ثمة لحظات لا تقول فيها الأماكن شيئًا، وثمة صمت لا يصنعه غياب الكلام، بل تصنعه المقاعد حين تخلو، والوجوه حين تنصرف. فالدبلوماسية قد لا تحتاج أحيانًا إلى بيان، ولا إلى مؤتمر صحفي، ولا حتى إلى تصويت كي تقول ما تريد؛ يكفي أن تتحرك المقاعد.
محمود علام رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي بالهيئة الوطنية للإعلام
فالدبلوماسية قد لا تحتاج أحيانًا إلى بيان، ولا إلى مؤتمر صحفي، ولا حتى إلى تصويت كي تقول ما تريد؛ يكفي أن تتحرك المقاعد.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ زيارة قصيرة، كثيفة الرموز، انتهت بصورة ربما كانت أبلغ من عشرات الخطب؛ وفود تغادر قاعة الجمعية العامة تباعًا، حتى ازدحم باب الخروج، فيما يصعد نتنياهو إلى المنصة ويتحدث أمام صفوف من المقاعد التي تركها أصحابها خالية.
بحسب تقارير لوكالتي "رويترز" و"أسوشيتد برس"، غادر ممثلو عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة عند بدء كلمة نتنياهو في الرابع والعشرين من سبتمبر الجاري، في مشهد لفت أنظار وسائل الإعلام العالمية، وانتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي. فيما ذكرت "الأهرام" عدد الوفود التي غادر ممثلوها القاعة بنحو (77) وفدًا.
إلا أن أهمية المشهد لا تكمن في الرقم وحده، ولا في الصورة التي ملأت الشاشات، وإنما في السؤال الذي تتركه وراءها: ماذا يعني أن يتحول دخول رئيس حكومة إلى منصة الجمعية العامة إلى لحظة خروج جماعي من القاعة؟
لا تكفي الصورة وحدها للإجابة عن هذا السؤال. فالجمعية العامة ليست صندوق اقتراع على شعبية الحكومات، والانسحاب من جلسة خطاب لا يعني قطع العلاقات، ولا يعني بالضرورة أن الدول السبع والسبعين تتبنى موقفًا واحدًا من جميع ملفات الصراع.
كما أن عددًا من الوفود بقي في القاعة، واستقبل نتنياهو بتفاعل مختلف، فيما وقف أعضاء الوفد الإسرائيلي وصفقوا لرئيس حكومتهم على نحو لافت. لذلك، فإن الصورة، مهما بلغت قوتها، تظل جزءًا من مشهد دبلوماسي أوسع، تتداخل فيه المواقف المعلنة، والحسابات السياسية، والرسائل التي أرادت كل جهة إيصالها إلى الأخرى.
غير أن الصورة تصبح أكثر دلالة حين توضع في سياقها. فزيارة نتنياهو إلى نيويورك جرت في ظروف غير اعتيادية؛ إذ كانت الترتيبات السابقة تشير إلى هبوط طائرته في نيوجيرسي، قبل أن تهبط فعليًا في مطار ستيوارت الدولي بوادي هدسون، على مسافة تقارب مئة كيلومتر من مانهاتن. ووفقًا لما أوردته "يديعوت أحرونوت"، ارتبط تغيير ترتيبات الوصول بمخاوف أمنية، في ظل الاحتجاجات المناهضة لنتنياهو ولسياساته، فيما جرى تقليص الزيارة إلى ساعات قليلة دون مبيت.
ولم يكن تقليص الزيارة وحده لافتًا؛ فقد أُلغيت أيضًا محطة كانت مقررة في تكساس للقاء رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك، بعدما كان فريق إسرائيلي قد سبق نتنياهو إلى هناك لإعداد ترتيبات اللقاء.
وفي نيويورك نفسها، لم يتضمن جدول الزيارة لقاءً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم أن لقاءً بين الرجلين كان مطروحًا في مراحل سابقة من الإعداد للزيارة.
غير أن الإنصاف الصحفي يقتضي ألا تتحول هذه الوقائع إلى استنتاجات جاهزة. فغياب لقاء ترامب لا يكفي وحده للقول بوجود تحول في طبيعة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، كما أن تغيير ترتيبات الهبوط لا يحمل، بذاته، رسالة سياسية محددة؛ إذ ارتبطت الزيارة، وفق تقارير إسرائيلية، باعتبارات أمنية وبجدول زمني شديد الاختصار. لكن اجتماع هذه التفاصيل في زيارة واحدة منحها دلالة سياسية تتجاوز كل واقعة منفردة، وفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة الحضور الإسرائيلي في المشهد الأمريكي والدولي.
ثم جاءت لحظة المنصة؛ إذ كان نتنياهو مقبلاً على دخول قاعة تحمل ذاكرة متراكمة من المواجهات السياسية حول القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي. فقد أصبحت الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، واحدة من أبرز الساحات التي تتقاطع في أروقتها الروايات والمواقف الدولية بشأن القضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني، والحرب في غزة، ومستقبل الدولة الفلسطينية ذاتها.
ففي عام 2024، غادرت وفود عدة القاعة أثناء خطاب نتنياهو، بينما كان يدافع في كلمته عن مواقف حكومته في الحرب، زاعمًا أن إسرائيل تسعى إلى أمنها. وفي سبتمبر 2025، تكرر مشهد الانسحاب الجماعي أثناء خطابه أيضًا، في وقت كان فيه نتنياهو يهاجم اعتراف دول غربية بالدولة الفلسطينية، ويدافع عن استمرار العمليات العسكرية في غزة. وقد وثقت "رويترز" خروج أعداد كبيرة من الوفود آنذاك.
ومن هنا، لا يبدو مشهد سبتمبر الجاري حادثة منفردة، بل حلقة جديدة في مشهد أخذ يتكرر أمام المنصة نفسها، ومع المتحدث ذاته. الجديد هذه المرة ليس ظاهرة الانسحاب ذاتها، وإنما تراكم المشهد أمام المنصة نفسها، في لحظة أصبحت فيها حرب غزة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومستقبل حل الدولتين، ملفات أكثر حضورًا في الحسابات الدبلوماسية الدولية.
ولعل المفارقة الأوضح أن الأمم المتحدة نفسها كانت قد شهدت، قبل خطاب نتنياهو بأيام، مشهدًا آخر شديد الدلالة. ففي السابع عشر من سبتمبر، اعتمدت الجمعية العامة قرارًا يسمح لدولة فلسطين بالمشاركة في المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين عبر كلمة مسجلة للرئيس محمود عباس، بعد عدم تمكن الوفد الفلسطيني من الوصول إلى الولايات المتحدة. وجاء التصويت بأغلبية (152) دولة مقابل ثلاث دول صوتت ضد القرار، هي الولايات المتحدة وإسرائيل وباراجواي، فيما امتنعت أربع دول عن التصويت.
وهكذا بدت نيويورك خلال أيام قليلة وكأنها تعرض صورتين متجاورتين: خطاب فلسطيني يُفسح له مجال الحضور رغم غياب صاحبه عن القاعة، ثم خطاب إسرائيلي يستقبل بخروج جماعي واسع من القاعة. ولا يعني ذلك أن الأمم المتحدة انتقلت إلى موقف واحد أو أن جميع الدول تتحدث بصوت واحد، لكنه يكشف تغيرًا واضحًا في البيئة الدبلوماسية التي تتحرك داخلها الحكومة الإسرائيلية الحالية.
والانسحابات أثناء خطابات بعض القادة ليست ظاهرة جديدة في الأمم المتحدة؛ فقد عرف هذا المسرح السياسي مشاهد مماثلة على امتداد عقود، وتحولت مغادرة القاعة، في مناسبات مختلفة، إلى وسيلة دبلوماسية للتعبير عن الرفض أو إيصال رسالة سياسية، دون الدخول في مواجهة مباشرة داخل المنصة. فتلك الانسحابات حملت في كل مرة سياقًا مختلفًا؛ ففي عام 1980، انسحب الوفد الأمريكي من الجمعية العامة مع بدء كلمة المندوب الإيراني، في ذروة أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران.
وفي عام 2009، شهد خطاب الزعيم الليبي معمر القذافي مغادرة عدد من الوفود للقاعة، في مشهد لافت رافق كلمته التي تجاوزت الزمن المخصص لها بكثير. ثم تكرر المشهد بصورة أكثر وضوحًا مع الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي شهدت خطاباته في الجمعية العامة انسحابات متتالية من وفود غربية على مدى ثلاثة أعوام متتالية، بدءًا من عام 2009 وتواصلت في العامين التاليين.
وهكذا، لم تكن المقاعد الخالية أمام منصة الأمم المتحدة يومًا مجرد تفصيل بصري؛ فقد تحولت، في مناسبات مختلفة، إلى لغة دبلوماسية لها أسبابها ورسائلها، وإن اختلفت الرسالة من قائد إلى آخر ومن أزمة إلى أخرى.
وهنا تحديدًا تكمن دلالة ما جرى في سبتمبر 2026. فقد ظلت الجمعية العامة فضاءً سياسيًا تتقاطع فيه خطابات الدول، وتتباين فيه مواقفها، وتُرسل عبر الكلمات رسائل تتجاوز حدود القاعة؛ لكنها في الوقت نفسه ظلت حافلة بالرموز والإشارات. فالتصفيق رسالة، والمغادرة رسالة، والجلوس في الصفوف الأمامية رسالة، وحتى المقاعد الخالية يمكن أن تتحول إلى خطاب سياسي صامت.
ومن اللافت أن نتنياهو نفسه لم يتعامل مع خروج الوفود من القاعة باعتباره سببًا لإنهاء خطابه أو تقليصه، بل مضى في كلمته لنحو أربعين دقيقة، مدافعًا عن مواقف إسرائيل في الحرب على غزة، ومهاجمًا منتقديها.
والأغرب تخصيص جانب من خطابه لعمدة نيويورك "زهران ممداني" وزوجته "راما دواجى"؛ متهمًا إياها بأنها أبدت إعجابًا بمنشور يشيد بهجوم السابع من أكتوبر. وفي الوقت نفسه، ظهر أحد أفراد الوفد الإسرائيلي داخل القاعة وهو يتابع حركة الوفود المغادرة ويدوّن ملاحظات، في مشهد بدا وكأنه محاولة لرصد أسماء الوفود التي غادرت القاعة.
وبذلك برز مشهد ذو دلالة مزدوجة: وفود اتخذت من المغادرة سبيلاً إلى إعلان موقفها بعدم رغبتها في الاستماع، ورئيس حكومة واصل خطابه رغم خلو جانب كبير من القاعة، دون أن يتوقف عند غيابها، وكأن استمرار الكلمة في مواجهة المقاعد الشاغرة أصبح في حد ذاته جزءًا من المشهد.
وهذه المفارقة تكشف شيئًا آخر: الجدل لم يعد يدور فقط حول ما تقوله إسرائيل في ساحة الأمم المتحدة، وإنما حول قدرتها على الحفاظ على مساحة سياسية لخطابها في بيئة دولية تتسع فيها دوائر الاعتراض على سياساتها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل فقدت حضورها الدولي، أو أن الولايات المتحدة تخلت عنها، أو أن جميع الدول التي غادرت القاعة تتبنى رؤية واحدة تجاه الحرب على غزة أو للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ فالسياسة الدولية أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن المشهد الذي ظهر في قاعة الجمعية العامة جاء في لحظة يتسع فيها نطاق الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتتزايد فيها الضغوط السياسية والقانونية والإنسانية المرتبطة بالحرب، بينما تتكرر مشاهد مغادرة القاعة أثناء خطاب نتنياهو، وتتسع دائرتها من عام إلى آخر.
وربما لا تكون أهم صورة خرجت من زيارة نتنياهو إلى الأمم المتحدة هي صورته معتليًا المنصة، وإنما صورة المقاعد الخالية أمامه؛ فقد ألقى كلمته التي جاء من أجلها، ودافع عن سياسات حكومته، وبقي بعض أنصاره في القاعة وصفقوا له.
إلا أن السياسة الدولية لا تُقاس فقط بمن يتحدث، وإنما أيضًا بمن يختار أن يستمع، ومن يختار أن يغادر.
وفي النهاية، لم تكن المقاعد الخالية قرارًا أمميًا، ولم تكن تصويتًا، ولم تُسقط حكومة، ولم تغيّر تحالفًا في لحظة واحدة. لكنها حملت رسالة يصعب تجاهلها: أن المسافة السياسية بين الحكومة الإسرائيلية الحالية والعديد من الوفود الدولية أصبحت مرئية إلى حدٍ لم تعد معه الكلمات وحدها قادرة على إخفائه.
ولعل أقسى ما في الصورة أن المنصة بقيت في مكانها، والميكروفون ظل مفتوحًا، والخطاب استمر حتى نهايته؛ لكن القاعة نفسها كانت تقول شيئًا مغايرًا.
كان نتنياهو يتحدث إلى العالم، بينما كان العالم، في لحظة لافتة، يرسل إليه رسالة عبر مبعوث لم ينطق بكلمة، لكنه حمل من الدلالات ما تجاوز الكلمات؛ كان هذا المبعوث هو المقاعد الشاغرة.
موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً
ثمة لحظات لا تقول فيها الأماكن شيئًا، وثمة صمت لا يصنعه غياب الكلام، بل تصنعه المقاعد حين تخلو، والوجوه حين...
يحتفل العالم بيوم السياحة العالمي في 27 سبتمبر من كل عام لإبراز أهمية السياحة وقيمتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وهو...
تعدت قضية دراسة الإعلام التحفظ على انتشار غير عادي لكليات ومعاهد الإعلام إلى بحث إشكالية العلاقة بين تعليم الإعلام وسوق...
بناء السلام لا يبدأ دائمًا من قاعة تفاوض كبرى، ولا يظهر فقط بعد الحروب والنزاعات المسلحة. إنه يبدأ أحيانًا من...