا تخطر على بال أحد، أن يتشارك روائيان في كتابة رواية واحدة. "عالم بلا خرائط" تدور أحداثها في مدينة عربية متخيلة اسمها عمورية، ربما في العراق أو في الشام أو في نجد أو أي مكان عربي آخر، تتناول أزمة الإنسان العربي المعاصر، من خلال قصة حب بين علاء نجيب سليم ونجوى العامري، تنتهي بمقتل نجوى. ووصل التماهي بين مبدعي الرواية إلى درجة أن أحدا لم يكتشف أي فصول كتبها جبرا، وأي فصول كتبها منيف.

رحل جبرا إبراهيم جبرا في 12 ديسمبر عام 1994 عن 74 عاما، بعد أن داهمه طنين شديد بالأذن، يفقد توازنه وسقط على أثره، ودخل العناية المركزة، ليرحل سريعا مخلفا رصيدا إبداعيا تجاوز السبعين كتابا في الرواية والقصة القصيرة والنقد والفن التشكيلي والترجمة.. ولعلها مفارقة أن يكون رحيل جبرا قبل رحيل عميد الرواية العربية وصاحب نوبل نجيب محفوظ باثنى عشر عاما بالتمام والكمال، فقد رحل محفوظ في 11 ديسمبر عام 2006، رحيل ربما يحمل دلالة تجمع بين صاحبي الروايتين الأولى والثانية في قائمة أفضل مائة رواية عربية، طبقا لاستفتاء اتحاد الكتاب العرب.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

فصة مصورة- اضحك.. «الكورة» تطلع حلوة

الجو جهنم الحمرا.. حتى إن الأطفال الذين قطعوا مسافات شاسعة من أجل المباراة المنتظرة، خلعوا الفانلات التى أتوا بها مكوية...

جهاد جمال: «الطمأنينة تليق بكِ» رحلة لفهم الذات

في زمن تتعدد فيه النصائح السريعة حول السعادة، تقدم الروائية جهاد جمال كتابها «الطمأنينة تليق بك» من زاوية مختلفة؛ فلا...

أيمن عثمان: «عنبر رقم 10» أشبع فضولى ككاتب

التاريخ تصنعه الحكايات الفردية.. والكاتب صوت من لا صوت له «مذكرات نشال» فتحت أمامى أبوابًا واسعة للبحث واكتشاف عوالم جديدة

جبرا إبراهيم جبرا.. مبدع حمل القدس العتيقة فى إبداعه

«البحث عن وليد مسعود» تناولت الشتات الفلسطينى بمنظور وطنى وإنسانى عاش فى العراق أغلب حياته.. والقضية الفلسطينية حضرت فى كل...