حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى عند أول إفطار،

 بل تعيش مع كل يوم من أيام الشهر الكريم، ولم يعد السؤال الآن متى يبدأ رمضان؟، بل صار السؤال فى الأسواق هتزودى كيلو زبيب كمان؟ ولا المشمشية تكفى ؟

إن زحام محال الياميش لا يهدأ في الأجواء الرمضانية مهما تغيرت الظروف، فمهما يكن لن تتخلى أبدا عن طبق الخشاف، ولا عن قبضة مكسرات تزين طبق القطايف أو تقدم في السهرات العائلية بعد التراويح.

في جولة بين أسواق القاهرة الشعبية بدا واضحا أن ياميش رمضان ليس شراء استباقيًا للشهر بل عادة ممتدة طوال أيامه، ويشمل الياميش الجوز (عين الجمل والبندق واللوز والفستق وكلها مواد مغذية غنية بالبروتينات والدهون والزيوت، ومن الفواكه المجففة الزبيب والتين المجفف والقراصيا الغنية بالسكريات والفيتامينات والمعادن والألياف والمشمشية المشمش المجفف الخالي من البذور وقمر الدين.

باب البحر

في باب البحر بالعتبة، أحد أقدم مراكز تجارة الياميش فى العاصمة، تتراص الأجولة حتى الآن في مشهد يشي بأن الموسم ما زال فى ذروته.. وعم محمود تاجر تجاوز الستين، يبتسم وهو يزن كيلو تمر.. ويقول: "الناس فاكرة إن الشراء بيكون قبل رمضان بس.. لا، ده الشغل الحقيقى بيكمل طول الشهر. كل يوم حد بيخلص عنده صنف ويرجع يشترى تاني ويشير إلى أنواع التمر أمامه ويكمل:

"البلدى ماشى من ٣٥ لحد ٩٠ جنيها حسب الجودة، وفي أنواع مستوردة بتوصل لـ ۱۲۰ جنيها. الإقبال السنة دى أكبر على البلدى عشان سعره أهدى".

وبينما ينادى على صبي المحل ليحضر كيس مشمشية، يضيف "المشمشية من ١٨٠ لـ ۳۲۰ جنيها حسب النوع، والتين من ۱۷۰ لـ ۲۸۰ . الأسعار أعلى من السنة اللى فاتت طبعا بس الناس بتحاول تمشى أمورها".

هنا، لا يبدو الحديث عن الأرقام مجرد تصریح اقتصادی بل اعتراف بسيط بواقع يعرفه الجميع الشراء على قدر الحاجة.

السيدة زينب

في سوق السيدة زينب المشهد أكثر قربا من البيوت، عبوات صغيرة الوزن، وأحمد بائع في أواخر الثلاثينيات، يقول وهو يملأ كيسا صغيرا في أول رمضان الناس بتشترى كمية ولكن ليست كبيرة دلوقتي الشراء بقى حسب الاستهلاك الزبيب عندى من ١٤٠ لـ ۲۲۰ جنيها، وقمر الدين من ٣٥ لـ ٦٠ جنيها للفة.. تسأله سيدة عن المكسرات، فيجيب سريعا واللوز من ٢٦٠ لـ ٣٨٠، وعين الجمل من ٢٨٠ لـ ٤٠٠.. أغلب المكسرات مستوردة، وده سبب ارتفاعها ثم يخفض صوته قليلا بس بنحاول نعمل تخفيض بسيط للزبون الدائم".

بين الاستيراد والمحلى

أحد تجار الموسكى يوضح أن السوق هذا العام يعتمد بنسبة كبيرة على الاستيراد في بعض الأصناف، خاصة المكسرات وقمر الدين، ما يجعل الأسعار متأثرة بتكاليف الشحن وسعر العملة، لكنه يشير بفخر إلى أصناف التمر المصرى "التمر السيوى والواحات السنة دى عليه طلب كويس جدا.

جودته اتحسنت وسعره مناسب مقارنة بالمستورد".

هذا التوازن بين المحلى والمستورد منحبعض الأسر فرصة للحفاظ على طقسها الرمضاني، ولو بتعديلات بسيطة.

حكاية لا تنتهى عند الإفطار

ومع اقتراب موعد المغرب تقل حركة الشراء قليلا، لكنها تعود بقوة بعد صلاة التراويح.. أطفال يشيرون إلى قمر الدين، وأمهات يسألن عن أفضل نوع للقطايف، ويساومون بابتسامة خفيفة... أم محمد التي كانت تختار نصف كيلو زبيب، تقول ضاحكة: "كل سنة بنقول هنقلل وبرضه الخشاف لازم يفضل موجود من غيره نحس إن السفرة ناقصة".

في تلك الجملة البسيطة، تختصر فلسفة أن الياميش في رمضان ليس ترفا خالصا، ولا ضرورة مطلقة، بل عادة تمنحالشهر طعمه الخاص واستمرار الطقس.

لا تزال محلات الياميش تحتفظ بزخمها. فبعض الأسر تشترى على دفعات وأخرى تنتظر العزومات العائلية، وثالثة تشترى استعدادا للعشر الأواخر.. عم محمود يختتم حديثه بابتسامة هادئة الياميش عمره ما كان مجرد تجارة ده موسم له طعم مختلف طول ما في رمضان هتفضل الأجولة دى مفتوحة".

من النوقل إلى الياميش

تمتلئ الأجواء بالبهجة وترتفع أصوات أغاني رمضان والتي ارتبطت بالشهر الكريم، ومن أشهرها أغنية افرحوا يابنات يالا وهيصوا رمضان أهو نور فوانيسه يا حلاوة التين الله الله... والقمر الدين الله الله واكياس النوقل وقراطيسه هيه افرحوا يلا وهيصوا

والتي قدمتها في الخمسينات من القرن الماضى فرقة مكونة من ثلاث فنانات وفاء مصطفى صفاء لطفي، سناء الباروني وقد من أكثر من ٨٨ أغنية منها هذه الأغنية التي نرددها من عشرات السنوات.

ويقصد بكلمة النوقل التي وردت في الأغنية بأنه كيس مصنوع من الورق المقوى أو من القماش، كان يتم وضع ياميش رمضان من الفاكهة المجففة بها بعد شرائها لنقله والاحتفاظ به.. ثم مع مرور الزمن تحولت إلى الياميش

ويذكر بعض المؤرخين أن تناول الياميش يعود لعصر قدماء المصريين الفراعنة، عندما صنعوا من الياميش الفواكه والمكسرات المجففة ومزجوا بين اللوز والجوز والزبيب على شكل أسد صغير يقف على قدميه الخلفيتين ويرفع يديه من الأمام، ويخرج لسانه بصورة مضحكة، وكانوا يطلقون عليه اسم الإله (بس) وهو آلهة الضحك والسخرية، لإسعاد الأطفال وتسليتهم وتلاشت هذه العادة حتى عاد استخدام الياميش مرة أخرى في عهد الدولة الفاطمية بمصر.

ووضع المؤرخون روايتين حول تسمية الياميش الأولى تقول إنها كلمة من أصل تركى أطلقت أثناء حكم العثمانيين لمصر، وتعنى الفواكه المجففة، والرواية الثانية ذكرت أنها كلمة مصرية تعود للعصر الفاطمي. وكانت الكلمة (يامش) وتحولت إلى ياميش)، ويقال أيضا إن الحكماء الفاطميين كانوا يوزعون الياميش على الفقراء طوال شهر رمضان.

وبحسب كتاب شهر رمضان في الجاهلية والإسلام للكاتب أحمد المنزلاوي، فإن كلمة ياميش خلت منها القواميس العربية، وقيل إنها تعنى بالتركية الثمار المجففة كالتين والبلح وغيرهما

استخدمت في مصر للدلالة على الجوز واللوز والبندق والتمر والزبيب وقمر الدين وغيرها من أطعمة شهر رمضان.

وكانت وكالة قوصون بشارع باب النصر أشهر أسواق بيع الياميش في مصر خلال القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، ويأتي إليها التجار من الشام ومعهم بضاعتهم لبيعها قبل حلول الشهر الكريم، ثم انتقلت سوق الياميش في القرن التاسع الهجرى إلى الجمالية ثم وكالة البلح في بولاق أبو العلا، وساحل روض الفرج، فيما تذهب بعض المراجع والموسوعات التاريخية إلى أن الياميش مصطلح يطلق على الفواكه المجففة والمكسرات واشتقت كلمة ياميش من اللهجة المصرية، وتم استخدامها في العهد الفاطمي، أما الآن فتناول الياميش من العادات الرمضانية والتي سرعان ما انتشرت في الوطن ككل.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص