الأسرة المصرية صارت حريصة على عدم المبالغة فى إعداد الطعام سامية خضر: الأزمة الاقتصادية اثرت بشكل إيجابى على تغير العادات الاجتماعية الخاطئة المرتبطة بالتبذير والإسراف
فى شهر رمضان المبارك تزداد التجمعات العائلية والروحانية التى تنبض بالدفء والمودة، وتكتسب العزومات رمزية خاصة تتجاوز مجرد تناول الطعام، لتكون مناسبة للترابط الاجتماعى والاحتفاء بالروابط العائلية.
إلا أن الحالة الاقتصادية الحالية ألقت بظلالها على هذا التقليد السنوى؛ فشهدت العزومات تراجعًا ملحوظًا فى حجمها وكثـــافتها مقـــارنــة بــالأعــــوام الماضية،
ولم تعد الموائد كما كانت ولا الأعداد، وأصبحنا نشهد تحولات فى أنماط الاحتفال؛ حيث يسعى العديد من الأسر إلى التكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة، محاولين الحفاظ على جو رمضان الروحى دون أن يثقل كاهلهم من الناحية المادية.
يظل شهر رمضان مناسبة خاصة لا تُقاس قيمته بكمية الطعام أو حجم الولائم، بل بروح المحبة والتآخى التى تسوده، وربما تغيرت طرق الاحتفال به، لكن معانيه العميقة تظل ثابتة، تذكرنا بأن الأهم هو التقارب العائلى واللحظات الدافئة التى تجمعنا، حتى وإن كانت المائدة أكثر بساطة مما كانت عليه فى السابق.
هذا التحول فى العادات يسلط الضوء على مدى تأثير الأزمة الاقتصادية فى تغير القيم الاجتماعية والعائلية التى كانت تعتبر من ثوابت المجتمع المصرى..
فى هذا التحقيق نتناول تأثير الأزمات الاقتصادية على طقوس العزومات الرمضانية، وكيف تغيرت العادات فى ظل الظروف الحالية.
تقول أميرة الشريف- محامية: لطالما كان شهر رمضان شهر الكرم والعطاء، تتجلى فيه أسمى معانى التضامن والتقارب العائلى، واعتاد الكثيرون مع قدومه على تنظيم الولائم والعزائم، ليس فقط للعائلة بل للأصدقاء أيضًا، كجزء من التقاليد الرمضانية التى تعزز الروابط الاجتماعية..
لكن فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية يبدو أن هذه العادات بدأت تتأثر بشكل واضح؛ إذ بات الغلاء يفرض نفسه على موائد الإفطار ليغير الكثير من الطقوس التى كانت جزءًا لا يتجزأ من روح الشهر الفضيل.
ففى السابق كنت أحرص على استقبال أول أيام رمضان بمائدة كبيرة تجمع كل أفراد العائلة، وكنت أراعى فيها اختيار أفخم أنواع الأطعمة، وتقديم تشكيلة متنوعة من الأطباق التى تلبى جميع الأذواق.
فلم يكن الأمر مجرد مائدة طعام، ولكنه كان لقاءً دافئًا يحمل معه أجواء الفرح والبهجة ويعكس قيم الكرم التى نشأنا عليها. كما كانت تمتد هذه الدعوة لتشمل الأصدقاء، لنلتقى فى منتصف الشهر نتبادل مشاعر الود والمحبة وسط أجواء رمضانية جميلة..
لكن مع الارتفاع الكبير فى الأسعار والغلاء غير المسبوق الذى بات يثقل كاهل الجميع تغيرت الأمور بشكل جذرى، فلم تعد الدعوة التى كانت تتميز بالتنوع والوفرة كما كانت.. فأصبحت تقام بحدود وإمكانات متاحة، بعد أن بات التخطيط لها يتطلب حسابات دقيقة.
فاقتصرت الدعوة على أهلى أول رمضان، ولكن ضمن نطاق محدود أحرص فيه على أن تكون المائدة متوازنة دون تكلف أو إسراف بما يتناسب مع الظروف الحالية.
أما دعوة الأصدقاء والتى كانت تقليدًا ثابتًا فى منتصف الشهر، فقد اضطررت إلى إلغائها تمامًا، بعد أن أصبحت تكلفة تنظيمها تفوق القدرة المالية المتاحة..
ولم يكن القرار سهلا، خاصة أن هذه العزائم كانت تمثل فرصة لجمع الأحباب وتعزيز العلاقات، لكن الواقع فرض نفسه وأصبح التكيف مع المتغيرات الاقتصادية أمرًا لا مفر منه..
فرغم الرغبة فى الحفاظ على الطقوس والعادات الرمضانية، إلا أن الأولويات تغيرت وأصبح التركيز أكثر على إدارة النفقات بحكمة لتجاوز هذه المرحلة الصعبة بأقل قدر من الضغوط.
بين كرم الضيافة وضغوط الاقتصاد
وتقول وفاء محمود- مهندسة: قبل الأزمة الاقتصادية الحالية كانت عادات رمضان فى مصر تمثل تقاليد راسخة لا غنى عنها؛ فالعزائم والتجمعات العائلية حول موائد الطعام من أساسيات الشهر الكريم، وكان تبادل الوجبات بين الأهل والجيران أمرا معتادا حتى إن ما كان يتبقى من طعام العزومة غالبًا ما يوزع على الأبناء أو يقدم للفقراء.
وهذه العادات كانت تتكرر كل عام دون النظر إلى الأوضاع الاقتصادية، وكانت بمثابة لحظات من السعادة والتواصل الاجتماعى.
لكن مع تدهور الوضع الاقتصادى أصبح من الصعب فهم أسباب التغيير الحاصل فى هذه العادات، فهل هو ناتج عن جشع التجار أم هو انعكاس حقيقى للغلاء أم أنه مزيج من كليهما؟
فقد ألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها على كافة جوانب الحياة اليومية بما فى ذلك العزائم الرمضانية التى كانت تكتظ بالأطباق المتنوعة وتتواصل على مدار أيام الشهر.
الآن.. أصبحت العزومات مقتصرة على المقربين فقط مع تقليص كبير فى كميات الطعام، ما أفضى إلى تراجع تلك العادات الاجتماعية التى كانت جزءًا من نكهة رمضان. ولم تقتصر التغيرات على العزائم وحسب، بل امتدت لتشمل العلاقات الاجتماعية نفسها كزيارة الأبناء والإخوة لبعضهم البعض حاملين معهم طعام رمضان وحلوياته كهدايا أو كما يسميه المصريون "الموسم"، بدأت تختفى وأصبح كل فرد مشغولًا بمشاكله الاقتصادية، ولم يعد أحد يتمسك بتلك العادات التى كانت تجمع العائلة وتوطد روابطها.
كما أصبحت الأسر تلجأ إلى تحضير الطعام والحلويات فى المنزل كوسيلة لتقليص النفقات، مع غياب تلك الزيارات الاجتماعية والتبادل الأسرى، كما تراجع الاهتمام بصلة الرحم والمشاركة المجتمعية بشكل ملحوظ.
وتقول دعاء حبيب- "موظفة": رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التى نعيشها فى هذه الأيام لا يزال شهر رمضان يحمل لنا نفس المعنى الذى اعتدنا عليه منذ سنوات طويلة. فنحن كبيت "نوبى" لا تزال العزائم جزءًا من تقاليدنا التى لا يمكننا التخلى عنها، ومثلنا مثل أى بيت مصرى تقليدى لا نريد أن نترك هذا الشهر الكريم دون الاحتفاظ بروح العائلة والتواصل، ولكن بالتأكيد ما تغير هذا العام هو تقليص الكميات.
أصبحنا نحرص على أن تكون الكميات مناسبة أكثر، وأن لا نبالغ فى إعداد الطعام، فهذا يتماشى مع وضعنا الحالى ويعكس فهمنا للحالة الاقتصادية التى نمر بها سواء على المستوى المحلى أو على المستوى العالمى.
وبالطبع أصبحنا نبحث عن بدائل لتقليل النفقات مثل تقليل شراء الحلويات الجاهزة من المحلات؛ ففى الماضى كنا نشترى الحلويات بكل أنواعها، أما الآن فقد بدأنا نصنعها فى المنزل.. هذا التغيير لم يقتصر فقط على الحلويات بل امتد أيضا إلى العديد من الأطعمة التى كان من المعتاد شراؤها جاهزة. كما أننا نحرص على الاستفادة من المنتجات التى لدينا ونعتمد على الموارد المتاحة فى منطقتنا.
تضيف: ومن أهم التقاليد التى لا نزال نتمسك بها فى رمضان هى الزيارات المتبادلة بين العائلات؛ فلدينا تقليد خاص فى النوبة؛ حيث نحرص على تبادل المنتجات النوبية التى تتميز بها منطقتنا مثل التمور والجبن والعسل المحلى، فهذه الزيارات التى تحمل معها منتجاتنا تساهم بشكل كبير فى تقليل التكاليف على الأسر؛ إذ يمكننا أن نتبادل ما نحتاجه دون الحاجة إلى شراء الكثير من المنتجات الجاهزة، وبذلك نحافظ على تقاليدنا ونحمى فى الوقت ذاته ميزانيتنا فى ظل هذه الأزمة الاقتصادية.
بينما تشير إيمان حسن- ربة منزل إلى أنه فى السنوات الأخيرة شهدت العزائم الرمضانية تحولًا ملحوظًا نتيجة للظروف الاقتصادية التى يمر بها المجتمع؛ فقد كانت العزائم فى الماضى تقليدا ثابتا من تقاليد الشهر الكريم؛ حيث يلتقى الأهل والأصدقاء حول موائد الطعام لتبادل الوجبات والاحتفال بروح رمضان. ومع مرور الوقت، أصبح من المعتاد أن تنظم العزائم مرة أو مرتين فقط خلال الشهر وذلك بالتدريج..
وتقول: فى البداية كانت العزائم تقتصر على التناوب بين أفراد العائلة؛ حيث يتولى كل شخص تنظيم العزومة فى عام معين بينما يأتى التناوب على الآخرين فى الأعوام التى تليها، ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية أصبح هذا التقليد يتغير أكثر وأصبحت العزائم الرمضانية عبارة عن لقاء مشترك يتم فيه التنسيق بين أفراد العائلة بحيث يحضر كل شخص طعام أسرته لتكتمل المائدة ويتمكن الجميع من التواجد معا ولكن بتكاليف أقل.
تكمل: هذه الطريقة الجديدة لم تقتصر على تخفيض النفقات فقط، بل أيضًا كانت بمثابة حل لاستمرار الحفاظ على روح اللمة الرمضانية التى تفتقدها بعض الأسر بسبب الضغوط اليومية، وعلى الرغم من أن العزائم لم تعد كما كانت سابقا إلا أن هذا التغيير أتاح فرصة للتجمع العائلى والاستمتاع بروح رمضان بعيدا عن الإسراف والتبذير، ففى ظل هذه الظروف أصبح التواصل الاجتماعى يحمل قيمة أكبر من مجرد الطعام؛ إذ أصبح هدف اللقاء هو تعزيز الروابط الأسرية والتمسك بالتقاليد الرمضانية حتى وإن تغيرت صورها.
الغلاء وعادات رمضان
د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع فتقول: أثرت الأزمة الاقتصادية بشكل إيجابى على تغيير العديد من العادات الاجتماعية الخاطئة المرتبطة بالتبذير والإسراف وخاصة فى المناسبات مثل شهر رمضان، فبعد سنوات من التقليد الزائد وتكثيف العزائم التى كانت تتسم بكميات ضخمة من الطعام والرفاهية غير الضرورية يبدو أن المصريين قد بدأوا فى تبنى أنماط حياة أكثر اعتدالًا.
وهذا التحول يشير إلى بداية الوعى بأهمية الاقتصاد فى الاستهلاك، والابتعاد عن مظاهر الإسراف التى كانت فى كثير من الأحيان تعكس تصورات خاطئة عن الكرم.
على غرار دول الغرب التى تشتهر بتحديد كميات الطعام فى المناسبات الاجتماعية وتجنب الإفراط، بدأ المصريون أيضًا فى تقليص حجم الولائم والتركيز على نوعية الطعام وجودته بدلاً من كميته..
ففى الدول الغربية يتم تنظيم هذه العادات بشكل دقيق، مما يسهم فى تقليل الفاقد الغذائى ويعزز الوعى البيئى، بينما فى مصر يلاحظ أن التركيز قد تحول تدريجيا إلى ترشيد النفقات فى العزائم وتجنب التبذير، وهو ما يعكس تحولًا ثقافيا إيجابيا نحو ترشيد أكبر فى الحياة اليومية.
ومع ذلك لا بد من التأكيد على أهمية مواجهة التحديات الاقتصادية بتفكير أكثر استراتيجية؛ إذ يجب أن يترافق هذا الوعى الاقتصادى مع اهتمام أكبر بتسليح الدولة ضد التحديات الأمنية التى قد تطرأ فى أى وقت..
كما تتطلب المرحلة الحالية تكاتف الجهود لمواجهة هذه المخاطر، مع اتخاذ خطوات جادة نحو تعزيز الأمن الوطنى..
بالإضافة إلى ذلك لا يمكن إغفال تأثير الانفجار السكانى الذى أصبح يشكل ضغطًا كبيرًا على الموارد الاقتصادية والإنفاق الحكومى؛ ففى ظل هذه الأزمة يصبح من الضرورى أن يتم التركيز على سياسات محددة للحد من النمو السكانى مثل تعزيز الدعوات للاكتفاء بطفلين فقط..
فهذه الدعوات التى تتماشى مع خطط التنمية المستدامة قد تكون الحل الأمثل لتحقيق توازن بين زيادة عدد السكان وتحقيق مستوى مقبول من الخدمات والبنية التحتية فى المستقبل.
وفى النهاية يظهر التغير الذى شهدته العادات الاجتماعية فى ظل الأزمة الاقتصادية قدرة الشعب المصرى على التكيف، ما يفتح المجال لمزيد من التفكير العميق فى قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى المستقبل.
تضامن اجتماعى أوسع
د. صفاء إسماعيل أستاذ علم النفس الاجتماعى ورئيس قسم علم النفس بجامعة القاهرة تقول:
رغم التحديات الاقتصادية التى يواجهها المجتمع المصرى فى الفترة الحالية، إلا أن جوهر شهر رمضان لم يتغير فى نفوس المصريين، بل ظل ثابتا؛ حيث تركز عاداتهم على تعزيز الروابط الإنسانية والاجتماعية أكثر من المظاهر التقليدية..
وفى ظل الأزمة الحالية تغيرت بعض ملامح الاحتفالات، لكن المصريين لم يتخلوا عن جوهر التواصل وصلة الرحم.
فبدلا من العزائم الفخمة التى كانت سمة مميزة لرمضان فى السنوات السابقة اتجه الكثيرون نحو تبسيط الاجتماعات العائلية مع الحفاظ على الجو الرمضانى المميز من روحانية وتضامن.
تكمل: وتمكن المصريون من إعادة تعريف كرم رمضان فى ظل هذه الظروف الصعبة؛ حيث أصبح التفاعل الاجتماعى أكثر قربا وواقعية بعيدا عن التبذير أو الإسراف، فالكرم الذى كان يقتصر على تقديم الطعام أصبح يشمل الدعم المعنوى والمادى بما فى ذلك التبرعات والمساعدة للأسر المحتاجة، وهو ما يعكس روح التكافل التى لا تقتصر على الجانب المادى فقط بل تتجاوز ذلك إلى التضامن الاجتماعى والنفسى.
إن هذا التحول فى العادات يعكس قدرة المصريين على التكيف مع التحديات ونجاحهم فى تحويل الصعوبات إلى فرص لإعادة التواصل والتقارب على مستوى أعمق، مما يبرهن على أن رمضان بالنسبة لهم ليس مجرد موسم لتبادل الطعام والشراب بل هو فترة لتعزيز قيم التعاون والمساعدة فى أوقات الشدة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...