"مشروع الحرية" في هرمز.. وصعود قناة السويس كصمام أمان عالمي

إعادة هندسة المضايق

في لحظة تاريخية فارقة من عام 2026، يجد العالم نفسه أمام مشهد جيوسياسي لم يسبق له مثيل، إذ تتقاطع نذر المواجهة العسكرية الشاملة مع طموحات إعادة رسم خرائط التجارة الدولية.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرابع من مايو الجاري عن إطلاق ما أسماه "مشروع الحرية" مجرد استجابة تقنية لأزمة ملاحية عابرة، بل كان إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من "دبلوماسية الحافة الحادة"، حيث تتداخل لغة المدافع مع طموحات الهيمنة اللوجستية.

ويمثل هذا المشروع، الذي لُفّ بعباءة "العمل الإنساني" لإنقاذ آلاف البحارة العالقين في "عنق الزجاجة" المتمثل في مضيق هرمز، في جوهره عملية عسكرية مركبة تهدف إلى كسر حالة "الجمود الاستراتيجي" التي حاولت طهران فرضها كأمر واقع في الوقت الراهن، بالتزامن مع تحولات هيكلية كبرى تجعل من المضايق المشتعلة خياراً يمكن الالتفاف عليه لصالح ممرات أكثر استقراراً تقودها القاهرة والرياض.

الميدان المشتعل .. عقيدة الردع وتكتيكات القوة الخشنة

إن المشهد الميداني الحالي لا يحتمل التأويل؛ فنحن أمام حشد عسكري هو الأضخم في المنطقة منذ سنوات، حيث تشارك القيادة المركزية الأمريكية فيه بحوالي (15) ألف جندي، مدعومين بمظلة جوية تتجاوز الـ (100) طائرة مقاتلة من أحدث الأجيال.

هذه القوات لم تأتِ للمراقبة السلبية، بل لتنفيذ عقيدة "تأمين الرواق"، وهي خطة تعتمد على خلق مسار محمي بأنظمة دفاع جوي وحرب إلكترونية متطورة قادرة على تحييد التهديدات غير المتماثلة، مثل الألغام البحرية الذكية ــ تلك التي زرعتها إيران في مياه المضيق ــ والزوارق الانتحارية السريعة.

وتجلى هذا الحزم في التصريحات الأخيرة للرئيس "ترامب" التي اتسمت بلهجة تصعيدية غير مسبوقة، حين هدد بـ "محو إيران" إذا ما تجرأت على اعتراض هذا المسار أو استهداف القطع البحرية الأمريكية المشاركة في تأمين الملاحة. هذا الخطاب المتصاعد ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو انعكاس لتغيير جوهري في قواعد الاشتباك، يسمح للقادة الميدانيين باستهداف منصات الصواريخ ومواقع انطلاق الزوارق فور رصد أي تهديد مباشر، وهو ما تُرجم فعلياً بإعلان الجيش الأمريكي إغراق ستة زوارق إيرانية حاولت اختبار الجاهزية الأمريكية في قلب المضيق.

على الجبهة المقابلة، تُصر "طهران" على أن ما يحدث هو "مغامرة عسكرية" تهدف لفرض سيادة خارجية على مياه إقليمية، معتبرة أن أي تحرك ضمن "مشروع الحرية" هو انتهاك صريح لاتفاقيات وقف إطلاق النار.

ولم يتوقف الرد الإيراني عند الخطاب السياسي الذي قاده إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان، بل امتد ليشمل تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا استهدف ميناء "الفجيرة" الإماراتي.

ورغم الكفاءة العالية التي أبدتها الدفاعات الجوية الإماراتية في اعتراض الصواريخ الباليستية والمسيّرات، إلا أن وقوع إصابات في منشأة حيوية كالفجيرة بعث رسالة واضحة بأن كلفة المواجهة ستطال الجميع، وأن أمن الطاقة العالمي بات رهينة لحسابات "الردع المتبادل".

وفي ظل هذا الغليان، تبرز المفارقة الكبرى؛ فبينما يتبادل الطرفان مسودات الاتفاق عبر قنوات دبلوماسية خلفية لا تزال مفتوحة، تبقى الفجوات واسعة بسبب تعقيدات صنع القرار داخل القيادة الإيرانية وحالة الترقب التي تسود البيت الأبيض، حيث تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تقترب من استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق إذا لم يتراجع التصعيد الإيراني.

الثورة اللوجستية: قناة السويس والمسارات الهجينة كبديل استراتيجي

إلا أن الجانب الأكثر إثارة في هذه الأزمة ليس المواجهة العسكرية فحسب، بل هو "التحول الهيكلي في مسارات النقل" الذي تقوده قوى السوق والواقعية السياسية لسحب بساط الابتزاز الجيوسياسي.

ففي الوقت الذي تتأهب فيه المدمرات، كانت دوائر الاستراتيجية الدولية، بما فيها وسائل إعلام رصينة، ترصد تحركًا ثورياً تقوده شركة ( MSC )، أكبر شركة شحن في العالم.

هذا التحرك يتمثل في "المسار الهجين" الذي يعيد تعريف مفهوم العبور؛ حيث يتم تفريغ الشحنات القادمة من أوروبا في موانئ "جدة" و"ميناء الملك عبدالله" على البحر الأحمر، لتنطلق بعدها برًا عبر شبكة الطرق والسكك الحديدية السعودية المتطورة وصولاً إلى ميناء "الدمام" على الخليج العربي.

هذا الالتفاف الاستراتيجي يفرغ التهديدات بإغلاق مضيق هرمز من قيمتها السياسية، ويحول المضيق من "شريان وحيد لا بديل له" إلى ممر ثانٍ يمكن تجاوزه، مما ينهي عصورًا من التحكم في مصير التجارة العالمية عبر "خنق" الممرات الضيقة.

وهنا، تبرز "قناة السويس" كحجر الزاوية الذي لا يمكن بدونه بناء أي معمار لوجستي عالمي مستدام في هذه المرحلة. إن كفاءة القناة المصرية وسرعة استجابتها لهذه المتغيرات جعلتها العمود الفقري لهذا "المسار الهجين"؛ فبدون الربط السلس الذي توفره السويس بين البحرين المتوسط والأحمر، تنهار فكرة الالتفاف حول هرمز من أساسها.

إن تكامل الموانئ المصرية مع الشبكات السعودية يكرّس واقعًا جديدًا يضع القاهرة والرياض في قلب "السيادة البحرية" الجديدة، حيث لا تظهر القناة كبوابة لتحصيل الرسوم فقط، بل كصمام أمان وحيد يضمن استمرارية التدفقات التجارية بعيدًا عن بؤر الصراع المشتعلة في الخليج.

يعزز هذا التطور مكانة القناة باعتبارها "الطريق البديل الأخير" والمستدام، وهو ما يفسر حالة الترقب الإسرائيلية والدولية؛ إذ يرى العالم في هذا المشروع نقلة نوعية تزيد من الثقل الجيوسياسي للتحالف المصري ــ السعودي كمركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث ويحمي الاقتصاد العالمي من عواصف "الرمال المتحركة" للسياسة الدولية.

إن الخلاصة التي يمكن استنتاجها من هذا المشهد المعقد هي أننا أمام إعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة. فبينما قد ينجح "مشروع الحرية" في فتح أبواب ممر هرمز تحت مظلة جوية مكثفة من المقاتلات وبمعاونة القطع البحرية الأمريكية، محققًا نصرًا تكتيكيًا فوريًا لإدارة "ترامب"، يبقى المنجز الاستراتيجي الحقيقي هو ذلك الذي يُصاغ بعيدًا عن أزيز الطائرات، في أروقة التخطيط اللوجستي الذي تقوده مصر والسعودية.

يدرك العالم اليوم أن الممرات التي تملكها دول مستقرة وتمتلك رؤية استراتيجية واضحة هي الضمانة الوحيدة للرخاء العالمي. لقد باتت قناة السويس والربط اللوجستي العربي هما من يصيغان مستقبل التجارة العالمية، محولين الأزمات العسكرية إلى فرص لإثبات أن "الجغرافيا السياسية" حين تقترن بالاستقرار، تتفوق دائماً على "جيوسياسية الفوضى".

لقد تنفس العالم الصعداء بمرور سفينة تحت حماية أمريكية، لكنه لا يطمئن حقًا إلا حينما تبحر تجارته عبر مسارات السويس البديلة، حيث السيادة للقانون والاستقرار لا للابتزاز والوعيد.

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

هل بات القانون الدولي عديم الفائدة، أم أننا نحاكمه بجرائم من ينتهكونه؟

في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤال ثقيل يتردد على ألسنة كثيرين:...

المرأة صانعة المحتوى

في زمن لم يعد فيه “الصوت” مرتبطًا بالمنصات التقليدية، بل بشاشة هاتف صغيرة قادرة على الوصول إلى ملايين المتابعين في...

حكاية ساكنة "البيت الفرنسي" بجوار معبد الأقصر والولع بالحضارة المصرية

مع منتصف القرن التاسع عشر؛ لمع اسم مصر عاليا في مجال الآثار، وبدأ الأجانب يفدون إليها للسياحة والاستمتاع، وساعد مناخها...

"مشروع الحرية" في هرمز.. وصعود قناة السويس كصمام أمان عالمي

في لحظة تاريخية فارقة من عام 2026، يجد العالم نفسه أمام مشهد جيوسياسي لم يسبق له مثيل، إذ تتقاطع نذر...