أمسية في حضرة رجل يضيء الوطن بالكلمات

حين التقى الشعر والحلم والذاكرة

في عصر تعددت فيه الوجوه المستعارة، فاشتاقت العيون لملامح الصدق المتواري، واستمر فيه شحوب الروح يطارد خطانا كظل لا يغيب، كان هناك شاعر يلتقط من بقايا الحلم ما يشيد به وطنا صغيرا للقلوب المتعبة.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

وعلى هامش هذا الزمان الذي يحفل بندوب الذاكرة، ظل هو يؤمن بصلابة عجيبة أن في أعماق كل ليل فجرا ينتظر من يوقظه، وأن الكلمة الصادقة هي الحقيقة الوحيدة في زمن الزيف والرياء؛ فكان ينحت من صخر الاغتراب ملامح غد لا يعرف الفقد، ويغرس في هجير الأيام زهورا ناضرة من أمل وحب.

مهما تبدلت المدن، وعبرت الوجوه كأنها سحب خريفية هائمة، فإن الأرواح التي عرفت الحب يوما لا تملك سوى أن تفتش عن عنوانها الضائع في عيني الغياب. كان ضيف تلك الأمسية صوتا قادما من أعماقنا، يذكرنا بأن الأوطان ليست خرائط فحسب، وأن بعض القلوب، مهما أثقلها تيه المسافات، لا تزال عصية على النسيان ... وتنبض بالإخلاص والوفاء.

هي ليلة لم يكن قمرها مجرد جرم سماوي، بل كان شاهدا على عناق استثنائي بين الذكرى والرؤية والشعر، هناك حيث يتدفق النيل بكبريائه محاذيا جدران صرح عريق شهد ميلاد أحلام العديد من النجوم؛ كان المكان يتنفس بنبوءة تشبه اليقين، بأن الثبات على الحلم هو جوهر البقاء، وأن العمر قصيدة نحرسها من الذبول، وأن بيننا وبين الجمال ميثاقا غليظا، وكانت الجدران تتحين اللحظة التي تتلى فيها الأشعار لتوقظ ما غفا من الذكريات.

هنا، وسط "كوكبة" شكلت وجداننا بحكمة أقلامها وسحر أصواتها، كان هناك رجل يصوغ الحلم؛ وديع القسمات، هادئ الطباع، طويل الصمت، لكن كلماته حين تنطلق تفعل في الروح ما فعلته بنا "دماء على أستار الكعبة" من شجن، وما تركه نداء "لا ترحلي" في أوتار عبد الحليم حافظ. جلس هذا "الفارس" الذي لم يكن يكتب القصيدة بقدر ما كان ينصت إلى الأزمنة؛ فيطرح من حنينه سؤالا ويؤلف من سؤاله قصيدة، ويقيم من القصيدة وطنا لا يطويه الغياب.

ترى، من ذا الذي تتقاسمه المدن فخرا، وتسعى كل محافظة لإثبات أن له فيها جذورا؟ أهو القادم من قرية "أفلاطون" الصغيرة التي تخفي في صمتها أسئلة وجودية، أم الذي تشبثت جذوره بطمي "البحيرة" في شبابه، أم ذاك الذي استطالت فروع شموخه في سماء "العاصمة"، بعد أن خط أولى "أكاذيبه البيضاء" ليلتحق بركب جامعة القاهرة، ويبدأ مشواره بين عمالقة الفكر ورموز الأدب: محمد مندور، سهير القلماوي، ورشاد رشدي..؟

إنه هو .. حارس الكلمة الذي كلما استباحت الريح ملامح الزمن، أو عبثت أصابع النسيان بحرمة الذاكرة؛ أشعل قصيدة، وحين تضيق به الأيام، تسعه اللغة، فيغزل من الشجن خلودا مكتوبا. هنا، جاء يطل علينا من خلف الدواوين، ليعلن من فوق هامة ماسبيرو الشامخة، أن الثقافة هي المقياس الحقيقي للتاريخ والحضارة. وإن ما يبقى من الأمم ليس ما تملكه .. بل ما تكتبه. فهيا بنا نلتقيه الآن لنقرأ في عينيه عنواننا الضائع، ونستعيد معه زمنا كانت فيه الكلمة مشروعا للحياة، وكان فيه "الحب" هو الباقي الوحيد رغم عواصف الغياب؛ لنعرف كيف استطاع أن يظل وفيا للحلم.

فمن هو صاحب هذا الوجد..؟ أهو عاشق يرفض الرحيل، أم شاعر يختبئ خلف استعاراته كي لا يفضحه الحنين..؟ غير أن الجدران التي تشبعت بتراتيل الرواد كانت تعرف يقينا أننا لسنا أمام ضيف عابر، بل في حضرة بحر من العلم والثقافة تجسد في هيئة رجل، وعمر لم يرتو من حديقة واحدة. هو من رفض أن يبيع العمر في آخر ليالي الحلم، موقنا أن "الذئاب لا تعرف الحب"، مؤمنا بأن "شيئا سيبقى بيننا".. هو من اتخذ من العيون عنوانا له؛ ولهذا.. بقي الحب، وبقي الشعر، وبقي في نفوسنا ذاك الوزير العاشق.

بشرى المنصة.. في ليلة الوفاء لرواد الضوء

بين جدران مسرح الدور التاسع بمبنى "الهيئة الوطنية للإعلام"، وفي إطار فعاليات "صالون ماسبيرو الثقافي" الذي دشنته الهيئة مؤخرا، رفع الستار ليكشف عن بهاء تلك الليلة الراقية. وقف موجه الدعوة الكريمة الكاتب الكبير والإعلامي أحمد المسلماني رئيس الهيئة، ليعلن أن الصالون في مرحلته الرابعة بعد استضافة ثلاث قامات رفيعة من قبل يشرف اليوم بحضور "حارس الكلمة".

وفي هذا الفضاء الذي بدا كأنه يستعيد ذاكرة القاهرة الثقافية، كان الحضور على موعد مع الشاعر والكاتب الكبير فاروق جويدة؛ هذا الذي لم تكن قصيدته يوما منفصلة عن سيرته، ولا مسرحه بعيدا عن وجدان وطن كامل؛ لتكون تلك الأمسية مشهدا لتلاقي الذاكرة والرؤية، تعانقت فيه الأصوات القديمة مع وجوه الحاضر، ليستعيد المكان زمنه الأول؛ زمنا كانت فيه الثقافة مشروعا، والكلمة موقفا، والشاعر ضميرا.

أدارت اللقاء بتألق الإعلامية ريهام الديب، التي استهلته بمراسم تكريم ناضرة بالوفاء لرواد تركوا أثرا يشبه نقشا لا تطاله يد المحو؛ حيث جرى تكريم الشاعر الكبير فاروق جويدة، ومن بعده الإذاعية القديرة حكمت الشربيني، والرائع عبد الوهاب قتاية، والإذاعي محمد مرعي، ورباب البدراوي، إضافة إلى تكريم اسم الكاتب الصحفي الراحل سيد العديسي الذي تسلمت عقيلته وأنجاله شهادة تكريمه في مشهد مفعم بالتأثر، ليمتد هذا التكريم موصولا للكاتبة وفاء عوض، والكاتب ياسر الزيات، والمذيع محمد عبده.

استهل الأستاذ المسلماني اللقاء بلغة تحمل في ثناياها مودة الصديق، وتقدير المثقف، ووقار المفكر؛ كاشفا للحضور عن رحلة بدأت في أروقة "الأهرام" العتيقة منذ سنوات بعيدة حين كان طالبا في عامه الجامعي الثالث بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكان يتدرب في مركز "الأهرام" للدراسات السياسية والاستراتيجية، مستعيدا كيف تشكل وجدان شاب اقترب من عمالقة الفكر والأدب بحجم هيكل ومحفوظ وجويدة ضيف الصالون وغيرهم، وكيف جمعتهم الأيام لاحقا بالعالم الكبير وربيب نوبل أحمد زويل فيما عرف فيما بعد ب "شلة دمنهور"، تلك التي مزجت بين يقين العلم وسحر الشعر.

ولم يكتف المسلماني بالاحتفاء، بل زف للثقافة بشرى رائعة: ماسبيرو يعيد إحياء مسرحه العريق، وليس أبهى من روائع جويدة المسرحية (الوزير العاشق، ودماء على أستار الكعبة) لتفتتح هذا الماضي المنبعث.

وامتدت البشرى لتشمل إعادة إصدار "مجلة الشعر" التي كانت تصدر عن مجلة الإذاعة والتليفزيون، والتي يترأس تحريرها حاليا الكاتب الصحفي خالد حنفي، لتكون قصائد جويدة أيقونة وطليعة لإصداراتها في ثوبها الجديد؛ كي تعود القصيدة إلى واجهة الوعي الثقافي، ولا تقبع في هامش الذكرى.

الكذبة البيضاء.. من طمي البحيرة إلى محراب الآداب

وحين أمسك فاروق جويدة بالميكروفون، لم يكن يتحدث بلسان شاعر اعتاد المنصات، بل كإنسان يعود إلى بيته القديم، وكابن بار صاغ خلاصة تجربته في جملة كانت كافية لتختصر الليل كله: "هذا العمر لا يخصني وحدي .. بل يخص الوطن أيضا".

ومن هنا انطلقت سيرته الروحية؛ حكى عن قريته الصغيرة "أفلاطون" بمحافظة كفر الشيخ، ذلك الاسم الذي ظل يطارده بأسئلته الوجودية سرا، حتى حمله فضوله لاحقا إلى أثينا ليكتشف أن الفيلسوف اليوناني عاش في مصر اثنتي عشرة سنة، وكأن القدر يربط بين الفكر وأرض النيل منذ الأزل.

ثم انتقل الحديث إلى محافظة "البحيرة" بعد وفاة جده وبيع البيت والأرض، لتستقر العائلة في أرض وبيت جديدين تحت رعاية والد عطوف وأم قاهرية عاشت في ظل فقد مبكر وخوف أمومي مضاعف، بعد أن توفي إخوته الخمسة في طفولتهم، فصار حنانها حارسا يقظا لطفولته ترعاه كتاج على رأسها؛ ومن هنا فقط نفهم ذلك الحزن الشفيف الذي يسكن شعره، فبعض الشعراء لا يكتبون عن الحزن، بل ينجون منه بالكتابة.

استعاد الشاعر مشقة الطريق إلى مدرسة "عمر مكرم" بحوش عيسى، قبل أن يعترف بأول "خديعة بيضاء" قام بها في حياته، حين أقنع والده برغبته في دراسة الصحافة بالقاهرة، زاعما أن هذا القسم لا وجود له في جامعة الإسكندرية التي كانت المآل الطبيعي لأبناء البحيرة آنذاك هربا من محدودية الإقليم إلى رحابة العاصمة، رغم أن كلية الإعلام وقسمها الشهير لم يكن لهما عين أو أثر بعد! .. ليلتحق في النهاية بمحراب كلية الآداب، حيث كانت الدهشة هي أول دروس المعرفة بين يدي عمالقة الفكر: محمد مندور الذي كان يصحح له إرهاصاته الشعرية الأولى ويستبعد الأبيات المكسورة وسهير القلماوي، ورشاد رشدي.

لم تكن البدايات في القاهرة سهلة، ولم تبدو كمحافظة ودودة بالكامل؛ إقامة متواضعة في فندق قديم بالعتبة، تقبع أسفله سينما صغيرة شهدت صدامات الشاب الأولى مع المدينة الصاخبة والعاتية، التى تختبر القادم الجديد وتستدرجه، قبل أن تبوح له بأسرارها .. وتفتح له أبواب التاريخ.

من طيش الطلبة إلى كبرياء الأهرام.. جفاف الأرقام وبستان العمالقة

وبين السطور، مرت هزيمة يونيو كزلزال شكل لحظة الانكسار الكبرى له ولجيله، عاش الغضب والارتباك في آن واحد قبل أن يجد طريقه من جديد. حكى جويدة عن غضب الطلاب "أبناء عبد الناصر"، وعن نقاشاته الحادة داخل مؤسسة "روز اليوسف"‘ التي كان يتدرب فيها وقتئذ ومنع من دخولها لأنه كان في نظرهم "شابا طائشا" يسكنه عناد الرفض الممزوج بالحماس.

وفي محطته الجامعية الأخيرة، جاءت اللحظة الفاصلة حين عرض عليه الدكتور خليل سبات العمل في "الأهرام"، ليبدأ مسيرته في عالم الصحافة؛ إذ قابل الأستاذ محمد حسنين هيكل، فسأله الأخير: "عاوز تشتغل في الأهرام ليه..؟"، فأجابه بثقة فكر وكبرياء حلم: "لأن الأهرام هي جامعة شعب .. ولأنني أريد أن أتتلمذ على يديك .. ولدي شعور بأني سأصنع من خلالها شيئا كبيرا". وكان ما أراد.

دخل الأهرام شابا في الثالثة والعشرين من عمره، ليبدأ كمحرر اقتصادي لعشر سنوات كاملة تعلم فيها لغة الاقتصاد بين جبروت الأرقام والميزانيات والاستحقاقات، حتى صارت له خلفية رصينة لجأ إليها رؤساء حكومات لاحقا.

لكن القدر كان يدخر له بقية النشيد؛ فبإصرار من الأستاذ علي الجمال، تولى حراسة "الصفحة الثقافية" التي أصبحت نواة القسم الثقافي في الأهرام، لتكون بستانا ممتدا يلتقي فيه يوميا بعمالقة الفكر والأدب: توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، زكي نجيب محمود، يوسف إدريس، لويس عوض، ويحيى حقي، حيث عاش بينهم لا كأسماء تعتلي أغلفة الكتب، بل كوجوه وعقول شكلت الفكر وصاغت الرؤية.

ثم انقشعت الغمة بنصر أكتوبر، وتفجر معه الشعر والحلم؛ ومن رحم العزة نبت ديوانه الأول "أوراق من حديقة أكتوبر" 1974، الذي كتب مقدمته توفيق الحكيم، ثم ولدت قصيدته الشهيرة "لا ترحلي" التي اقترنت بالعندليب (الأسمر) كمشروع حلم لم ير النور. ومن الأغنية إلى الحلم الأكبر: المسرح الشعري؛ فكانت مسرحية "الوزير العاشق" عن ابن زيدون 1981، التي تجسدت بعبقرية عبد الله غيث وأمينة رزق على خشبة المسرح، وكتب عنها أكثر من 120 مقالا ورسالة علمية، ثم توالت الروائع ب "دماء على أستار الكعبة"، و"هولاكو" التي استغرقت كتابتها أربع سنوات لتختصر مأساة سقوط الدولة العباسية، فصارت حدثا ثقافيا يتجاوز النص إلى الذاكرة، ويعيد صياغة الأسئلة الكبرى التي لا تنضب.

ألفة الأنداد ووفاء الأوراق.. حين يكون العمر ملكا للوطن

وفي حديثه الشيق، استرجع شاعرنا لمحات من زمن النبل الجميل حين كان يجلس مع السنباطي كل أسبوع، ثم داعب الحضور بحواره الضاحك مع رفيقه العالم أحمد زويل؛ الذي عرض عليه ذات مرة مقايضة عبقرية: إن يأخذ منه العلم ويعطيه الشعر، فما كان من جويدة إلا أن قال مشترطا باسما: "موافق ... بس بعد ما آخد الفلوس!".

ثم انتقل إلى سؤال المسلماني له عن نزار قباني، لينفى شائعات الخصومة بينهما ويؤكد أنه جمعتهما حوارات إنسانية عميقة؛ مستحضرا لقاءهما الدافئ في لندن حين سأل شاعرنا نزار: "من يسبق الآخر ... الحب أم القصيدة..؟"، فأجابه نزار بيقينه المعهود: "القصيدة".

وحين سأله - خبثا - عن سر عدم اهتمامه بالشعر المسرحي، أقر نزار بأن كانت له محاولات لكنها توقفت، مستعيدا بوفاء كيف اتصل بنزار يوما ليقول له بلهفة: "اقرأني غدا في الأهرام"، مشيرا إلى مقال كان قد سطره بذوقه الرفيع دفاعا عن نزار بعد تعرضه لانتقادات لاذعة. وعقب جويدة بمرارة تغلفها المودة قائلا :"نزار كان قاسيا في هجائه، محظوظا بالأصوات التي غنت قصائده، أما أنا فلم أكتب الهجاء بل الرثاء"، الذى لم يكن يوما نهاية للحكاية، بل أراه أسمى آيات الحب، حين يصبح الوجع صوتا يتردد في ردهات الذاكرة".

وهنا، استشهد برثائه لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ذلك الرجل الذي بلغ من الثقة أن أوصى زوجته بأن تسلم كل أوراقه الخاصة وأسراره المكتوبة إليه بعد رحيله؛ حيث رثاه جويدة بمقالات نثرية مطولة في صحيفة "الأهرام"، كشف فيها عن "أناقة الصمت وشموخ الكبرياء"، وهما ما عاش بهما عبد الوهاب، قبل أن ينفث هذا الشجن نغما في مرثيته التي خاطب فيها عود الموسيقار الراحل قائلا بمرارة واستنكار:
ما بال عودك ماتت فيه نبضته..؟ ولم يعد يسكب الألحان في السحر..! قم وأسمعه لحنا كان يحييه ...

وفي لفتة مبهرة، أعلن الشاعر أنه بصدد إصدار كتاب يضم ستين شخصية اقترب منها في مسيرته بداية من الشعراوي ومرورا بالحكيم وهيكل وانتهاء بالعديد من العمالقة، واصفا إياه بأنه "وقفة وفاء"، إضافة إلى كتاب آخر يجمع ذكرياته المكتوبة.

ثم تبعت كلمته مداخلات رصينة من المكرمين؛ حيث نادى عبد الوهاب قتاية بتوثيق الكنوز الثقافية الإذاعية والتليفزيونية، ودعا محمد مرعي إلى تكريم العلماء، فيما استعادت حكمت الشربيني نفحات برنامجها الإذاعي الخالد "شعر وموسيقى".

ليالي الحلم لا تباع

لم يكن صالون ماسبيرو الثقافي في ليلته تلك مجرد أمسية عابرة لتكريم شاعر، بل كان محاولة جادة واستثنائية لاستعادة صورة مصر التي نعرفها؛ مصر التي كانت ولا تزال ترى في المثقف ضميرا حيا، وفي خشبة المسرح قضية كبرى، وفي القصيدة وطنا دافئا يمكن الاحتماء به كلما ضاقت القلوب.

وفي تلك اللحظات الفاصلة، وقبل أن ينفض السامر، أشار جويدة إلى فلسفته الوجدانية في تماهي الشاعر مع أرضه، معتبرا أن الحروف تموت معنويا حينما تقال وتفقد أسرار البوح إن لم تكن نابعة من نبض الأمة. لتنتهي الأمسية كما بدأت: على إيقاع فكرة واحدة ... إن مصر ليست مكانا فحسب، بل ذاكرة تكتب بالكلمات، وأن الثقافة ليست ترفا، بل هي معيار البقاء.

وانتهى الصالون، وغادر الحضور المسرح، إلا أن صدى الكلمات بقي يتردد في الأركان كتراتيل لا تخفت. لم يغادر الحضور جدران المبنى العتيق فحسب، بل كان كل واحد منهم يمضي حاملا في أعماقه جذوة من ذلك الزمن الزاهي؛ زمن كان الشعر فيه قادرا على أن يجعل الناس أكثر رقة، وأشد وفاء، وأكثر إيمانا بأن هذا الوطن مهما أثقلت كاهله الشدائد لا يزال متمسكا بالنشيد، وقادرا على غنائه.

وفي آخر الليل، وقبل أن تطوى ملامح هذه الليلة العامرة، تذكرت تلك الكلمة الرنانة التي أطلقها فاروق جويدة يوما: "فلا بد أن شيئا سيبقى بيننا". ونوقن الآن أن ذلك الشيء هو الشعر، وهو الذاكرة الممتدة؛ فحتى إن انفض السامر وترجل المكرمون، يبقي الصالون معلقا في الهواء كديوان لم يغلق، وتبقى القصائد كأجراس يقظة لا تهدأ، تبشر بأن دولة الثقافة في مصر لا تبيع عمرها في آخر ليالي الحلم، بل تظل "قصيدة" خالدة ومستعصية على النسيان يؤديها "وزير عاشق" على مسرح التاريخ، و"وطنا" لا يزال يكتب مجده .. لأننا وكما تعلمنا في محراب الشاعر نؤمن بأن ثقافتنا هي المقياس الحقيقي للتقدم، ولن تتخلى مصر أبدا عن صدارتها وموقعها.. فما دام في أعيننا "عنوانها"، سيبقى في قلوبنا "جلالها".

فشكرا لصاحب الفكرة والدعوة .. وشكرا لمن لبى ..

وشكرا لهذه اللحظة ... وتلك المتعة..

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
أيمن عدلي
محمود علام
محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

المرأة قلب الأسرة النابض.. من رحمها يبدأ أمن المجتمع

لم تعد معركة الأسرة الحديثة تُخاض عند الأبواب، بل أصبحت تدور في صمتٍ داخل الغرف المغلقة، حيث يجلس الأبناء لساعات...

النفط بين الحصار والصبر الاستراتيجي.. إدارة الاختناق في أسواق الطاقة

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية مجرد فصل جديد في صراع سياسي ممتد، بل أصبحت نموذجا مكثفا لتحول...

قصة حب ايزادورا الشهيدة

ايزادورا هي فتاة منعمة بنت حاكم مدينة "انتينوبولس"، الإسم القديم لمدينة "الشيخ عبادة" حاليا، عاشت في عهد الإمبراطور "هادريان"، من...

"المؤثرون" يغيرون قواعد اللعبة في عصر الإعلام الرقمي!

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولات جذرية في طبيعة الاتصال الجماهيري، فلم يعد الإعلام التقليدي وحده المصدر الأساسي لتشكيل الرأي...