زيارة جديدة لدنيا الفوانيس

من أشهر أنواع الفوانيس المنتشرة حالياً: « المقرنص» المستلهم اسما وشكلا من المقرنصات الإسلامية

منذ السبعينيات شهدت الأسواق المصرية انتشار الفانوس البلاستيك صيني الصنع، والمزود بعناصر إضاءة تعمل بالبطارية.. وشكل ظهور هذا النمط "المودرن" تهديدا للفانوس التقليدى المصنوع من بقايا الصاح وشرائح الزجاج الملون. لكن المصريين شعب مصاب بهوس الذكريات ولديهم حنين فطرى لماضيهم البعيد.

لذلك اختفى المنتج الصينى أو شارف على الاختفاء، ومن جديد امتلأت الساحات بصوانات بيع الفوانيس القديمة في محاولة لإحياء صنعة تقليدية تعبر منتجاتها عن روح الهوية المصرية.

والأمر ليس مجرد حديث عابر عن فانوس يتغنى به الصغار في ليالي رمضان، فالقضية أبعد من مجرد "وحوى يا وحوى" والقصة موغلة في القدم، وربما ارتبط ظهور الفانوس المصرى ببدايات أبعد من زمن الدولة الفاطمية.

السطور التالية قراءة لأحد فصول "موسوعة الحرف التقليدية" الصادرة عن جمعية "أصالة" للفنون، والتي رصدت نشأة وتطور صناعة الفوانيس على أرض مصر حيث استهلت الدراسة تناولها بالبحث عن الجذر اللغوى لكلمة "فانوس"، إذ يذكر عدد من المؤرخين أن الكلمة إغريقية الأصل، وتشير إلى إحدى وسائل الإضاءة والقناديل والشمعدانات، وأن "الفانوس" استخدم أيام الرومان وكانت جوانبه تصنع من القرون الرفيعة الحماية المشاعل الزيتية، وأن هذا النوع ظل يستعمل حتى العصور الوسطى.

لكن في كتابه "رمضانيات" يشير المؤلف مصطفى عبد الرحمن إلى أن الفانوس استخدم إبان صدر الإسلام في الإضاءة الليلية والزيارة ليلا للأصدقاء والأقارب، واستعمل كذلك لتنبيه الصائمين في وقت السحور، فكان معنى إطفائه أن وقت منع الطعام والشراب قد حان.

ووفقا لدراسة جمعية "أصالة"، فقد تعددت الروايات التي رصدت البدايات الأولى لظهور الفانوس في العالم العربي، فمن قائل إنها بدأت حين أمر الخليفة المعز لدين الله بأن يعلق صاحب كل بيت وكل دكان فانوسا أمام ملكه لإضاءة الشارع طوال شهر رمضان ومن قائل إن الاحتياج إلى الفانوس نشأ لارتباط الشهر بتبادل الزيارات بين العائلات، فكان يسمح للسيدات بالخروج في لياليه للقيام بهذه الزيارات والعودة حتى ساعة متأخرة من الليل، وكان لابد للسيدات من سراج ينير لهن الطريق عند الذهاب والعودة، فكان الأطفال يرافقونهن بالفوانيس إلى مكان الزيارة بدلا من المشاعل التي تتعرض للإطفاء بفعل الرياح، ثم يبدأون بعد ذلك لعبهم على أضوائها فى الشوارع والساحات

حتى يحين وقت العودة مع أهلهم إلى المنازل.

ومن قائل إن بداية استخدام الفوانيس كانت مع قدوم الخليفة المعز لدين الله الفاطمى لأول مرة إلى القاهرة ليلا في الخامس من رمضان عام ٣٥٨ هجرية، حيث استقبله أهل القاهرة بالمشاعل والفوانيس فبهرته هذه الاحتفالية، وأوصى بأن تتكرر مع مقدم رمضان، وأن تقام في لياليه حلقات الذكر والاحتفالات الشعبية التي كان الفاطميون يشجعونها .. وهكذا أصبح الفانوس رمزا ثابتا لدخول شهر رمضان كل عام.

إلى جانب ذلك، يشير بعض المؤرخين إلى أن الوالي محمد الإخشيدى هو أول من استخدم الشموع المضاءة لكي توضع على ظهور الدواب فى الزفة التي تسير بعد رؤية الهلال في موكب الرؤية، وأن الخليفة العزيز بالله هو أول من أمر بوضع الفوانيس أمام البيوت للإضاءة وأن الخليفة الحاكم بأمر الله هو أول من أمر الناس بأن يحمل كل منهم فانوسا مضاءً أثناء سيره في الطريق طوال ليالي رمضان لكن وجود الفانوس - كمنتج فني - بمصر كان في الحقيقة سابقا على عهد الفاطميين، إذ أنه كان عنصرا ملازما للعمارة الإسلامية فى مسجد أحمد بن طولون وقصور الأمويين بالقاهرة بأشكال مختلفة، ما بين القنديل الزجاجي المنقوش بالآيات القرآنية، والفانوس النحاس المحفور أو المفرغ بالوحدات الزخرفية، كما كان يستخدم فى الإضاءة المنزلية بأشكال مبسطة.

تؤكد الدراسة أن المكانة التي يحتلها الفانوس في نفوس الشعب لا تأتى من وظيفة نفعية في حياة أبنائه بل لأنه تحول إلى طقس يدخل في صميم المعتقدات الشعبية، ثم تحول من طقس إلى مظهر احتفالي.. لهذا شهد الفانوس مراحل متتابعة من التطور الفنى في تصميماته وزخارفه، فلا تكاد تخلو مدينة أو قرية في ربوع مصر من صانع للفوانيس، غير أن أشهر أماكن تصنيعه توجد في مدينة القاهرة وتتركز في أحياء تحت الربع والدرب الأحمر وباب الخلق وبركة الفيل وشارع السد بالسيدة زينب، ويسمى الذي يعمل في صناعة الفوانيس بـ "السمكرى البلدي".

وبينما لا يتوقف العمل غالبا في الورش الكبيرة المتخصصة في صناعة الفوانيس، فإن الورش الصغيرة تبدأ العمل غالبا ابتداء من شهر جمادى الآخر وحتى بداية شهر رمضان، أما بقية السنة فيعمل الصانعون في أعمال أخرى كالسباكة والسمكرة.

ومن أشهر أنواع الفوانيس المنتشرة حاليا: "المقرنص" المستلهم اسما وشكلا من المقرنصات الإسلامية و "تاج الملك" نسبة إلى شكل التاج الملكي، و"فاروق" نسبة للملك فاروق، و"البرلمان" المستوحى شكله من قبة البرلمان والفنار" الأقرب لشكل فنار الإسكندرية وفانوس يُدعى "النجمة" وآخر يسمى "أبو الولاد" ويتكون من فانوس كبير جوانبه محاطة بفوانيس أصغر حجما، وهناك فانوس "طار العالمة" الذي تتخذ جوانبه شكل الطار الذي تزف به "العالمة" العروس في يوم زفافها.

يتكون الفانوس بصورة أساسية من خامتي الصفيحوالزجاج، أما الصفيح فيجلب من علب تعبئة المنتجات المختلفة بعد قصه وفرده على شكل ألواح، فيما يجلب الزجاج من بقايا الزجاج المختلفة ومن محلات البراويز والزجاج.

ويتكون هيكل الفانوس من القاعدة والبدن والشرفة والقبة والتعليقة.. أما الأدوات المستخدمة في تصنيعه فتتعدد وأبرزها: مقص شاكوش، قادوم، سندال، كاوية لحام، ماكينة لثنى الصفيح، وأقلام حديدية تنتهى رؤسها بأشكال ورسوم زخرفية.

تشير الدراسة إلى غزو خام البلاستيك لعالم الفوانيس في السبعينيات، حيث تم إنتاج فوانيس بلاستيكية تعمل بالبطاريات الجافة، لكن سرعان ما انسحبت الحساب الفانوس الصينى الذي غزا الحياة المصرية في السنوات الأخيرة بكثافة نظرا لتمتعه بأشكال وتصميمات مبهرة وتزويده بأجهزة الصوت والحركة اللافتة لانتباه الأطفال، ورغم ذلك ما زال هناك جانب غير قليل من الناس يفضلون استخدام الفانوس التقليدي لارتباطهم الوجدانى به، وهو ما حدا بالعديد من صانعيه لتطوير أشكاله، وتزويده بوسائل الإضاءة الحديثة.

يبقى أن نشير في الختام إلى الطفرة التي تشهدها الآن صنعة الفوانيس التقليدية، حيث اتسعت خاماتها لتشمل الأقمشة وهو ما نجده في فوانيس منطقة الخيامية، والفوانيس المصنوعة من الأخشاب. أما اللافت على مستوى الابتكار هو استلهام صورة اللاعب محمد صلاح فى فانوس جديد يحمل اسم "مو صلاح" وكأنها رسالة ضمنية لتعزيز الهوية المصرية.

 	هبة السيد

هبة السيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

رمضان
مدفع

المزيد من تحقيقات

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة

إنشاء محور مرورى جديد يبدأ من منطقة مجرى العيون ومصر القديمة تحويل الميدان إلى ممشى سياحى وربطه بالمناطق الأثرية المحيطة...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

ثلاجات بلا خزين.. وأسعار بلا ضابط.. وسوق بلا رحمة العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية اليومية التى تشجع التجار على...

من الغورية لشارع المعز على الفانوس دور

صنعه الفاطميون لإضاءة المساجد فصار رمزا لشهر الصيام آلاف البائعين يعملون فى مئات ورش صناعة الفوانيس معتمدين على موسم رمضان


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص