أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق مسميات وكنى مثل شهر الخير،

شهر الإحسان، شهر الرحمة شهر غفران الذنوب، وكلها مسميات خاصة بالعبادة، والتقديس، لكن كعادة المصريين عندما يحولون كل شعيرة دينية إلى احتفال شعبى، يتفردون به في ممارسة الطقس الديني، وبالوقت يصبح تراثا مميزا تتوارثه الأجيال.

في تظاهرة متناغمة تعزفها حواري مصر وشوارعها من أقصاها إلى أدناها، يعلنون عن قدوم شهر رمضان باستقباله بما يليق به في الثقافة الشعبية المصرية بداية من تعليق الزينة في الشوارع لتهيئة الأجواء لباقي الطقوس المصرية الخالصة.

الدكتور مصطفى جاد الرئيس الأسبق لأكاديمية الفنون وأستاذ الأدب الشعبي يتحدث عن هذه الظاهرة التي أصبحت من معالم شهر رمضان في الحارة المصرية

فيقول: "كعادة المصريين في تحويلهم المناسبات الدينية إلى طقس اجتماعي، يجمعون فيه بين الروحانية في الاحتفال، والمشاركة الجماعية.. وزينة رمضان هي أكبر دليل على هذا، وإن تبدو بسيطة إلا أنها تحمل في تفاصيلها أكبر دواعي السرور، وإن كانت الآن تباع جاهزة لكنها منذ عقد أو أكثر بقليل كانت حالة اجتماعية يتشارك فيها الأطفال والشباب والكبار، فأطفال الحارة كانوا يتبارون في مجموعات لقص وتلوين الورق، بألون مدرسية، واللصق بمواد بسيطة من النشاء أو الدقيق، ورسم مثلثات أو دوائر باشكال بسيطة وعفوية لكنها تحمل طابع المكان، ويأتي دور الشباب الأكبر سنا ممن يستطيعون صعود ونزول السلم الخشبي لربط الزينة، وتأتى أصوات السيدات من الشبابيك، والبلكونات لتنادى على بعضهن الأخذ خيط الدوبارة، في السلة المعلقة، حتى تتم المهمة وتزين الحارة قبل قدوم الشهر بأيام، ويكمل د. مصطفى تصل هذه الحالة من المشاركة الاجتماعية إلى ذروتها بعد أن يتم تعليق الفانوس، ويبدأ شهر رمضان، يخرج الأطفال الذين شاركوا في صنع وتعليق الزينة ليلعبوا بفوانيسهم تحت ما صنعوه، ليسهروا يلعبون، ويغنون أغاني خاصة بما حفظوه من التراث وحوى يا وحوى، إياحه" أو "يا فاطر رمضان يا خاسر دينك، فالشارع أصبح مسرحا قاموا بزينته وإضاءته ليؤدوا عليه ألعابهم، وهذا يبدأ دائما بعد أن تنتهى الصلوات في المساجد، فالطقس الروحي له قدسيته، لكن الطقس الاجتماعي هو ما يجعل روح الشهر خارج المساجد والبيوت، فالشوارع لاتنام وتأنس بالطقوس الاجتماعية، والتي أصبحت ميراثا ثقافيا وإنسانيا لامثيل له في أي مكان".

الذائقة الشعبية لم تكتف بما حققته من طقوس اجتماعية وعادات، أصبحت من أساسيات الشهر الكريم، بل أدخلته في أمثالها الشعبية المتداولة على السنة العامة، ليصبححاضرا في الكلام والتندر، وإن غاب بطقسه الروحاني والاجتماعي.

صامت يوم واتمخطرت للعيد المثل للتندر على الفتاة التي تقوم بفعل صغير وتدعى التعب من أقل شيء.

- صايم لطلق الحمام وهو أيضا للسخرية من قلة العمل فالحمام يطلق بعد الفجر عند طلوع النهار، فالمسافة من الفجر إلى طلوع النهار قصيرة جدا، أو أن الشخص غير صائم بالمرة.

رحت أعمل مسحراتي قالوا: ما فرغ رمضان.. وهو مثل على سوء الحظ.

أما الدكتور مسعود شومان الباحث في التراث الشعبي فيؤكد: "المصريون تعاملوا منذ مئات السنين مع شهر رمضان بشكل مختلف عن كل الشعوب الإسلامية، فهو شهر احتفالی، بداية من ليلة الرؤية، فكان الناس يخرجون مع الحاكم في زفة لاستطلاع هلال شهر رمضان، فكانوا يتعاملون مع الهلال بمثابة ولادة لطفل صغير يستحق الاحتفال، هذا المولود لابد من الاحتفاء به، وهو يكبر كل يوم، حتى يشيخ في آخر الشهر، وهم في حفلات الميلاد يعلقون الزينة، ويمدون أسمطة الطعام، التي أصبحت موائد الرحمن، ويشعلون الفوانيس، وكل مصرى يريد أن يستضيف هذا المولود عنده فيغنون یا رمضان یا صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، وحياة أبو العباس تيجي تبات عندنا يا رمضان يا عود كبریت یا مخوف کل العفاريت سقت عليك أهل البيت تیجی تبات عندنا يا رمضان يا أبو شخليلة، أول سحورك الليلة.. فهم يزينون له الشوارع في استقباله، وينتظرون منه أن يرد لهم هذه العطايا بركة وخيرا وهم قسموه إلى ثلاثة أجزاء أو ثلاث عشرات العشرة الأولى هي استقباله طفلا بالزينات والفوانيس والتجمعات العائلية كسبوع الطفل، والعشرة الثانية، وهي الاحتفال به شابا بشراء الملابس الجديدة وعمل الكحك، والعشرة الأخيرة هي عشرة التوحيش والوداع ليدخل في الأبدية؛ فهو يموت ثم يخلق من جديد في كل عام وكما استقبلوه بالأغاني يودعونه

يارمضان يا أبو صحن جديد آخر سحورك ليلة العيد يا رمضان يا أبو العيلة مش باقى لك إلا الليلة.

 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات

دار كسوة الكعبة
  • السبت، 28 فبراير 2026 09:00 ص
إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م