رمَضانِيَّاتٌ مِصرِيَّةٌ .. السِّر فِي التَّفَاصِيل ..!

يوميات رمضانية..يكتبها محمود علام

"رمضان في مصر حاجة تانية.. والسر في التفاصيل.. رمضان في مصر غير الدنيا..طعمه بطعم النيل..في كل حتة بنتمشى فوانيس وزينة في الشارع.. صوت الآذان يدخل قلبك.. ونصلي تراويح في الجامع" تلك هي الكلمات البسيطة التي صاغها أيمن بهجت قمر، وغزل ألحانها وليد سعد،وصدح بها حسين الجاسمي؛لم تكن مجرد أهزوجةٍ عابرة أو"لازمة" دعائية لحملةٍ أُذيعت في رمضان قبل أربع سنوات، بل كانت "بيانَ محبةٍ مصريٍّ خالص"، معمورًا بالشجن والدفء،وممهورًا ببصمة القلب.

 

هي ليست أغنيةً تُسمَع بقدر ما هي إحساسًا تألفه الأرواح ؛ إقرارًا صريحًا بأن لهذا الوطن توقيتًا خاصًا للقلب، لا تُضبط عقاربه إلا برؤية هلال رمضان.هي بضع كلمات، لخّصت حكاية مصر مع الشهر الكريم، ومنحته عنوانًا لا يليق إلا به وبها. هي أقرب إلى اعترافٍ جماعي ..كأنّ مصر كلّها تبتسم في لحظة صفاء وتقول:نعم، نحن نحتفي به ولكن بطريقتنا الخاصة والمختلفة ؛ نصنع من التفاصيل طقسًا، ومن الطقس ذاكرة، ومن الذاكرة وطنًا يتجدد كل عام.

إنها حالةٌ تكاد تكون "فيزيائية" في تفرُّدِها؛كأنّ جُزيئات الهواء فوق ضفاف النيل تُعيد ترتيب نفسها،فتخلع عن كاهِلها غُبار العام وثِقله،وتكتسي بخِفّة الروح، وتفيض حناناً لا يسعه إلا قلب صائم. في مصر، لا يمرّ رمضان على صفحات التقويم الهجري مرور الكرام العابرين، بل يتجلّى نورًا إلهيّاً متدفّقًا في الشرايين، يصبُغ الوجوه بمسحة رضا، ويجعل من صوت الأذان نبضًا خفيًّا تهتزّ له أركان الروح،ومن صلاة التراويح معراجًا يوميًّا نحو السّكينة.

هنا تُعزف ترنيمة "السر في التفاصيل" دون أوركسترا، فكلُّ حيٍّ مقامٌ، وكل شارعٍ لحنٌ وكلُّ بيتٍ نغمةٌ،وكلُّ شرفةٍ أنشودةٌ.رمضان في مصر ليس شهرًا في وطن..بل وطنٌ يتخلّق داخل آخر جديد.

دُستورُ البهجة .. وأَنْسَنَةُ الزمن .

لا ينبغي لهذه الكلمات أن تمرَّ على مسامعنا مرور الكِرام،ففي طياتها يكمن"دستور البهجة المصري" الذي صاغته القلوب قبل الأقلام. فحين نُفتش في ثنايا تلك التفاصيل،نكتشف"مغناطيسيةً روحانية"عابرة للحدود،تجذب الأنفس من شتى بقاع الأرض ليؤمن الجميع بيقينٍ تام أن رمضان في مصر"حاجة تانية".

 لقد نجح المصريون، بعبقريةٍ فطريةٍ متوارثة، في "أَنْسَنَةُ الشهر" ؛ فحولوه من مجرّد توقيتٍ جليلٍ عابرٍ للأيام إلى"وطنٍ مكتمل الأركان"، وطنٍ لا يحتاج تأشيرة دخولٍ سوى قلبٍ صافٍ يفيض بالمحبة، لغتُه الرسمية هي "المودّة"، ونشيدُه الوطني الخالد هو صوت "الآذان" حين يعانق ترانيم الروح في الأزقة العتيقة، أما عَلَمه الخفاق فهو "الفانوس" الذي يُطرز اللّيل بنور الحنين، بينما تمتد حدوده الجغرافية كجسرٍ من الضياء عبر "موائد الرحمن" التي لا تعرف لها نهاية.

ففي مصر، لا يحلُّ رمضان ضيفاً كريماً يُستقبل بترحابٍ ثم يُودع، بل يأتي كــ "ربِّ الأسرة" الغائب، الذي أدركه الحنين فعاد في موعده المُقدّر بعد أن غاب أحد عشر شهراً؛جاء يطرق الأبواب وهو يعرف مواضع مفاتيحها،بل ويملكها،يعلم اسم الجارة التي ترقبه من خلف النافذة،ويدرك عدد درجات السلم العريق. يدخل البيوت جميعها، فيبدّل "ستائر الروح"،ويُعلّق على الشُرفات قناديل النور،ويغير ملامح الشوارع حتى تصبح رائحة المساء خليطاً من قمر الدين،وشجى صوت المؤذّن،وضحكات الأطفال التي لا تغيب.

هنا، في مصر، أنت لا تصوم رمضان..بل أنت" تسكن فيه"، تستوطن تلك "الخلطة السّحرية" التي تجعل الفقير يُطعِم الغني بابتسامةٍ تسبق يده،وتجعل الغريب يشعر فجأة بأنه"ابن الدار"وحاملٌ لجنسيتها الروحية. إنها "شفراتٌ وراثية" تسري في العروق، ووصيةُ نورٍ نكتبها بدمع الخشوع في عيون أبنائنا قبل أن يرحل الشهرالكريم.

فرمضان في مصر ليس شهراً يُعدُّ بالأيام ولا بحركة الأفلاك، إنه زمنٌ يُعاد تشكيله ليُعاش بالقلوب؛لم يعد مجرّد منسكٍ،بل صار حالةً وجوديةً مصرية،تذوب فيها الفوارق لتتجلى فيها أسمى معاني الإنسانية والبهجة هي تفاصيلٌ تكمن فيها الأسرار، وإن غُصنا فيها فلن نُحصيها عدداً، لكن يكفينا أن نُلامس بعضها برفق بحثًا عن"روح رمضان".

عَـقدُ السَّـماءِ .

تبدأ الحكاية بـ"الهلال" ؛ ذاك القوس الفِضي الذي تُعلن دار الإفتاء عن ميلاده فترى "عَقداً اجتماعياً وجدانياً" قد وُقِع بين السماء والناس، ينصُّ في بنوده الروحانية على أن نكون: أجلَّ خُشوعاً، وألطف رُحماً، وأسخى تصدُقاً ، وأصدق ابتساماً، وأكثر رقةً، وأقرب مودّةً.

إنه إعلانُ "العودة الجماعية إلى أصل الإنسانية"؛إلى دِفء البيت القديم،وسكينة الحارة الأصيلة، حيث ينساب القرآن من النوافذ والعربات كأنه"نهرٌ ضوئيٌ" يمسُّ روح العابرين، ويغسل تعب الطرقات، ويُعيد للأزقّة ملامحها الأولى.في هذه اللّحظات،تنحاز الروح لسكينتها، وتتحد الوجوه في صلاةٍ واحدة، فيصيرالوطن كله"محراباً كبيراً"، والناس فيه زُمرةٌ من المنشدين يرتلون آيات المحبّة والصبّر، فالهلال لايُفصح عن بداية شهرٍ فحسب،بل يُعلِن بداية نسخةٍ أصفى من الإنسان المصري وأنَّ العودة للأصل هي في مصر.. تبدأ دائماً بـ "الله أكبر".

أيقوناتُ الضَّـوءِ .. الفانـوسُ والـزِّينةُ .

مع قدوم الشهر العظيم،يخرج "الفانوس" من مخبئِه التاريخي كطفلٍ استعاد عيده؛يُطلّ بوجهه النُّحاسي العتيق،ويُوقِظ لحن"وحوي يا وحوي" الذي عبر عقودًا من السنوات وبرهن أنه عصيًّا على النسيان،ثابتًا في هوية الفرح.الفانوس في مصر ليس قطعةً من معدنٍ وزجاجٍ ملوَّن فحسب،بل هو "صكُّ انتماءٍ" يلمع في الكفوف الصغيرة، ووعدٌ دافئٌ بأن البهجة ممكنةٌ وآتية. تراه نجمةً تدلّت من علياء شُرفات البيوت لتصافح المارّة  في الأزقّة الضيّقة. هو أوّل الحكاية.. وآخر الضوء.

أما "الزِّينة"،فهي ميثاقُ الجُدران التي ترفض الصمت، فالشوارع لا تتزيّن امتثالاً لقرارٍ رسمي، ولا استجابةً لواجبٍ ؛ بل هي "مبادرة حيٍّ كاملٍ" يستحي أن يستقبل الشهر "عارياً" من ثياب البهجة..تلك الحبالُ الممدودة بين النوافذ، وخيوطُ الضوء المتشابكة فوق الرؤوس، هي في حقيقتها "جسورِ مودّةٍ معلّقةٍ في الهواء" تصل جارًا بجار، وتؤكد أن الفرح في مصر لا يكتمل إلا إذا كان مشاعًا للجميع.

 

 

حتى تلك القُصاصات الورقية الملوّنة،التي قد تبدو عابرةً في عين الكبار،تتحوّل في مُخيّلة الطفل إلى" سماءٍ كاملة "يملِكها بين يديه،ويحلّق بها نحو آفاقٍ من السعادة. إنها ليست زينةً تُعلّق ثم تُنزَع ؛ بل هي ذاكرةٌ بصريةٌ جماعية،كلّما أضاءت،أضاء معها شيءٌ قديمٌ في القلب.

مِدفَعُ الإفطَارِ.. تَوقِيعُ الغُرُوب و دقَّةُ الزَّمَنِ.

وحين تميلُ الشمسُ نحو أُفقِها الأخير ، تتشبثُ العيون بلحظةٍ معلَّقةٍ بين الصبر والفرج؛ لحظةٌ يترقب فيها الصُّوَّامُ صوت مدفع القلعة, ذلك الصوت الذي يدوّي في الأعماق قبل دَويِّهِ في السماء فيرتجف الهواء لحظةً،حتى من لم يسمعه،يشعر به..إنه ليس مجرّد إشارةٍ زمنية، هو خاتمةُ نهار كُتب بالصبر الجميل والاحتساب،كأنّه توقيع المساء على صفحة الصوم.يدوّي صداه فوق الأسطح،ويسري حول الجُدران فتتلاقي القلوب قبل حراك الأفواه ثم تهدأ على تمرٍ وماء.

هَمْسُ الأَذَان و مَائِدَة النُّور .

ثمّ يجيءُ الأذانُ ..لا كصوتٍ يُسمَع، بل كهيبةٍ تُلامس الأرواح.لحظةٌ يتأدّب فيها الوقت ويتوقف الزمن احتراماً،فتخفِض القاهرة صخبها،وتًنصتُ النوافذُ،وتُصغي القلوب في خشوعٍ كأن مآذنها التي تفوق الألف اتفقت سرًّا على أن تذهب بالقلوب إلى باحة الطمأنينة. فيتردّد التكبير في الفضاء، في لحظة "احتشادٍ كونيٍّ" لتلبية نداء السكينة حتى ليُخيّل للمرءِ أنّ السّماء مالت قليلاً لتلاقي الأرض وتمنحها البركات.

يرتفع الدعاء خفيفًا، مُنمّقا، يمتزج مع بُخار الحِساء المتصاعد، حتى لَيُظَنُّ أن البيوت كلّها تُصلّي بصوتٍ واحد، وأن الجُدران تُنصت للنداءِ كما تُنصت القلوب.تمرةٌ صغيرةٌ تصير علامة بدءٍ،ورشفةُ ماءٍ تتلألأ كأنها الينبوع الأوّل في فجر الخليقة.

على مائدةِ الإفطار المصرية، لا يُقدَّم الطعام وكفى، بل تُستعاد الطمأنينة الضائعة. هناك، تتجاور الكنافة والقطايف كنجمتين في سماءٍ واحدة،ويستريح الخُشاف في صفاء صحنه الزجاجي،بينما يلمع قمر الدين كغروبٍ محفوظٍ في وعاء من شفق.أما التمر هندي والعِناب فيغسلان تعب النهار، ليمهد الشاي من بعدهما دروب السمر العذبة.

إنها مأدبة "طقس مذاقٍ وروح"؛ تُعيد ترتيب العائلة حول دائرةٍ من دفءٍ ومودّة؛ حتى الخلافات القديمة التي أثقلت الصدور..تنحني وتتوارى خلف مقعد الصمت، احترامًا لبركات اللحظة.

 

حِينَ يَصِيرُ الكَرَمُ عَقِيدَةً .. مَوَائِدُ الرَّحْمَن.

في رمضان، تُفْرَشُ القلوب قبل أن تُفْرَشُ الموائد على الأرصفة ولعلَّ أبهى تجلّيات تلك "الحاجة التانية" ــ التي أشارت لها الأغنية ــ هي "موائدُ الرحمن" حين يتجسّد المعنى، وتسير الرحمة بين الناس بثوبٍ بسيطٍ ورائحةِ طعامٍ ساخن. هناك، على امتداد الشوارع، تتحوّل الأرصفة إلى جسورٍ محبّة افترشت الطرقات، وشرايين كرمٍ تمتد لتربط جنبات المدينة بقلوب قاصِديها. وتغدو الدروب شاهدًة على طقسٍ إنسانيٍّ بديع.

تتجاور المقاعد بلا ألقابٍ، وتتقارب الأكتاف دون سؤالٍ عن اسمٍ أو مهنةٍ أوحتى ( ديانةٍ ). تذوب الفوارق كما يذوب الملح في الماء؛ يدٌ اعتادت العطاء تُصافح يدًا تعوّدت الصبر، وفي تلك المصافحة اعترافٌ صامت بأن الكرامة لا تُقسَم، وأن الجوع لا يُفرّق بين القلوب . لحظة المغرب هناك ليست مجرّد موعدٍ للإفطار، بل وعدٌ خفيّ بأن أحدًا لن يُترك وحيدًا جائعاً في حضرة الغروب.

وموائدُ الرحمنْ ليست طعامًا يُقدَّم، بل طمأنينةٌ تُوزَّع..هي لحظةٌ يَلُفُّها شعورٌ دافئٌ بأن الكل ضمِن إفطاره قبل أن يميل قرص الشمس للمغيب،ففي مصر،كل مائدةٍ هي"بيتٌ"،وكل عابر سبيلٍ هو"ضيفُ الله". وكرمٌ يرتقي من عادةٍ اجتماعية إلى عقيدةٍ يوميّة، تُؤمن بأن الخير حين يُشاع، يتّسع للجميع.

ولا تتعجب إذا ما رأيتَ مائدةً من موائد الرحمنْ تستظلُّ بظلال كنيسةٍ أو تمتدّ على تخوم أسوارها,أو تَفْتَرِشُ صَحْنَها في عِناقٍ مهيب، لا تندهش فنحن قد ألِفنَا أن نرى شَبَاب القِبْطِ يُوزِّعون التمر والماء بوجوهٍ باسمة بالطرقات وتحت أصوات المآذن، واعتدنا على خجلهم النبيل من تناول الطعام بنهارنا، فمنهم من يصوم صيام "السيدة مريم العذراء " ليتذوق مع جاره حلاوة الصبر. هنا، يُصهر الإيمان في بوتقةٍ واحدة، فيصبح الصوم "صومَ محبّة", وتغدو الهويّة الأوسع والأجمل اسمها "مصر".

ثُنائِيَّةُ الوِجدَانِ: المسَاجِدُ والتَّرَاوِيحُ.. رِحلَةُ تَهذِِيبُ الرُّوح.

في ليالي المحروسة الرمضانية، تغدو المساجد "كائناتٍ حيّة" تتنفّس نوراً بعمقٍ مغاير؛ تفتحُ أبوابها للظامِئِين إلى السكينة كما تُفتحُ القلوبُ الصادقة للتوبة، ويُسكب الضوء من مآذِنها العتيقة على الطرقات كأنّه دعوةٌ رقيقةٌ إلى الطمأنينة. يمضي الناس إليها بخُطى هادئة، يحمل كلٌّ منهم ثِقل يومه بين ثنايا سَجَّادةِ تعَبُّدهِ ، ليعود بقلبٍ أخفّ وروحٍ أصفى.

وتحين"صلاةُ التراويح"،وهي ليست مجرّد ركعاتٍ تتعاقب،بل هي"مؤتمرٌ سنويٌّ للسكينة"؛يختلط فيها عبق التاريخ بصوت الإمام الشجي، فيشعر المصلي أنَّ المدينة بمآذِنها وأزقتها تركع معه. تلتصق الأكتاف في صفوفٍ متراصّة، وتتلاشى الفوارق الصغيرة التي أرهقتنا في ضجيج النهار. هناك، في حضرة الله، يتساوى الجميع:الغنيّ والفقير، القويّ والضعيف، يركع المصلي فيجد جاره إلى جواره، والغريب القادم من قريةٍ بعيدة خلفه،والطفل الصغير الذي يحاول تقليد الكبار بين الصفوف ببراعةٍ فطرية؛ تصبح الصلاة "جماعة" في الروح قبل الجسد، وتذوب "الأنا" في بحرٍ من"آمين" تتردّد كنبضٍ جماعيٍّ واحدٍ يهزُّ أركان الصمت.

 

كل هذا الشوق يُمهّد الأرض لقدوم اللّيالي العشر الأواخر بمذاقها المختلف وخشوعٌها الذى يلامس السماء ,وصمتٌ محبيها لتتّسع الأفاق، لتضرعات الدعاء ونفحات القدر.

في ثًنائية مسجدٍ يفتح القلب، وتراويحُ تُعيد ترتيب الروح، لتظلّ تلك اللّيالي دوماً هي الملاذ الذي يجد فيه العبد طريق العودة إلى الله مبتهجًا بوعود المولى بصكوك العتقِ العشريّة .

لَيالٍ بطَعمِ الحِكاية.. دراما السَّمَرِ وأُنسُ الحارات.

رمضانُ في مصر هو موسمُ الحكاية بامتياز؛ حين يتحوّل البيتُ والشارعُ إلى مسرحٍ واسعٍ للسمر، وتغدو اللّيالي صفحاتٍ مفتوحةً من كتابٍ شعبيٍّ لا تنفد حروفه.

ما إن تنقضي التراويح،وتهدأ المساجد على عبير البخور وطمأنينة الركعات،حتى تستيقظ "مصر الأخرى"..مصر الحواديت والضحكات الممتدّة حتى أناء اللّيل.

تأتي"الدراما الرمضانية"هنا لا كترفٍ عابرٍ،بل هي"ديوانً العرب الحديثً " الذى تُكتب فيه ملامح الناس. تلتفّ العائلات حول الشاشة كما كانت تلتفّ قديمًا حول "الحكّاء" ، يتجادلون في مصائر الأبطال، ينحازون،يغضبون،ويصفحون،وكأنهم يشاركون في صناعة الحكاية لا مشاهدتها فحسب. وفي غمرة ذلك، يقتسمون الضحكات مع أكواب الشاي بالنعناع التي يُبخّر عطرُها دفءَ الجلسة، بينما تتجاور قطع الحلوى في الأطباق الرمضانية تُنير سماء السهرة.

وخارج البيوت،في الدروب وأمام المقاهي العتيقة التي تفوح بعطر الزمان ، يمتدّ اللّيل وديعًا مُؤنِساً. فتصير الكراسي الخشبية منصّاتٍ للبوح، وتدور أكواب الشاي كأنها ساعةٌ أخرى لقياس الوقت الجميل. تتشعّب الأحاديث؛من ذكريات الطفولة البعيدة إلى شؤون الغد المأمول ، ومن نقد المسلسلات الى " قفشات" مشجعي النوادي الرياضية المتنافسة الذين ينتقدون ويحلّلون خطط اللّعب بمرارةٍ ضاحكة، وصولاً إلى تلك الضحكة الصافية التي لا سبب لها سوى الأُلفة. هكذا تذوب الحدود بين البيت والمقهى والشاشة؛كلّها أمكنةٌ يجمعها "أُنسُ الرِّفقة"، وكلّها تُنصت للحكاية ذاتها وإن اختلفت الجدران. هناك، يصبح السهر هو الآخر طقسًا اجتماعيًا راقيًا، يخلط بين حكايا الأمس ونبض اليوم. إنه "السهر الحلال" حيث يذوب الوقت في معية الأحبة.

مُنَادِي القُلوبِ في وَقتِ السَّحَرِ .

عند السَّحَر، يمرّ المسحراتي " الحكواتي" شاعرُ اللّيل والأسحار. يمشي بطبلته الخجولة بين الحارات كأنها نبضاتُ حيٍّ عتيق ، يعرف أسماء أهل الحي بيتًا بيتًا، تماماً كما يعرف أبيات قصائده. فيُنادي بملءِ صوته "اصحى يا نايم .. وحّد الدايم " نداءٌ لا يُوقظ الأجساد الناعسة وحدها،بل يوقِظ ما هو أقدم من النوم : الحنين الغافي، والطمأنينة الساكنة، وذِكر الله المُتهادي في العتمة. تتداخل دقات الطبل مع همس التسبيح الصاعد من النوافذ، فتغدو الأزقة محراباً مفتوحاً، ويصبح السَّحَرُ لحظة صفاءٍ مرهفة، كأنَّ المدينة كلّها تسبّح بلسانٍ واحد قبل أن يبزغ الفجر.

 أما "السُّحورُ"، فهو تلك الهمسةُ الرقيقة في أًذن اللّيل، وموعدٌ منتظرٌ مع الصمتِ المهيب الذي يسبقُ الخيط الأبيض. تخفُت الأضواء، وتلين الأصوات، فالسحور في مصر ليس وجبة متأخرة، بل لحظة اجتماع استثنائية تلتفُّ فيها العائلة حول مائدةٍ بسيطةٍ لكنّها عامرةٌ بالرضا والبركة، تجتمعُ الأسرةُ وهم يسمعون نقرات المسحراتي القادمة من بعيد ليكتبوا "وعداً جديداً بالصيام"، وعهدًا صغيرًا بالصبر يمتزجُ بدعوات الأمهات الصافية وضحكات الأبناء الهادئة، ويقين الآباء الذي يطالع الغد بقلبٍ مطمئن، بينما يحاول الصغيرُ ــ ببطولةٍ محببة ــ مقاومة النُّعاس ليكون جزءاً من هذا الطقس المهيب. إنه الحبلُ السِريُّ الذي يربط الأرضَ بالسماء، قبل أن يُعلِن المُؤذنُ بدءَ يومٍ جديدٍ من المحبة، فيمضي الجميع لصلاة الفجر بيقينٍ يملأ الصدور بأنَّ الغد سيكون أنقى من الأمس، وأقرب إلى وجه الكريم.

فِي كُلِّ تَفصِيلَةٍ دَفْءٌ .. وَفِي كُلِّ سِرٍّ حَيَاةٌ .

لعل القاصي والداني يدرك أنَّ رمضان في مصر ليس شهراً يُعدُّ بالأيام، بل هو حكايةٌ نرويها بالدفء، ونكتبها بالحب، ونعيشها كأنها العمر كله؛ هو حالةٌ من الوجد تستوطن الشوارع والقلوب، ونسيجٌ فريد يربط الأرض بالسماء؛ فما بين صدى "وحوي يا وحوي" في الأزقة ، وتمتمات المصلين تحت قباب " السَّيِّدَة والحُسَين "، وصيحة "اصحى يا نايم" في جوف العتمة، تتجلى "فلسفة الوَنَس" التي تجعل من مائدة الرحمن مزاراً للحب قبل الطعام، ومن فوانيس الأطفال مشاعل تطرد عتمة الروح. في مصر، يرتدي اللّيل الرمضاني حُلّة من نور، وتكتحل العيون بدموع الخشوع، لتمتزج رائحة البخور بعبير الخبز الساخن، معلنةً أنَّ "البركة" ليست في وفرة الأشياء، بل في روح الجماعة التي لا تعرف الانكسار. إنها "عبقرية دفء التفاصيل"؛ تلك التي تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها باذخة العمق في معناها، هي "الكيمياء" التي تُذيب الفواصل بين ما هو سماوي وما هو أرضي؛ فتتحول العبادة إلى حياة، والحياة إلى احتفال، والاحتفال إلى ذاكرةٍ عصيّة على الغياب.

وإذا سأل سَائِلٌ: لماذا رمضان في مصر"حاجة تانية" ..؟ سأُجيبه بملء اليقين: لأنَّ السِّرّ يكمن في تلك القلوب المصرية البارعة، التي تعرف بالفطرة كيف تحوّل الشهر إلى"وطنٍ مؤقت"، والوطن إلى "عائلة كبيرة"، والعائلة إلى "دعاءٍ واحد" يرتفع من ملايين الحناجر تحت سماءٍ واحدة.

كل هذا الجمال، ولم أُحدث السائل بعد عن تفاصيل قماش"الخيامية"؛ ذاك الذي يحكي بخيوطه المتشابكة قصص الصبر الشعبي الطويل، ولا عن زجاج الفوانيس الملوّن وهو يعكس أحلام البسطاء المنكسرة، التي لا يُجبُرها ويُعيد بريقها سوى ضوء رمضان.

ولم أُفنّد له "التراتيل السماوية" تلك التي تُشكل وعي الروح ؛ بدءًا من ابتهالات "النقشبندي" التي تُحلِق بنا فوق السحاب، مروراً بــ "تجويد رفعت" الذي ينساب في وقت الغروب كأنه صدىً من الجنة، وصولاً إلى "خواطر الشعراوي" التي تُبسّط الدين كشربة ماء، و حديث الإمام الأكبر" بوقاره الذي يمنح النفس طمأنينة اليقين.

لم أُطْلِعه على دفء "العزائم الأُسريّة" التي تُعيد لمّ الشتات وتُجبر خواطر المسافات، ولا عن منصّات "الياميش" التي تفترِش الشوارع كلوحاتٍ فنية، وقوارير "العرقسوس" التي يصبها الباعة في الكؤوس كأنهم يروون بها ظمأ السنين. إنها التفاصيل التي تجعل من الزمان مكاناً يسكُننا، ومن العادة عبادة، ومن مصر مئذنة الدنيا وملاذ الروح.

ولم أَقْصُص عليه نبض "الأسواق المُكتظَّةِ بالحياة"، حيث الصخب يُصبح لغةً للمودّة، ولا حماس"دورات الكرة الرمضانية" في الساحات الشعبية المتربَة ، هناك حيث يختلط العرق بالفرح، وتشتعل المنافسة بروحٍ طفولية ترفض الكبر.

ولم أصِف له كيف تتألق "الخيام الرمضانية" بمزيجٍ ساحر وفريد ؛ تتمازج فيها تقاسيم الموسيقى الشرقية بوقار الإنشاد الديني، في شعورٍ وجدانيٍّ لا يحدث إلا هنا ؛ حيث يتجاور "الوتر" مع "الذِكر" ليرسما ملامح ليلٍ لا يشبهُهُ ليْلٌ. في القاهرة، يبدو اللّيلُ أطول في ساعاته، لكنه أخفُّ على الروح من نسمة فجر.. حتى لَيُخيَّلُ للجميع أنَّ "السهر" في حضرة هذا الجمال، ومع أُنس هذه الرفقة، ليس إلا عبادةً أخرى تتقرب بها القلوب إلى خالقها بالبهجة والرضا.

ومع اقتراب رحيل الشهر، لا ينطفئ الضوء، بل يُطوى كصفحةٍ عزيزةٍ تُخبأ في وجدان الزمن؛ لتبقى ضحِكات الأمهات المنبعثة من فوق عجين "الكحك"، الممزوجة بصهيل فرحة الأطفال بثياب العيد، شواهد حيّة على أنَّ مصر تظلّ دائماً القلب النابض للروحانية.

إلا أنَّ أجمل ما في هذا الشهر ليس ما يُعلَّق في الشرفات، ولا ما يُؤكل على الموائد، ولا حتى ما يُسمع من نغمٍ وتراتيل؛ بل هو تلك "السعادة التي لا تُرى" ؛ تلك الرّقّة العجيبة التي تسري في العروق وبين الناس، فيخفتُ صوت الغضب،ويكثر السلام،وتصبح كلمة "كل سنة وأنت طيب" دعاءً حقيقياً يخرج من القلب، لا مجرد مجاملةٍ عابرة.

ليالي رمضان في المحروسة لا تنتهي بإتمام الصيام, ولا بإخراج الزكاة، بل تُطوى لتُفتح من جديد في القابلِ من الأعوام، بالحُبّ ذاته، وبحكايةٍ تُروى بروحٍ أكثر دفئاً، فرمضان في مصر هو الموسم الذي تعود فيه البلاد إلى "قلبها الأوّل"، وتستيقظ ذاكرتها الجماعية كأنها تحفظ سرّاً قديماً لا يشيخ. إنه الهوية، والذاكرة، والملاذ الذي يذكّرنا أنّنا ــ مهما تفرّقت بنا السُبل ــ نعرف جيداً الطريق إلى مائدةٍ واحدة، وقلبٍ واحد، وهلالٍ واحد ووطن واحد.

وبقيّ فقط أن نذكر، أنَّ كل ما سُطِر هنا ليس إلا صدىً لِما استطاع القلمُ حصرَه، بينما لا تزال هناك أسرارٌ لا تُحصى تسكن في ثنايا التفاصيل، لم يَبُح بها الزمانُ بعد؛ أسرارٌ تختبئُ في نظرةِ رضاً بين غريبين جمعتهما  مائدة، أو في دعوةٍ خفيةٍ أطلقها شيخٌ في جوفِ ليْل، أو في دمعةِ فرحٍ سقطت من عينِ أُمٍّ وهي ترى شملَ عائلتها يكتمل. إنها التفاصيلُ التي ترفضُ أن توصف بالكلماتِ وتختارُ أن تُعاشَ فقط ، ليبقى رمضان في مصر سراً مقدساً، يُدركه القلب.. ولا يحيطُ به بيان.

ـــــــــــــــ

 

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

الدكتور أسامة الأزهري: رمضان شهر تعظيم الشعائر وتكبير الله

رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...

باب العزب

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

دار كسوة الكعبة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الخيامية صناعة مصرية تطورت لخدمة كسوة الكعبة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...


مقالات