حين يصبح العطاء عبئًا: لماذا نتعب من الحب أحيانًا؟

لأن العطاء بلا وعي قد يتحول من فضيلة إلى استنزاف.

في كثير من العلاقات، يبدأ العطاء بدافع الحب والرغبة في القرب. نعطي من وقتنا، ونهتم بالتفاصيل، ونبادر بالاحتواء، ونحاول أن نكون السند والدعم. يبدو الأمر طبيعيًا وجميلًا، فالعطاء جزء أصيل من أي علاقة صحية. لكن أحيانًا، ومع مرور الوقت، يتسلل شعور خفي بالتعب، وكأن ما كان يمنحنا معنى أصبح يستهلك طاقتنا.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

ليس كل تعب في العلاقة دليلا على ضعف الحب، بل قد يكون مؤشرًا على اختلال التوازن. فالعطاء حين يفقد حدوده، وحين يتحول إلى مسؤولية مستمرة دون مقابل عاطفي متوازن، يبدأ في استنزاف صاحبه، حتى لو كان الطرف الآخر محبًا وصادقًا.

المشكلة لا تكمن في العطاء نفسه، بل في الدافع الخفي وراءه. أحيانًا نعطي لأننا نحب فعلا، وأحيانًا نعطي لأننا نخشى أن نخسر، أو لأننا نبحث عن التقدير، أو لأننا نربط قيمتنا بقدرتنا على تلبية احتياجات الآخرين. في هذه الحالة، لا يعود العطاء اختيارًا حرًا، بل يصبح وسيلة لإثبات الذات أو لضمان القبول.

ومع الوقت، تتشكل معادلة غير معلنة: “أنا أعطي إذن أنا أستحق البقاء.” وحين لا نحصل على الاعتراف الذي ننتظره، نشعر بخيبة صامتة، لا لأننا لم نُقدَّر فقط، بل لأننا ربطنا وجودنا كله بدور العطاء.

العطاء الصحي يقوم على التوازن؛ أن نعطي لأننا نريد، لا لأننا مضطرون، وأن نستطيع التوقف دون شعور بالذنب. أما حين نشعر بأننا المسؤولون دائمًا عن تهدئة الأجواء، أو إصلاح الخلافات، أو التضحية براحتنا من أجل استمرار العلاقة، فهنا يبدأ العطاء في التحول إلى عبء.

كثيرون يخلطون بين الحب والتضحية المستمرة، ويظنون أن العلاقة الناجحة تعني أن نضع أنفسنا دائمًا في المرتبة الثانية. لكن الحقيقة أن العلاقة التي تقوم على استنزاف أحد طرفيها لا تبقى متوازنة طويلًا، حتى لو استمرت ظاهريًا.

أحيانًا يظهر التعب في صورة انفعال زائد، أو رغبة في الانسحاب، أو إحساس داخلي بالمرارة لا نستطيع تفسيره. وقد نلوم أنفسنا لأننا “لم نعد كما كنا”، بينما الواقع أن طاقتنا استُهلكت دون أن نلاحظ.

السؤال المهم ليس: هل نتوقف عن العطاء؟ بل: كيف نعيده إلى حجمه الصحي؟

بمراجعة الدافع أولا؛ هل أعطي لأنني أختار ذلك، أم لأنني أخشى الرفض؟ وبوضع حدود واضحة ثانيًا؛ فالعطاء لا يعني أن نلغي احتياجاتنا. وبتعلّم استقبال العطاء ثالثًا؛ لأن العلاقة المتوازنة لا تقوم على اتجاه واحد.

ومن حق الإنسان أن يشعر بأنه مُقدَّر، ومن حقه أن يجد مساحة يرتاح فيها دون أن يكون هو دائمًا المصدر الوحيد للدعم. فالحب لا يُقاس بكمية ما نتحمله، بل بقدرتنا على أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الآخر.

العطاء الجميل لا يترك خلفه تعبًا مزمنًا، بل يترك طمأنينة. فإذا وجدت نفسك تعطي باستمرار وتشعر أنك تختفي قليلا في كل مرة، فربما لا تحتاج إلى أن تعطي أكثر، بل إلى أن تتوقف لحظة وتسأل: أين أنا من هذه العلاقة؟

فالعلاقة التي تحفظك، لا تطلب منك أن تذوب فيها، بل تسمح لك أن تبقى حاضرًا، واضحًا، ومتوازنًا. وحين يصبح العطاء فعلا واعيًا لا استجابة خوف، يتحول الحب من عبء خفي إلى مساحة راحة متبادلة.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

الدكتور أسامة الأزهري: رمضان شهر تعظيم الشعائر وتكبير الله

رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...

باب العزب

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

دار كسوة الكعبة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

منزل زينب خاتون

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...


مقالات

بئر يوسف
  • الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:00 ص
خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص