فى ذكرى رحيل فيلسوف الأدب توفيق الحكيم الباحث عن ملامح الشخصية المصرية

ينتمى توفيق الحكيم 9 أكتوبر 1898م 26 يوليو 1987م» إلى جيل كانت المسألة المصرية المحور الأساسي والبنية العميقة لمشروعه الأدبى، ولن نبالغ إذا قلنا إن الحبكة الرئيسية لأعمالهم هي مصر وتاريخها في صور متعددة،

 فقد كتب الحكيم رواية «عودة الروح» وقال بعد ذلك: «لم يكن قصدى تأليف رواية بل إقناع نفسي بأني أنتمى إلى بلد له كيان محدد ومستقل، وتاريخ طويل نمنا فيه، وأن لنا أن نستيقظ وتعود الروح» ثم كتب مسرحية أهل الكهف التي جسد من خلالها المراحل التاريخية التي مرت بها الشخصية المصرية، ممثلة في الوثنية والمسيحية والإسلام. هذا بالإضافة إلى مشروع طه حسين وسلامة موسى، فقد كتب الأول «مستقبل الثقافة في مصر» بعد توقيع معاهدة 1936، وكتب الثاني «مصر أصل الحضارة» 1947، ومن بعدهم نجيب محفوظ الذي قدم أربعة أعمال تاريخية في بداية حياته. لا تخلو موضوعاتها من دلالة للإجابة عن سؤال الهوية «رادوبيس عبث الأقدار كفاح طيبة مصر القديمة» وكتب شفيق غربال «تكوين مصر». وصبحي وحيدة «في أصول المسألة المصرية» وصبري السوربوني نشأة الروح القومية المصرية» بالإضافة إلى الكتاب الأهم «شخصية مصر» لجمال حمدان... فقد كانت المسألة المصرية . المحور الرئيسي للثقافة في النصف الأول من القرن العشرين للجيل الذي ينتمى إليه توفيق الحكيم.

الهوية مصر

البحث عن روح الشخصية المصرية كان محوراً أساسياً لكل أعمال توفيق الحكيم يبحث في تكامل ملامحها بين مصر الفرعونية والمسيحية والإسلامية، ويؤمن إيماناً عميقاً بحضارتها وتاريخها وشعبها، توفيق الحكيم الذي صعد بالأدب المسرحي بكامل هيئته إلى خشبة المسرح، أدهشني لأنه ليس كغيره من المفكرين الذين يقذفون بما حفظوا من نظريات جامدة، بل كانت النظريات تخرج من فمه حية تمشى على الأرض لها يدان وساقان ووجه ولسان، في كل أعماله الروائية والمسرحية والفكرية يناقش قضايا اللحظة الراهنة، حيث شارك في كل الأحداث التي مرت بمصر فى حياته ولكن بأسلوبه هو لأن الفن لا يعيش بالغاية، الغاية فانية، إنما الفن يعيش بالأسلوب، ولن أبالغ إذ قلت إنه كاتب شعبى لا بد أن يقرأه الجميع، لأنه أجمل من كتب عن مصر، فكما كان فلاسفة الإغريق ينفقون أعمارهم في البحث عن قضايا الوجود، أنفق هو عمره في البحث عن ملامح الشخصية المصرية، ليكتبها فيما بعد في كل رواياته ومسرحياته ومقالاته الفكرية ولم يكن لديه سقراط يكتب من خلال شخصيته فلسفته وأفكاره في صورة حواريات بل عشرات في صور وأشكال مختلفة، وعبر هذه الشخصيات أبطال محاوراته طرح مئات الأسئلة حول الشخصية المصرية، حتى في أعماله غير الأدبية ثمة أسلوب ادبی «شجرة الحكم السياسي، محاورات درامية للسخرية من أهل السياسة، فلا بد من أسلوب بكل جمالياته حتى يتكلم توفيق الحكيم، لذلك أشعر أن كل أعماله كتاب ضخم يضم أجزاء عديدة، عنوانه البحث عن الشخصية المصرية».

عودة الروح وأهل الكهف

لأن قضية توفيق الحكيم الرئيسية هوية مصر حين عاد من رحلته الطويلة في باريس كتب مسرحية أهل الكهف 1933 ومن خلالها كان يبحث عن الشخصية المصرية ورأى أن مصر الحية تتكون من حلقات عمرها الطويل من تيارات فكرية شتي في عهود متباينة من الوثنية إلى المسيحية إلى الإسلام ويؤكد أن شخصية مصر في تكامل ملامحها ومسار تفكيرها عبر القرون وأهل الكهف مأخوذة عن القرآن في موضوع مسيحي، وعن تفكير في الزمن الوثني، حيث كان يحاول ربط حلقات هذه التيارات الفكرية في العصور الثلاثة، ولم يختلف الأمر كثيراً في رواية عودة الروح التي أكد فيها على قدرة هذا الشعب على التقدم والنهوض فهي قراءة عميقة في الشخصية المصرية بكل تجلياتها الفلاحوابن البلد والأفندي ابن الطبقة الوسطى وابن البلد والفتاة التي ترمز لإيزيس، وفي خضم المناقشات التي وضعها الحكيم في الرواية وتدور بين المفتش الإنجليزي والمصري في بيت والد محسن يقول المفتش: جيء بفلاح من هؤلاء وأخرج قلبه تجد فيه رواسب عشرة آلاف سنة، من تجارب ومعرفة رسب بعضها فوق بعض وهو لا يدري نعم هو يجهل ذلك، ولكن هناك لحظات حرجة تظهر فيها هذه المعرفة وهذه التجارب فتسعفه وهو لا يعلم من أين جاءته، وسوف تتردد هذه الأفكار بقوة في الرواية التي تغوص في أعماق الحضارة المصرية، فقد كان يعي جيداً وضع مصر أو المسألة المصرية في تلك الفترة ليذكر بعد سنوات في كتابه «بين عهدین» ما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية أو الرجل المريض حين ذهب زعماء مصر يسألون الإنجليز عن وضعهم، ويصف الحكيم هذه اللحظة كمشهد درامي فسألهم الإنجليز عما يقصدون فقالوا: زوال الاحتلال البريطاني، فسألهم الإنجليز وماذا بعد الاحتلال هل تعودون إلى الدولة العثمانية المنهزمة ؟ فقال الزعماء بل نعود إلى مصر فدهش الإنجليز وسألوا ما هي مصر؟ فإننا لا نعرف شيئا اسمه القطر المصرى وكما هو موجود على الخرائط الرسمية يتبع سياسيا الدولة العثمانية وحضاريا العربية حسب الدين واللغة، أما مصر فاين هي ؟ وما هي مقوماتها ؟ وما هي شخصيتها؟ وظني أن هذه الكلمات ظلت في عقل توفيق الحكيم ووجدانه حتى بعد زوال الاحتلال، فمصر بالنسبة التوفيق الحكيم ليست وطناً يحبه بل عقيدة يؤمن بها، عقيدة قوية وراسخة والصورة المناسبة له تمثال الكاتب المصري، حيث يحلو لي كثيرا أن أنزع رأس التمثال واضع رأس توفيق الحكيم.

أكذوبة البرج العاجي

توفيق الحكيم فيلسوف الأدب وأعترف أنني لا أتوقف عن التجول بين أعماله إذ يحلو لي بين الحين والحين أن أعود إليه: «رحلة بين عصرين، أهل الكهف عودة الوعى عودة الروح راقصة المعبد، بنك القلق الطعام لكل فم تحت شمس الفكر شجرة الحكم السياسي، وغيرها من الأعمال»، ليس شرطا أن أقرأ الكتاب كاملاً، ألهو كمن يتنزه في حديقة ويقطف من ثمارها الثمار التي تذوق حلاوتها من قبل ويعرفها جيداً، لذلك ينهل منها دون حساب سعيداً مطمئنا وأنا أعيد قراءة رحلة بين عصرين الذي كتبه عام 1971 حين قام برحلة إلى باريس ليقارن بين حياته هناك حين سافر عام 1927 والحياة بعد نصف قرن فماذا حدث؟ وهذه الرحلة تكشف لي كلما قرأتها خبايا سيرته الذاتية زهرة العمر وسجن العمر» وخاصة زهرة العمر» التي تدور أحداثها في باريس وحين أقرأ ما يكتبه الحكيم عن سيرته الذاتية، لا اعرف إذا كان يسرد أحداثا واقعية حدثت بالفعل أم أن الخيال يعمل في أقصى تجلياته، فالواقع عنده يختلط بالخيال والخيال يهاجم الواقع، وهذا ما يحدث لي حين أقرأ أعمالا أخرى مثل «يوميات نائب في الأرياف»، و«راقصة المعبد، وغيرها، لا تعرف این حدود الواقعي الذي عاشه وأين الخيال، أعرف أنه من البديهي أن ينطلق الكاتب من الواقع ويلعب الخيال دوره في الكتابة، ولكنني كقارئ، لا يختلط على الأمر مع الكتاب الآخرين، لأنني أعرف أن هذه رواية، وتلك سيرة ذاتية فهو بارع في خداع قارئه بمهارة شديدة أليس هو القائل: إن الكذب المتسق هو أصدق من الصدق ما الفن إلا كذب متسق جميل، وكان دائم الدعاء: اللهم نسق لي كذبي، وما البرج العاجي إلا خدعة كبرى.. ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم الأسلوب كل شيء عند كل خالق، إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود غاية الغاية مفردة من صنع العقل البشرى الصغير..... الفن لا يعيش بالغاية، لأن الغاية فانية كاسمها، إنما يعيش الفن بالأسلوب»، فهل يضع هذا الكلام توفيق الحكيم في البرج العاجي ؟

ثورة المعتزل

كان الحكيم بالنسبة لى لغزا، أقرب إلى مدينة حصينة أحاول اقتحام أسوارها وفي كل محاولة أرتد حزينا وكلما اقتربت منه عدت أجر أذيال الخيبة أعرف قيمته ولكن لا أجيد التواصل معه، ثمة حلقة مفقودة لا أعرف أين هي تبعدني أسئلته العصية على الفهم! وذات يوم وأنا أتجول بين المكتبات فاجاني العنوان المكون من سطرين مع صورة للحكيم في ملابسه الرسمية على الغلاف ثورة المعتزل - توفيق الحكيم.. الجيل والطبقة والرؤياء بقلم الدكتور غالى شكري وتقريبا التهمت الكتاب الذي فتح لي كل أسوار المدينة الحصينة بل ورأيت الحكيم يتجول في الطرقات بملابس النوم يمسك عصاه ويلهث هنا وهناك يجلس قليلاً بين أهل الكهف يرتب طبقات الحضارة المصرية ويبتسم أو يلتقى السلطان الحائرة يسأله هل يختار السيف أم القانون؟ أو يصرخ أمام بنك القلق مطالباً القيادة السياسية بحرية المواطن، لقد تحطمت كل أبواب المدينة الحصينة وصرت أعرف فيلسوف الأدب، الباحث عن ملامح الشخصية المصرية.

 

 

 

 

 

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب محفوظ.. الشهرة والمنصب فى ظل ثورة الضباط الأحرار
فارس السينما الأكبر (15) غلطة «المنضبط» بألف
بس3ق3
شمس الدين الحجاجى حكواتي وصاحب فرقة مسرحية
روايات نجيب محفوظ فى الإذاعة والتليفزيون.. فرحة لكل الناس
فهمى عمر
نجيب
محفوظ

المزيد من فن

مى سليم تصور «عيلة عاملة عمايل» فى سوريا

سافرت الفنانة مى سليم إلى العاصمة السورية دمشق لتصوير مسلسلها «عيلة عاملة عمايل».

هشام ماجد يدخل «عامل ميت» بعد «خيال مريض»

يواصل الفنان هشام ماجد العمل على مسلسله «عامل ميت » لبدء التصوير خلال الفترة المقبلة.

منة شلبى تودع «عنبر الموت» آخر الأسبوع

عادت الفنانة منة شلبى لتصوير مسلسلها «عنبر الموت»، المقرر عرضه الشهر المقبل، فور انتهاء عمليات المونتاج والميكساج.

شيكو يتعاون مع مؤلف «صقر وكناريا» فى فيلم جديد

استقر الفنان شيكو على التعاون مع أيمن وتار، مؤلف فيلمه الأخير «صقر وكناريا»، فى فيلم جديد يقوم ببطولته خلال الفترة...