على حافة الردع النووي .. هل اقتربنا من كسر الخطوط الحمراء..؟

بقلم: محمود علام

عزيزي القارئ.. الصورة التي تطالعها أعلاه ليست لحطام مبانٍ في غزة، ولا هي نتيجة آثار التوغل الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، بل هي قادمة إلينا مساء السبت الماضي من صحراء النقب في الجنوب الإسرائيلي، وتحديدا في محيط مركز الأبحاث النووية المعروف بـ (مفاعل ديمونة).

فلم تعد المواجهة بين إيران وإسرائيل في الحرب الجارية - التي أشعلت فتيلها الولايات المتحدة الأمريكية ـ مجرد تبادل ضربات تقليدية، بل تحوّلت تدريجيا إلى لعبة توازن دقيق على حافة الردع النووي، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالرسائل السياسية، وتتقدّم الرمزية أحيانا على الفعل ذاته.

ففي اللّحظات الإقليمية المشحونة، تتقاطع دائما الوقائع مع الروايات، وتتشابك الحقائق مع ظلالها، لتطفو على السطح تساؤلات خطيرة حول طبيعة التصعيد بين أطراف الحرب. فمع تداول أنباء عن استهداف محيط مفاعل "ديمونا"، عقب ضربات إسرائيلية سبقت ذلك وطالت محيط مفاعل "نطنز" الإيراني، يبدو المشهد وكأنه يقترب ــ بحذر ــ من تخوم مرحلة جديدة، أكثر حساسية وأشد خطورة.

إن هذه الصورة ليست مجرد حطام أسمنتي أو غبار خلّفه سقوط صاروخ باليستي؛ بل هي، في جوهرها، صورة تهشُّم "جدار الردع" الذي طالما أحاطت به إسرائيل أمنها القومي، وروجت له كثيرا. لقد تحولت المواجهة بين "طهران" و"تل أبيب" إلى "رقصة تانجو" خطيرة على حافة الجرف، وهي رقصة لا يعرف مؤدياها متى تنتهى، ومن الطرف الذى ستكون له الخطوة الأخيرة فيها.

والسؤال الذي بات يطل برأسه بين كل صاروخٍ وآخر: أين يقع الخط الأحمر الحقيقي، ومن ذا الذي قد يجرؤ على كسره..؟

زلزالٌ في "قدس الأقداس"

يُعد مفاعل "ديمونة" حجر الزاوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أو كما يُوصف بـ"قدس الأقداس". ورغم سياسة "الغموض النووي" التي تنتهجها "تل أبيب"، تلك التي لخصها "شمعون بيريز"، ذاك السياسي البارز الذي سبق له أن شغل منصب رئيس الوزراء لفترتين مختلفتين في عقدين متتاليين، بقوله: " لقد نجحنا في خلق قدرٍ كافٍ من الشك لتشكيل رادع، دون أن نصل إلى حالة الوضوح التي تستدعي العقوبات".

إلا أن تقارير معهد "ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، تؤكد أن المفاعل هو المصدر الأساسي لترسانة تضم ما بين (80) إلى (90) رأسا نوويا، وهناك تقديرات أخرى تشير إلى أن العدد قد يصل إلى(200) رأس.

على الجانب المقابل، يبرز مفاعل "نطنز" كقلب نابض لبرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، المُحصّن في أعماق الأرض والمُحاط بآلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة من طراز ( IR-6)، وهو الذي استُهدف بضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة في صباح يوم السبت الموافق الواحد والعشرين من مارس الجاري، مما دفع إيران إلى الرد باستهداف محيط مفاعل "ديمونة" مساء اليوم ذاته.

إن أي اقتراب من هذين الموقعين لا يعني استهداف منشأة عسكرية فحسب، بل هو طرقٌ عنيف بقبضةٍ غاشمة على أبواب الردع الاستراتيجي الأخير؛ طرقٌ يُسمع دويّه في أعماق الأرض قبل أن يعلو صداه في سماء السياسة.

انكسار "المقلاع".. حين تخون التكنولوجيا أصحابها

في تحول ميداني لافت، أكدت صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية ـ ونقله عنها موقع إذاعة دويتشه فيله الألمانية ـ وقوع خلل فني في المنظومة الدفاعية المعروفة بـ "مقلاع داود"، تلك المنظومة المصممة خصيصا لاعتراض الصواريخ الباليستية التي يتراوح مداها بين (200 – 100 ) كيلومتر.

وكان موقع الصحيفة أول من نشر خبر فشل المنظومة ـ وهي عنصر أساسي في الدفاع الجوي الإسرائيلي متعدد الطبقات ـ في اعتراض صاروخين باليستيين إيرانيين، مما سمح لهما بالنفاذ صوب مدينتي "ديمونة" و"عراد"، في اختراق هزّ ثقة إسرائيل بمنظوماتها التي لطالما راهنت عليها.

صُمّمت منظومة "مقلاع داود" في أبريل 2017، وجرى تطويرها وتصنيعها بشكل مشترك بين مؤسسة "رافائيل" الإسرائيلية لأنظمة الدفاع المتقدمة وشركة " RTS " الأمريكية (التي كانت تُعرف سابقا باسم ريثيون)، وهي مصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، إضافة إلى الطائرات والمسيّرات وصواريخ "كروز". وفي التقسيم الدفاعي الإسرائيلي، تتولى منظومة "آرو" التصدي للصواريخ الباليستية بعيدة المدى ـ من النوع الذي تطلقه إيران عادة ـ بينما تقع التهديدات قصيرة المدى على عاتق "القبة الحديدية" ومنظومة "شعاع الحديد" الليزرية التي نُشرت حديثا.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي يفاخر بنسبة اعتراض تصل إلى (92%)، إلا أن وصول الصواريخ إلى محيط "ديمونة" يطرح تساؤلات منطقية: هل نجحت استراتيجية "الإغراق الصاروخي" في إرباك منظومات دفاعية تبلغ تكلفة صاروخها الاعتراضي الواحد بين(50 ألف و3 ملايين ) دولار..؟

إن الاختراق ـ ولو كان محدودا ـ في هذا الموقع تحديدا يحمل وزنا سياسيا يفوق بمراحل أثره التدميري المباشر، فوصول صاروخين إلى محيط المفاعل النووي الإسرائيلي يؤكد ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ فشل الدفاعات الإسرائيلية في حماية مجالها الجوي، بل وفشل تلك الدفاعات في تأمين محيط المفاعل، والأكثر من ذلك هو إخفاقها أيضا في حماية المفاعل ذاته.

إن الجيش الإسرائيلي قد اختار ـ وفقا لصحيفة "كالكاليست" ـ استخدام منظومة "مقلاع داود" في ذلك السبت بعد تحديثها مؤخرا، في محاولة للحفاظ على مخزون صواريخ "آرو" الاعتراضية وسط مخاوف من احتمالية امتداد الحرب مع إيران لفترة طويلة.

وقبل أسابيع قليلة، وتحديدا في 11 فبراير، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن المنظومة اجتازت بنجاح سلسلة من الاختبارات ضمن ما وصفته بـ "تحديث جاهزية مواجهة التهديدات المستقبلية"، ونُقل عن الرئيس التنفيذي لشركة "رافائيل" قوله إن النسخة المُطوّرة تتضمن قدرات جديدة قادرة على مجابهة مجموعة واسعة من السيناريوهات الصعبة.

لكن النظريات التكنولوجية تصطدم أحيانا بجدار الواقع القاسي. فرغم فشل عمليات الاعتراض في ذلك السبت، أكد الجيش الإسرائيلي أن قواته اعترضت نحو ( 92% ) من أكثر من ( 400 ) صاروخ باليستي أطلقته إيران منذ بداية الحرب. غير أن السؤال الذي يبقى عالقا في سماء النقب: ماذا تصنع النسبة المئوية أمام صاروخين تجاوزا كل الطبقات الدفاعية، واستقرا في محيط "قدس الأقداس" ..؟

منطق "التماثل الاستراتيجي".. عقيدة "العين بالعين"

يشير تحليل "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" إلى أن إيران باتت تتبنى عقيدة "التناسب النوعي"، التي يمكن وصفها بالتماثل في الألم. ففي مقابل استهداف محيط "نطنز"، جاء الرد في محيط "ديمونة".

إنها معادلة دقيقة: هدف استراتيجي مقابل هدف استراتيجي، موقع عسكري أمام موقع عسكري، حي سكني يقابله حي سكني، تهدف من خلالها "طهران" إلى توجيه رسالة إلى الطرف الآخر مفادها أن "المدى متاح"، و"القدرة قائمة"، وأن كل فعل سيعقبه ردا لا يقل عنه قوة ولا يختلف عنه إلا ربما في التوقيت.

هذه الرسائل الإيرانية لم تقف عند حدود الجغرافيا المباشرة، بل امتدت لتطال مصالح حيوية في المحيط الهندي، كما حدث مع قاعدة "دييجو جارسيا" الاستراتيجية التي نالت حظها بصاروخين إيرانيين، مما دفع بريطانيا إلى تحريك غواصتها النووية قبالة السواحل الإيرانية، الأمر الذي يضع الأمن الإقليمي والدولي أمام معطيات جديدة لم تألفها المعادلات السابقة. فما كان يوما مجرد تهديد، بات الآن واقعا يُقاس بالكيلومترات ويُقرأ في خرائط العمليات.

يأتي ذلك بعد أن كشفت الفترة الأخيرة من المناورات أن المدى الصاروخي الإيراني قد تجاوز عتبة الـ ( 4000) كم، متخطيا التقديرات السابقة التي كانت تتحدث عن نصف هذه المسافة، تلك التقديرات التي أكدتها إيران نفسها في مفاوضات ما قبل الحرب.

وتُعد هذه قفزة نوعية تحمل في طياتها رسائل إيرانية متعددة الأوجه:

الرسالة الأولى، موجهة إلى الدول الأوروبية: مصالحكم بل وعواصمكم لم تعد بعيدة عن مرمى صواريخنا، إن أقدمتم على إرسال قوات لحماية مضيق هرمز، أوان قررتم المشاركة في الحرب. فما كان يوما خطا أحمر بعيدا، بات اليوم في دائرة الاستهداف الممكن.

والرسالة الأخرى، ربما الأكثر إلحاحا، هي رسالة مبطنة للضغط على "واشنطن" لإنهاء الحرب التي بدأتها، أو على الأقل لإعادة حساباتها قبل فوات الأوان. فإيران تريد أن تقول بلغة الصواريخ ما لم تقله بلغة الدبلوماسية: "اللعبة تغيرت، والمسافات تقلصت، والخيارات التي كانت متاحة لكم بالأمس، قد لا تكون كذلك غدا".

وهكذا، تتحول المنطقة إلى ساحة شطرنج استراتيجية، حيث كل حركة تُولد ردا، وكل ضربة تنتظر أخرى، في لعبة لا يعرف فيها أحد متى تنتهي، ولا من سيكون آخر من يحرك قطعته. لكن ما بات مؤكدا، أن عقيدة "العين بالعين" لم تعد مجرد شعار ترفعه الأطراف، بل أصبحت منهجا استراتيجيا تُدار به حرب ظلالها أطول من حقيقتها، ورسائلها أعلى من دوي قنابلها.

صمتٌ لا يشبه الهدوء

والسؤال الذى يطرح نفسه الآن: لماذا تختار إسرائيل الصمت الإعلامي تجاه ما جرى في محيط "ديمونة"..؟ الصمت هنا ــ في الحسابات الاستراتيجية ــ ليس غيابا للموقف، بل هو موقف بحد ذاته، يُقرأ بين السطور ويُفهم من خلال الغياب. ويمكن تفسيره عبر ثلاثة سيناريوهات متداخلة:

الأول: إدارة التصعيد : الصمت هنا من أجل تجنب ردود فعل سريعة أوسع قد تؤدي إلى انزلاق غير محسوب نحو مواجهة شاملة، ناهيك عن أن الرد السريع قد يكون أسهل، لكن كُلفته قد تكون أعلى مما يمكن تحمله.

الثاني: عدم منح الخصم شرف النصر المعنوي: ففي حروب الاستنزاف النفسي، غالبا ما يكون الصمت أقسى من الكلمات، فضلا عن أن الإعلان قد يعنى أحيانا الاعتراف بأن الجرح كان مؤلما.

الثالث: إخفاء نقاط الضعف التكتيكية التي رُصدت فى الدفاعات الجوية الإسرائيلية : خاصة إذا كان الاختراق ـ وفق ما أشارت التقارير ـ يمس موقعا إستراتيجيا بحساسية مفاعل "ديمونا"، فكشف الثغرات قد يكون أخطر من استمرارها، والاعتراف بالهشاشة قد يُشجع على المزيد من الاستهداف.

هذا الصمت الاستراتيجي لا يعني بالضرورة أن إسرائيل غائبة عن المشهد، بل هي حاضرة بضجيج من نوع آخر مختلف: هو ضجيج طائرات " A-10 " الأمريكية ـ المعروفة بـ " الخنزير البري" ـ و"الأباتشي" التي حطت مؤخرا في قواعدها الجوية القريبة بالمنطقة، في رسالة مضادة تقول: "نحن نرى، ونحن نستعد، ونحن نعلم أن الصمت أحيانا يكون أبلغ من التصريحات، وأن فرص التدخل البري ليست ببعيدة وما زالت قائمة".

حبرٌ من حذر

بين "ديمونة" و"نطنز"، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بدرجة التوتر على مقياس الحرارة العالمي. نحن اليوم في مرحلة "حرب الرسائل عالية الخطورة، منخفضة الانفجار"، حيث يتحرك الجميع في منطقة رمادية تُجيد الاقتراب تقترب من الخطوط الحمراء دون تجاوزها.

إنها معركة إرادات تُكتب ملاحمها على حافة الهاوية، حيث تدرك القوى المتصارعة أن أي صاروخ عابر، أو قذيفة طائشة تصيب "قلب المفاعل" هنا أو هناك ، لن تكون مجرد حدث عسكري، بل انفجار سياسي وبيئي عابر للحدود، قد يغير وجه المنطقة والعالم إلى الأبد.

فهل يظل "الحذر" هو مداد الحبر الذي تُكتب به فصول هذه المواجهة، أم أن القادم سيكسر كل القواعد، ويحوّل هذه الرقصة الخطيرة على فوهة البركان إلى سقوطٍ مدوٍ لا تُحمد عقباه، وتتجرع تبعاته دول العالم أجمع..؟
ننتظر ونرى.

 

أخبار مصر

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

محمود علام

المزيد من مقالات

الإعلام بين دقة المصطلح وأمانة المعنى!

تظل الكلمة هي الأداة الأهم في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الرأي العام. ومن هنا، تأتي هذه الرسالة إلى كل من...

العلاقات الدولية في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات وحدود القانون

لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...

الاقتصاد الخفي للهاكرز

سأطرح عليك سؤلا.. بكام بياناتك الشخصية؟ في عالم لم يعد فيه الحد الفاصل بين الواقع والفضاء الرقمي واضحا، أصبحت البيانات...

على حافة الردع النووي .. هل اقتربنا من كسر الخطوط الحمراء..؟

عزيزي القارئ.. الصورة التي تطالعها أعلاه ليست لحطام مبانٍ في غزة، ولا هي نتيجة آثار التوغل الإسرائيلي في الجنوب اللبناني،...