طريق يقطع على مهل.. لا تجهله الخرائط

قراءة في فلسفة العبور الكبير

ثمة مسافة خفية يعيش الإنسان عمره كله محاولا قطعها؛ ليست بين مدينة وأخرى, ولا بين زمن وآخر، بل بينه وبين نفسه. مسافة تتخللها "لحظة تائهة" تذوب في مسامها، حين يشعر صاحبها أنه لم يعد قادرا على الفوز ببرهة من هدوء، وسط صخب ظل يطارده طويلا. وكلما انسابت الأيام من بين يديه، اكتشف على نحو مباغت وموجع أن العالم قد ضاق عليه بما رحب, وأنه أضحى يعرف هذا الكون أكثر مما يعرف ذاته؛ فالمرء الذي برع في ملاحقة الأشياء وفك طلاسمها، عجز في النهاية عن الإصغاء إلى ذلك الفراغ الغامض الذي يتسع داخله بصمت.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

فالحياة لا ترهقنا دائما بثقل ما نفقده فيها، بل بما تصنعه بنا أثناء محاولات النجاة من معاركها؛ إذ تتراكم على أرواحنا طبقات كثيفة من التيه، وتتوارى ملامحنا الأولى، يحدث هذا خلف زحام الشواغل، والهواجس المقلقة، والرغبات المؤجلة، والخيبات المتراكمة.

إنه اللهاث الطويل خلف أشياء نظنها ملاذا، لنكتشف لاحقا أنها لم تكن سوى سراب آخر يستنزف القلب ببطء. نركض نحو نوافذ صغيرة نبغي منها السلام، وحين نبلغها.. نطل منها على الخواء..! وحينها، لا يعود أكثر ما نخشاه هو التهاوي، بل اعتياد هذا البعد الطويل عن أنفسنا حتى نظنه مألوفا.

ولعل مأساة إنسان هذا الزمان أنه بات يتقن قطع المسافات على خرائط الأرض، لكنه يضل طريقه إلى قلبه. يزداد اتصالا بالعالم، بينما يتآكل صوته الداخلي في الزحام، حتى صار محاطا بكل شيء إلا سلامه النفسي إذ يملك الساعة ولا يملك الوقت، يحمل الهاتف ولا يجد أذنا تصغي لشجنه، يشيد البيوت الشاهقة، ولا يجد فيها سكنا لروحه، يقتني ما يشتري به الأضواء لكنه يعجز عن شراء طمأنينته. يبدد نصف عمره وهو يجمع العالم حوله، ثم يقضي النصف الآخر محاولا النجاة منه!

غير أن الروح، مهما كساها غبار الماديات، تظل تحتفظ بحنين قديم إلى فطرتها البكر؛ إلى لحظة ينفض فيها الإنسان ما يثقل كاهله. ومن هنا، تتولد الحاجة إلى رحلة مختلفة تماما؛ لا يذهب فيها المرء إلى مكان جديد، بل يعود خلالها إلى ذاته؛ يتخفف فيها من ثقل الأسماء، والوجوه المستعارة، والعناوين البراقة، والهزائم الصامتة التي استوطنت عمقه.

في هذه الرحلة بالذات، يفهم السائر أنه لم يكن يبحث عن طريق جغرافي ضله، بل عن طريق داخله، ليغادر الزمن اليومي المعاش إلى "ميقات" آخر لا تقاس لحظاته بعقارب الساعة، بل بما يحل في القلب من خشوع. هنالك.. يطرح الإنسان ضجيج الأرض جانبا قبل أن يستبدل ثيابه، حيث يجمعه ورفقائه صعيد واحد، برداء واحد، وبلسان واحد وإن تعددت لغته يصدح بنبرة واحدة، ويلهج بنداء واحد يمحو وحشة الاغتراب، ليقف أخيرا على مشارف العبور الكبير إلى الله ملبيا .."لبيك اللهم لبيك".

في حضرة البيت العتيق .. جسد يطوف، وقلب يهدأ

منذ اللحظة الأولى التي يرتفع فيها صوت التلبية، يشعر الإنسان أن شيئا ما في داخله بدأ يتخفف ببطء قبل أن ينقشع تماما؛ كأن العالم الذي ظل طويلا يزدحم في صدره بضوضائه، ومطامعه، وانكساراته، وسباقاته الصغيرة أخذ يتراجع إلى الخلف، تاركا الروح تواجه نفسها للمرة الأولى بلا وسطاء. هنا، حيث تمتد جموع الحجيج كأنها نهر أبيض هائل يتدفق نحو المعنى، لا يعود البشر مجرد أفراد يحملون أسماءهم ومهنهم وأوطانهم، بل يصبحون أرواحا متشابهة في تلك البدايات المتوحدة، وفي توقها الأزلي إلى الرحمة والمغفرة.

هذا السفر الروحي المهيب، ليس مجرد طقوس تؤدى ثم تنتهي في مدى زمني معلوم، بل هو تجربة كيانية تترك أثرها العميق المقيم في الروح؛ فالحاج لا يعود من رحلته كما ذهب تماما، إذ ثمة أشياء تتغير داخله جذريا، حتى وإن عجز عن تفسيرها بلغة قادرة على وصف ما جرى في أعماقه، فإنه يعود حتما أكثر صفاء مما كان، أقل التفاتا إلى زخرف المظاهر، وأكثر قدرة على مسامحة نفسه والآخرين. كما يكتشف بيقين لا يخالطه ريب، أن السلام الحقيقي لا ينال بدوامة الركض الدنيوي، بل يولد حين يتصالح الإنسان مع ضعفه الآدمي، ويعترف بأنه بحاجة دائمة إلى معية الله أكثر مما مضى.

ولهذا ظل الحج، عبر العصور والقرون، أكثر من مجرد شعيرة دينية تختصرها الأفعال الظاهرة؛ إنه تذكير سنوي كوني بأن الإنسان، مهما انغمس في تعقيدات حياته المعاصرة وشيد من حوله الأسوار والحجب، يظل في سويداء قلبه كائنا بسيطا يبحث بلهفة عن سكونه، وعن ملمح من فرصة ليستأنف حياته بنقاء. ففي حضرة البيت العتيق، تتلاشى النظريات وتذوب العناوين، ويدرك الإنسان بمنتهى اليقين المجرد من الزيف أن القلب أيضا يحتاج إلى أن يطوف ... حتى يهدأ.

ومن هذا المقام الشاخص بالأنوار، نغوص معا في تفاصيل هذه الرحلة الإيمانية المباركة، نبحر في لجج لا سواحل لها؛ لنبدأ ب "التنزيل" عبر ميثاق الحج القرآني، مرورا ب "التأويل" الوجودي لهجرة الإنسان الداخلية، وصولا إلى "التطبيق العملي" لاستقراء فلسفتها؛ مشيرين إلى مرجعية أركانها المناسكية في ملة الخليل إبراهيم، وأبعادها الوجودية التي تبعث الكيان البشري بعثا بكرا.

ميثاق الحج القرآني .. نصوص التأسيس لرحلة العبور الكبرى

إذا كانت المناسك بتتابعها هي المسار التطبيقي لرحلة الحج، فإن القرآن الكريم بوصفه منبعا للتشريع ومصدرا للأحكام يرسم لنا ميثاقا يستجلي مسار هذه الرحلة، ويحولها من شعيرة حركية بدنية إلى تجربة وجودية بالغة العمق. وما تخصيص سورة كاملة باسم "الحج" في كتاب الله إلا إشارة إلهية بأن هذه الشعيرة ليست عبادة جانبية، بل هي ركن ركين في بناء هوية المؤمن، وقاعدة أصولية لاستقامة القلب. ففي البداية، يؤكد هذا الميثاق أن الاستطاعة مناط التكليف، وشرط للوجوب في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾. لتكون الاستطاعة جسرا يربط القدرة المادية والبدنية بالنية القلبية الصادقة لأداء الفريضة.

ولأن الحج رحلة منسقة في الزمان والمكان، فقد وضع القرآن خارطة طريق للنسك تراعي البعد الزماني والمكاني، مؤكدا أن غاية الحج ليست القيام بالمناسك لذاتها، بل لتحقيق التطهير الشامل؛ فقد جاء العهد الإلهي لإبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا السلام: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. هذا التطهير للبيت المادي يستتبع بالضرورة تطهيرا روحيا ل "بيت القلب"، لتشمل مقاصد التطهير الربط بين الشقين المادي والروحي.

وهنا، أعقب الميثاق القرآني الطهارة بنداء الخليل إبراهيم:﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.

هذا النداء لم يكن مجرد دعوة زمانية، بل هو بوصلة العودة إلى الجوهر؛ فالناس مدعوون للخروج من فجاج الدنيا المتشعبة متجردين نحو قبلتهم الأولى صوب قلب العالم ومستقر التوحيد، حيث تتجلى أنوار الحقيقة وتتلاشى الفوارق.

ليغدو الحج في هذا السياق القرآني عودة إلى يقين الوحدانية لا طقسا معزولا عن الحياة، ليمثل فرصة سنوية لتجديد العهد مع الله جل في علاه، وإعادة ربط الكيان البشري بالأصول الإبراهيمية الحنيفية التي علمنا إياها الخليل.

كما أن هذا الميثاق يتسع ليحتوي تفاصيل مقتضيات النفس البشرية وواقعها في تلك الرحلة؛ فيرخص للتجارة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. كما يحمي حرمة الحياة في أدق تفاصيل الإحرام وقدسيته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. ليستكمل ذلك بضبط صارم للخارطة الأخلاقية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.

فهذه الثلاثية تمثل آفات تخدش نقاء الميثاق؛ فالرفث يفسد طهارة الجسد، والفسوق يفسد صفاء السلوك، والجدال يفسد سكون الروح، فهذا التدرج في الآية الذي يبدأ بتهذيب الشهوة، ثم السلوك، وصولا إلى اللسان، في إشارة إلى أن الحج رحلة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، مؤكدا بعد ذلك أن التقوى هي الزاد الحقيقي للرحلة كلها: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾.

ثم بعد ذلك تتفتح مسارات الرحلة على شعائر التوحيد، طوافا وسعيأ، حيث ينكشف معنى الانعتاق من أدران الدنيا: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. كما جعل الله الصفا والمروة من شعائره: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.

فالسعي بينهما ليس مجرد انتقال مكاني، ولا هرولة جزع أو إنهاك ، بل سعي حثيث يرمز إلى طاعة ولهفة قلب لا يهدأ حتى يستكمل مسافة اختباره. وهو ليس تكرارا لخطوة، بل إقامة برهان على توق العبد إلى القرب من مولاه في سعي دؤوب في أرض التيه، ليخرج الله له من باطن التعب ثمرة اليقين. لم يجعل الله الصفا والمروة مجرد علمين على الأرض، بل مدارين للأشواط، وبين أول شوط وآخره يتجلى المعنى، وتغدو الهرولة استجابة، والسعي إدراكا بأن السلام لا يمنح، بل يهرول إليه.

وفي ذروة الرحلة، عند الوقوف بعرفة، تتلاشى المسافات بين الأرض والسماء، ويغمر الذكر الوجود كله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. هناك، يغتسل المكان بخشوع الدعاء ودموع الرجاء، وتتأكد وحدة الأمة لا بلسان واحد، بل بفيض واحد: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾.

فالإفاضة من عرفة ليست حركة جسد، بل هي انقياد قلبي يذوب فيه الحاج مع ركب العابدين الخاضعين لربهم، والاستغفار بعدها ليس كلمات تقال، بل اعتراف صامت بأن لا أحد يبلغ عفو الله بعمله، بل برحمته. وتكتمل الرحلة بتقديم الهدي والأضاحي للمتمتع والقارن لا كفعل مادي تراق فيه الدماء، بل هو إعلان عن تعظيم شعائر الله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.

وهنا، يضعنا القرآن أمام قاعدته الجامعة التي تنتقل بالحاج من قشور الجسد إلى لب الروح: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. فليس الهدي هو القربان، بل ما في الصدور حين تذبح شهواتها قبل أن تذبح الأنعام.

ولا يكتمل هذا الميثاق إلا بتذكير ختامي يليق بمقام الشعيرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فالإتمام ليس نهاية المناسك، بل بداية التزام بعهد جديد مع الله. ولم يغفل القرآن أحوال العودة، فجاءت الرحلة محكومة برحمة لا بعسر ولا تضييق: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾، في إشارة إلى أيام التشريق الثلاثة التي ترمى فيها الجمرات. فالحج ليس ثقلا يرهق الروح، بل فسحة طاعة ورحابة تمتد لمن اتقى.

ويتجلى من مقاصد الحج ما ذكره الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾. منافع الدنيا التي تتبين في التلاقي والتجارة، ومنافع الآخرة التي تقوم على ذكر لا ينقطع. فيخرج الحاج وقد شهد الأمرين معا: كيف تتحول الرحلة إلى رحمة، وكيف تصير المنافع شعائر، وكيف يختصر المعنى في قلب يذكر الله، حتى يغدو الكون كله مساحة للذكر لا نهاية لها.

هذه المناسك، بما تحمله من إيقاع حركي وصور بصرية مهيبة، تؤكد أن الحج ليس حدثا يمر، بل هو نداء أبدي استجاب له الخلق منذ إبراهيم عليه السلام، وما تزال الأرواح تستجيب له إلى آخر الزمان؛ تبحث عن المركز، وتلوذ بالعتيق، وتفر من زيف الدنيا إلى حقيقة الوجود. والقرآن الكريم، بجمعه هذه الآيات في سوره المختلفة، لا يشرح مناسك الحج فحسب، بل يحوله من عبادة مكانية إلى حالة وجودية كلية؛ يصبح فيها كل ركن من أركان المناسك تجليا لآية، وتصديقا لعهد.

وهنا، لا يعود الحاج مسافرا عاديا، بل يصير "عاهدا" في كل لحظة؛ يجدد بيعته مع رب السماء، يطوف حول البيت وقلبه يدور مع الفلك الأول، ويذكر الله في الأيام المعدودات وكأن الزمن قد خلق لهذا الذكر. ثم يعود إلى دنياه، لكنه لا يعود كما ذهب؛ يعود بقلب بكر لم تلوثه عوارض الدنيا، وبعينين أبصرتا الطمأنينة حين تصير شعائر، وامتلاء العبد باليقين في نداء "لَبَّيْكَ".

هجرة إلى الداخل.. جغرافيا الانعتاق، وميقات الوجود

إذا كان هذا هو الميثاق التعريفي, وإذا كانت الرحلة في التصور الجغرافي تبدأ بقطع المسافات وشد الرحال، فإن فلسفتها في ميزان العارفين تبدأ من حركة الروح قبل الجسد، ومن هجرة الباطن قبل تسيير القوافل. إن الحج ليس انتقالا بين أقاليم الأرض بفيافيها وقفارها وبحارها شوقا لاكتشاف تضاريسها، بل هو "فرار واع" من ضيق الذات وأسر المألوف، واندفاع نحو رحابة المعنى اللامحدود، امتثالا لقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾؛ فرار لا يقاس بالخطوات، بل بصدق التوجه، حيث تنشد الأرواح مركزها الأول، كأنها تعود إلى أصل الفطرة التي لا يطمئن لها القلب إلا في رحاب خالقه.

وأول العبور في هذه الشعيرة المعمورة بالهدى هو "النية"؛ تلك النبضة التي يقر فيها القلب عزمه على الانسلاخ من دوامة "الركض الدنيوي" بقصد خالص لله. فالنية ليست إجراء طقسيا شكليا، بل هي قرار الذات بالالتفات الكامل إلى وجه الحق، حيث يقف الإنسان أمام نفسه متحررا من تشتته، ويبدأ مسار التصالح الأبدي مع خالقه، ملقيا وراءه كل الحجب التي حالت بينه وبين صفاء قلبه طوال العمر. إنها لحظة انكشاف داخلي تسبق التحول، حيث يتجاوز المرء إرادته الصغيرة، ويودع مقاصده لمشيئة الله.

ولما كانت للرحلة قدسيتها، جعل الله لها مواقيت تنظم نبض الروح قبل حراك الجسد. فالميقات الزماني ليس مجرد أيام معدودة عابرة، بل هو "وعاء نوري" و"إطار تعبدي" يهيئ القلب للدخول في حالة النسك، ويعلمه أن الوصول إلى رحاب الله يقتضي انضباطا وآدابا مسبقة. ثم يأتي الميقات المكاني ليكون خط التماس الفاصل بين عالمين: عالم الاعتياد اليومي بزيف أقنعته، وعالم الحمى الآمن بما فيه من صفاء ونقاء.

وعند هذا الحد الفاصل، تتجلى فلسفة "الإحرام"؛ حيث يخلع الإنسان عنه أثواب المكانة والطبقية وكل علامات التميز، ليرتدي بياضا نقيا بسيطا يرمز إلى الانعتاق. فالإحرام لا يقتصر على نزع "المخيط" الذي حيك من خيوط المظاهر، بل يتجاوزه إلى نزع التعلق بالصور الذهنية التي صنعها الإنسان عن نفسه من أوهام وألقاب وكبرياء، منسلخا من البنية التي شيدها حول نفسه ليحمي هويته الزائفة، ليتساوى الناس جميعا أمام هذا المعنى، فلا يبقى فرق بين غني وفقير، أو ذي سلطان وغيره، إلا بما وقر في القلب من صدق التوجه أمام جلال الخالق.

في هذا البياض الرمزي، يغدو الحاج أقرب إلى حالة من التجرد الوجودي؛ حيث تخفت "الأنا" أمام نداء التلبية، وتغدو الروح طليقة تلوذ بمولاها في مسار عودة لا يشوبه تمايز، وكأن الإحرام إعلان رمزي عن استعادة الإنسان لجوهر براءته الأولى قبل أن تتراكم عليه طبقات العالم. فالبياض الناصع هنا ليس مجرد لون، بل هو "مساحة صوفية" تعيد صياغة الوجود على ميزان الفطرة، وكأن لسان الحال يهمس: "لست ما تملك من مال وجاه، ولست ما تشغل من منصب، أنت فقط ما بقي من روحك حين تتعرى من زينة العالم". حيث لا يتردد في الساحة إلا نداء "التلبية"، وحيث يدرك الإنسان أن الغاية ليست في بلوغ القمة، بل في الانعتاق في حضرة الجليل.

الكعبة المشرفة..  قبلة الروح، وصدى الذاكرة الإبراهيمية

ما إن تقع العين على البيت العتيق، حتى يصمت ضجيج العالم في الخارج، وينسحب إلى الداخل. الكعبة هنا ليست مجرد بناء هندسي، بل هي "نقطة ارتكاز" المعنى؛ المركز الثابت الذي لا يترنح في عالم لا يتوقف عن الدوران. إنها الحجر الذي وضعه إبراهيم بيد اليقين، وشاركه إسماعيل بصدق التسليم عليهما السلام فصار كل ركن فيها شاهدا على قصتهما، وعلى ذاكرة بناء لم يكن يهدف إلى العلو في الأرض، بل إلى العلو في ميزان السماء.

لقد شهدت هذه البقعة تحولات الزمن؛ فما بين رفع إبراهيم وإسماعيل للقواعد، وبين مراحل البناء المتلاحقة التي تلتها عبر القرون، ظلت الكعبة تجسيدا لحضور أثر الهداية في قلب الأرض. لم تكن مجرد جدران ترمم، أو يعاد بناؤها، بل كانت "قلبا نابضا" للرسالات؛ فمن بنائها في فجر التاريخ إلى إعادة بنائها في عهد نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وما تلا ذلك من عمارة وتوسعة، ظل هذا البيت شاهدا على بقاء المعنى رغم تقلب الأزمنة.

ولهذا، فإن تعلق قلوب المسلمين بها يتجاوز حدود الرؤية البصرية؛ فالحاج أو المعتمر الذي يراها رأي العين، يتحد في شغفه مع ملايين آخرين لم يطأوا ثراها قط، لكنهم يحملونها في قلوبهم قبلة ووجدانا. إنها ظاهرة إنسانية فريدة؛ أن يتوجه إنسان في أقاصي الأرض نحو نقطة لم يلمسها، بقلب يرى ما لا تراه العيون، فهي في وجدان المؤمن وطن روحي لا يحتاج إلا لصدق توجه يجعل المسافة بينه وبينها صفرا، ولو حالت بينهما الجبال والبحار.

في هذا المحراب الكوني، يغدو "الطواف" استحضارا لتلك اللحظة الإبراهيمية الأولى. فمن "طواف القدوم" الذي يمثل لحظة اللقاء الأول بمهابة المكان، إلى "طواف الإفاضة" الذي يأتي تتويجا لرحلة التجرد في عرفات، يبدو المشهد وكأنه محاكاة لمدارات الأزل. إننا لا نطوف بالبناء لذاته، بل بالمعنى الذي أودعه الله في هذه البقعة؛ ففي طوافنا، تذوب اللحظات وتتلاشى القرون، لنشعر أننا نسير في أثر إبراهيم، ونسمع في صمت الطواف صدى النداء، الذي أطلقه الخليل منذ آلاف السنين بأمر إلهي: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾.

إن هذا الدوران المستمر هو استعارة كونية كبرى؛ فكل شيء في الوجود يطوف: الكواكب حول شموسها، والذرات في مداراتها، والزمن حول حكاياتنا. في هذا الزحام الهائل الذي يذوب فيه الفرد في الجموع، يكتشف الحاج أن حركته الدائرية ليست إلا بحثا عن نقطة التوازن في عالم مضطرب. هنا، يذوب كبرياء "الأنا" أمام جلال المحبوب، وفي الطواف لا يبقى إلا أرواح طليقة تلوذ بمولاها، مستذكرة أن هذا البناء قام على "الأصول الأولى" للتوحيد، وعلى قصة يقين بالله.

كما أن هذا الدوران ليس مجرد قطع لمسافات، بل هو "تطهير عميق للذاكرة"؛ فالدموع التي تنهمر في ظلال الكعبة تستحضر خشوع إبراهيم وهو يرفع القواعد من البيت، وأثناء امتثاله لأمر الابتلاء بذبح ابنه، وهي غسيل لأثقال خطايانا. إنها دورة وجودية صامتة، يعيد فيها الإنسان ترتيب عالمه الداخلي، متخذا من الكعبة محورا لثباته، ومن الطواف طريقا للعودة إلى الذات بعد اغترابها الطويل، لتقف أخيرا في حضرة الله، مجردة من كل شيء.. إلا من يقينها به سبحانه.

السعي .. ملحمة اليقين بين صفاء الرجاء ومروة الصبر

إذا كان الطواف حول الكعبة مدارا في فلك التوحيد، فإن السعي بين الصفا والمروة هو "حركة المجاهدة" في ميدان الحياة. إنها ليست مسافة تقطع بين جبلين، بل هي استعادة حية لملحمة هاجر؛ تلك الأم التي لم تكن تملك وسط الخوف إلا يقينها، حين ظمأ الرضيع، وخيم صمت القفار على واد غير ذي زرع، فبقي الرجاء هو الملاذ الأخير.

في هذا المسار، يدرك الحاج أن السعي ترجمة عملية لليقين؛ إذ يستحضر تلك اللحظة القاسية التي انقطعت فيها أسباب الأرض, ولم يبق سوى مدد السماء. هنا، لا يسعى المرء بجسده فحسب، بل يركض بروحه حين تنقطع به السبل، بحثا عن "زمزمه" الخاص؛ ذاك النبع الذي لا يتفجر إلا بعد عناء الترقب وصدق التوجه.

لقد جعلت الشريعة من تلك الواقعة التاريخية "سردية وجودية"؛ حيث يختبر الإنسان صراعه الأزلي بين خوف الفطرة وإيمان القلب. إنه ارتقاء فى "مقامات الإيمان"؛ حيث لا يتوقف القلب عن الطلب رغم جفاف الأسباب؛ فلا بأس أن يركض المرء بين خيباته وآماله، المهم ألا ينطفئ نبض السعي في صدره. فبين خوف البداية ورجاء النهاية، يمضي الإنسان متمسكا بيقين يهتف بداخله: "أعرف أن الطريق وعر، لكن ثقتي في المدبر أوسع من سعة هذا الوادي".

وحين يفرغ الحاج من أشواطه، لا يجد في المروة نهاية للمسافة، بل يجد "طمأنينة" حلت محل قلق البداية. لقد أصبح السعي رمزا لكل روح تكافح في مدارات الابتلاء، معلما إيانا أن الله لا يضيع قلبا لم ينقطع دبيب الرجاء في عروقه، وأن كل "زمزم" يتفجر في حياة المرء، ما هو إلا ثمرة لركض صبور في ميدان التسليم.

إلى عرفات الله.. مشهد استباقي للحشر الأعظم

ما إن تلوح تباشير "عرفات"، حتى يدرك الحاج أن الرحلة بلغت ذروتها الوجدانية، وأنها لم تعد مجرد انتقال بين بقاع مقدسة، بل عبور نحو حالة من "الفناء في حضرة رب العرش". هنا، وبعد أن قضى الحجيج ليلتهم ب "منى" في يوم التروية، ثم أفاضوا مع إشراقة يوم التاسع من ذي الحجة إلى عرفات، يقف الملايين تحت سماء واحدة، وفي يوم واحد، بلا ألقاب ترفع أحدا، ولا فوارق تذل آخر. إنها اللحظة التي تختزل فيها البشرية في قلب واحد، لتفسح المجال لروح عارية تبحث عن مأواها عند خالقها.

ولعل في سر التسمية ما يشي بالمعنى؛ فعرفات هي ساحة "التعارف"؛ حيث تتعارف الأرواح التي التقت في ميثاق الأزل، أو هي من "العرف" وهو الطيب، فكأن الأرض هناك تطيبت بوقوف العباد، أو لعلها المكان الذي يعرف فيه الإنسان ربه بجميل التضرع، ويعرف فيه نفسه بجميل الانكسار. وفي هذا الصعيد تتجلى النبوءة الجامعة في قول المصطفى ﷺ : "الحَجُّ عَرَفَةُ"، وكأن ما قبلها وما بعدها من مناسك الحج ليس إلا إرهاصات لهذا الموقف الأعظم، ومقدمات لهذا "المقام الأقدس".

غير أن المشهد في عرفات، يبدو وكأنه "محاكاة دنيوية كبرى" ليوم الحشر؛ فالبياض الذي يكسو الأجساد هو ذاته بياض الأكفان التي لا تأخذ معها من متاع الدنيا شيئا، والجموع المتدفقة التي لا تعرف لها سبيلا إلا نحو صعيد واحد، تذكر الأذهان بيوم الحساب، حيث لا يملك المرء من أمره إلا عمله وقصده.

هنا، تتلاشى مغريات العالم الخارجي؛ فلا أرباح تشغل، ولا مطامع تؤرق، ولا سباقات صغيرة تهم. ملايين الوجوه الشاخصة، الأكف المرفوعة، والدموع الهاطلة تحت شمس الظهيرة؛ حيث تتلاشى الدنيا ولا يبقى إلا النداء الخفي بين العجز البشري والرحمة الإلهية، في إنصات مهيب لصوت الروح الذي طالما كتمه صخب الأيام.

هذا الوقوف ليس مجرد نسك يؤدى، بل هو "محو للذوات"؛ ففي عرفات، يذوب كبرياء الدنيا في غبار الصعيد، وتتخفف القلوب من أثقالها القديمة، لتصبح خفيفة كطائر فقد سربه، ثم وجد في رحاب الله مأواه الأخير. هناك، يدرك الإنسان أن الغاية ليست في بلوغ القمة في الحياة الدنيا، بل في الفناء في حضرة من جعل عرفات ميقاتا للرجوع، ومحطة يغسل فيها المرء ما تراكم على روحه من غبار الآثام.

فعرفات هي "لحظة مكاشفة كبرى"؛ إذ يرى الإنسان نفسه للمرة الأولى بلا رتوش، أشعث أغبر، بلا أقنعة أفنى عمرا في صقلها. في تلك اللحظة، يفيض الدعاء كزفرات اعتراف بالضعف البشري، وبحاجة الإنسان القصوى والدائمة لرحمة تتجاوز ميزان العدل إلى فسيح الفضل. إنها "عرفات الله"؛ حيث لا سفراء بين العبد وربه، وحيث تتباهى السماء بعباد طرحوا الدنيا خلف ظهورهم، لتسمع الملائكة نداءات الضعف في أصدق صور التجرد، فيتجلى الرب بكرمه، ويشهد ملائكته أنه سبحانه قد غفر لهم، ليعود العبد من ميقاته وقد أعادته الرحمة إلى صفائه الفطري.

رمي الجمرات.. مقارعة الحصى وشوائب هوى النفس

مع غروب شمس عرفات، وفي لحظة يمتزج فيها انكسار الوداع بوهج الرجاء، يشد الحاج رحاله نحو "مزدلفة"؛ تلك المحطة التي يجمع فيها "سلاحه" وحصاد عزمه من "حصيات"، ستكون في الغد أداته في معركة التحرر. فإذا كان الوقوف بعرفات لحظة اللقاء الروحي، فإن رمي الجمرات هو "الميدان العملي" لاختبار قوة العهد وتخليص الروح من أحمالها.

في "مِنَى"، وابتداء من جمرة العقبة الكبرى يوم النحر، لا يرمي الحاج أحجارا في حوض صخري فحسب، بل يلقي خلف ظهره كل ما تراكم على نفسه من أثقال الكبرياء، ووساوس الشيطان التي طالما انساق خلفها، وغواية النفس التي أردته في مهاوي الغفلة. وكل حصاة تهوي في الحوض هي "إعلان براءة" من كبرياء زائف، ومن ذنب أورثه الندم، ومن غضب مكنون حول الإنسان إلى سجين له.

إننا هنا لا نرجم شيطانا خارجيا فحسب، بل نرجم "شيطنتنا الكامنة"، التي تستوطن نفوسنا من وساوس وظلمات؛ نرجم بذور الشح التي تمنعنا من العطاء، ونقذف أطياف المعاصي التي أثقلت كاهل الذاكرة. إن هذا النسك طقس ل "تطهير الذات" من مرارة الآثام التي أبت أن تفارق ذواتنا، فكأن كل حصاة تمثل لحظة مؤلمة أو غفلة ماضية، نختار، بقصد ووعي، أن نلقيها بعيدا؛ لنحرر مساحات قلوبنا من قيود الانكسار التي أعاقت ارتقاءنا.

إنها "المجاهدة الفعالة"؛ حيث يتطلب الرمي إصرارا، وتصويبا، وقوة، تماما كما يتطلب التحرر من شوائب النفس شجاعة في مواجهة الحقيقة. ويدرك الحاج أن الوصول إلى "سلام النفس" يمر حتما عبر "رجم مخاوفها". وحين يتم الحاج جمرات أيام التشريق، لا يعود بيدين فارغتين، بل بقلب خاو من أدرانه، كأنما استبدل مرارات المعاصي بحلاوة التوبة، معلنا أن الإنسان قادر على رجم كل ما يعيقه عن بلوغ سكينته، ليقف في النهاية أمام نفسه ... مبرأ من كل ما مضى.

اكتمال المعراج .. مناسك التمام والوداع

سبق أن أشرنا إلى أن رحلة "الصعود" تبدأ مع إشراقة يوم التروية، حيث يشد الحاج رحاله إلى "مِنَى"، مستحضرا استسلام الخليل المطلق لأمر الله، ومهيئا روحه لما ينتظره من مقامات كبرى. يعقب ذلك الوقوف ب "عرفة" بذروة ما تنطوي عليه من تجليات روحية ثم الإفاضة منها عند الغروب إلى "مزدلفة"؛ ليكتمل بذلك مسار التهيؤ والطمأنينة قبل الدخول في مرحلة التثبت من صدق العهد، إذ تبدو مناسك الحج جميعها كأنها مقامات متتابعة في رحلة تطهير واحدة.

وفي يوم "النحر" تبلغ الرحلة ذروتها العملية عند رمي جمرة العقبة الكبرى؛ فيبدأ الحاج طقس الانعتاق ب "الحلق أو التقصير"؛ ذلك الرمز الجلي لخلع أثقال المظهر الزائف، والتحلل من قيود الدنيا التي كبلت روحه طويلا، كأنما يمحو أثر الإنسان الذي كانه، ويستقبل ميلاده الجديد؛ كخروج من ضيق المألوف القديم لبداية عمر لم يدنسه غبار الخطايا بعد. كما يستحضر معنى الفداء في شعيرة الأضحية التي يؤديها الحاج يوم النحر امتدادا لذكرى الكبش الذي فدي به إسماعيل تأكيدا لمعنى التسليم الكامل لله، وتحويلا للابتلاء إلى رحمة ونجاة.

يلي ذلك أنس "طواف الإفاضة" بالمسجد الحرام؛ حيث يطوف الحاج حول "المركز والجوهر" في دورة كونية يفيض فيها قلبه بسلام اكتسبه من مسيرة المجاهدة، معلنا اكتمال عهده مع الخالق. ولا تنتهي هذه المسيرة هنا، بل تمتد في "أيام التشريق" ب"مِنَى"؛ إذ يثبت الحاج انتصار إرادته على هواه في كل رمية للجمرات الثلاث الصغرى والوسطى والكبرى ممارسة يومية للاستبصار ورفض ما يعيق الصفاء الروحي، وتثبيتا لإرادة أبت إلا أن تبقى يقظة في حضرة القداسة، مستحضرة في كل موضع من مواضع الرمي قصة الخليل ومواجهته لإبليس اللعين؛ إذ يستحضر هنا امتداد الشعيرة في جذورها الأولى؛ ففي المواضع التي تعلق بها الابتلاء، تعرض إبراهيم عليه السلام وأهله لوسوسة الشيطان في ثلاثة مواطن، فكان الرد بالرجم، لتغدو كل حصاة إعلان براءة من غواية النفس وانتصارا للعهد.

وأخيرا، ومع اكتمال المناسك، يأتي "طواف الوداع" في صحن بيت الله الحرام؛ خاتمة المطاف ومسكه. يطوف الحاج حول البيت العتيق في عناق أخير، مودعا بدموع الامتنان، ومحملا بسكينة من صقله السفر ونقاه النداء. لا يملؤه حزن الفراق، بل تغمره طمأنينة من أدى أمانة الفريضة بقلب صاف، واستوعب درس الغربة وهيبة اللقاء. يغادر الحاج مكة وقد انسلخ من عهود الغفلة، حاملا في جوفه سرا إلهيا، يعود به إلى دنياه وقد صار في روحه كأنما ولد لتوه.

معية القلوب الراجية.. طريق إلى الله بلا سفر

بينما يعبر الحجاج الأقاليم المترامية نحو مكة المكرمة، ثمة قلوب أخرى في مختلف بقاع الأرض تعبر المسافة ذاتها، لا بالأقدام ولكن بالروح؛ تتوثب للحاق بركب الطمأنينة في محاكاة وجودية فريدة. إنها "معية العبور"، حيث لا تشترط الجغرافيا وصول البدن، بل يكفي أن يصدق القلب في نيته؛ فيتشبه بالحجاج شوقا، ويلحق بركبهم وجدانا، وكأن تلك الأرواح تشاركهم سر الرحلة وإن غابت عنها الخطى.

تكتسي هذه الأيام المباركة بقدسية لا تخطئها البصيرة؛ إذ أقسم الله بها في محكم التنزيل ﴿وليال عشر﴾؛ ليرفعها فوق ميقات الزمن العادي، وتغدو ساحة للرضوان. يتجلى فيها زمن استثنائي تتقارب فيه الأرواح أكثر مما تتقارب الأجساد؛ زمن تستعاد فيه معاني التجرد، ويعلو فيه صوت التكبير، وتتهيأ فيه النفوس لصفاء لا تحده المسافات.

في هذه العشر، تتداخل الأبعاد الروحية؛ فالصيام ليس مجرد إمساك عن شهوة البطن، بل هو معراج يتطهر فيه المرء من كثافة المادة، والتكبير ليس مجرد نداء باللسان، بل هو إقرار بعظمة الخالق في مقابل صغر الدنيا ومطامعها.

وفي هذا السياق، يتجسد معنى المشاركة الروحية؛ فكما يدخل الحاج في حالة إحرام ظاهر تباعد بينه وبين علائق زينة الدنيا، يعيش غير الحاج لونا موازيا من ألوان التهيؤ الإيماني؛ بكثرة الذكر والتلاوة والصيام، وبسنة الإمساك عن قص الشعر وتقليم الأظافر لمن نوى الأضحية، في صورة من صور الزهد الاختياري الذي يربط المقيم بالمسافر، ويجعل الجميع في حالة تقشف طوعي، وانصراف عن زينة المظهر إلى صفاء الجوهر.

ولا تقف دلالة هذه الأيام عند حدود الفرد، بل تتجاوزها لتصوغ إنسانية جديدة؛ إذ يتوحد العالم الإسلامي بأسره؛ حجاجا في "منى" و"عرفات"، ومقيمين في سائر الأرض، في كتلة شعورية واحدة تتنفس بالذكر، وتنبض بالتكبير، وتتأمل في درس الخليل عليه السلام.

هكذا يغدو الحج في جوهره عبورا وجوديا شاملا، لا يقتصر على من لبى النداء، بل يمتد أثره إلى كل قلب لبى المعنى؛ فتعاد صياغة الإنسان على صعيد واحد: صعيد المحبة والنقاء. وكأن الطريق إلى البيت العتيق لا يسلك دائما بالأقدام، بل يطوى أحيانا بنور صلاة الفجر في جماعة، وصدق الذكر، يعقبهما ركعتان تفتح بهما أبواب القبول، فيكتب لصاحبها أجر حجة وعمرة تامة, تامة, تامة, تصديقا لما جاء في الحديث الشريف.

وفي منتهى هذا العبور الوجداني، يدرك الإنسان أن الحج ليس رحلة فحسب، بل هو إعادة صياغة لروح العبد في علاقتها بالخالق والخلق والكون كله؛ ليعود الجميع وقد لامست قلوبهم سكينة "يوم عرفة"، وتطهرت نفوسهم بنور "الليالي العشر"، وأدركوا أن المعراج إلى الله لا يحتاج دائما إلى أقدام تسعى، بل إلى قلب يعي، وروح لا تفتأ تتوق إلى مبتغاها.

النسخة المنسية .. نداء يسكن تجاعيد الروح

ختاما، إن الحج ليس دروبا تقطع، بل حقيقة تكتشف؛ رحلة عبور إلى "النسخة المنسية من أنفسنا", وارتحال من ضجيج الذات إلى سكونها، ومن الزائل إلى الباقي. في تلك الحشود المليونية، يتعلم الإنسان كيف يكون فقيرا بلا مهانة في حضرة القداسة، وكيف يخلع عن روحه ما تراكم عليها من غبار العالم، ليغدو كطفل يخطو خطواته الأولى على أرض بكر.

في تلك البقعة المباركة التي يرتدي فيها الجميع البياض كفيضان لا شطآن له تتساوى الوجوه، وتذوب اللغات في لغة الدعاء، وتتساقط الأقنعة كأنها لم تكن. هناك، لا يدرى في هذا الجمع المهيب أين تبدأ صرخة المرء وأين تنتهي تنهيدة جاره؛ حيث تصير الأرض دائرة واحدة، يسير أهلها هربا من أنفسهم إليها، بحثا عن نداء يسكن تجاعيد الروح منذ الأزل.

ففي مسيرة الحج؛ يخلع الحاج رداء هويته، وينزع ثيابه كأنه يعود إلى أصل الخليقة، حافيا على طهارة الأرض. وفي عرفات؛ تنكسر النفس لتتسع، وتحدث المصالحة الكبرى مع الذات. وفي منى؛ يرمي الحصى رجما لشياطين الكبرياء والغفلة، ويذبح أنانيته قربانا للحق. وفي سكون مزدلفة ولحظات الصفا والمروة، يتعلم أن الرجاء مهما ضعف أو صغر هو الخيط الأخير الذي ينقذ القلب من التيه.

ثم يأتي الوداع؛ طواف أخير كعناق أبدي، يترك الحاج وقلبه مثقل بسؤال العودة: هل ستتغير الروح حقا..؟ ليس الجواب في يقين صريح، بل في "أثر لا يمحى". فالحاج يعود وقد تسربت إليه خفة الروح، وتهذبت فيه نزعات هوى النفس، وأصبح يرى صخب العالم من ثقب إبرة السكينة. قد تعود العادة، وقد يغفل القلب، لكن شيئا ما قد نقش في العمق: أن إقامتنا فوق الثرى مؤقتة، وأن ثمة "معنى" بعيدا يستحق أن نفنى في سبيله، ليغدو شوق العودة إلى تلك العتبات هو نبض الروح الجديد، وغاية الرجاء التي لا تنقضي.

لقد كان الحج هو الاختبار الحقيقي لندخل ذواتنا، وننفض عنها ما علق بها من معاص، ونكتشف أن المسافة بيننا وبين الله لم تكن يوما تقاس بالأميال، بل بصدق الانكسار وإخلاص الرجاء. لا يعود الإنسان منه كما ذهب؛ بل يعود محملا بذاكرة لا تنسى نداء " لبيك "، وأثر يظل يرشده كلما أظلمت عليه دروب الحياة.

فالحج ليس محطة وصول تبلغها بانتهاء المناسك، بل هو بداية رحلة لا تتوقف، يعيشها الإنسان في ثنايا قلبه، وتصنع منه إنسانا لا يبتغي من الدنيا إلا بقاء ذلك الضوء الذي عرفه هناك؛ حتى يلقى الله بقلب سليم لم يغادره طيب مزدلفة، ولا طهر منى، ولا نور عرفات، ولا حلاوة الطواف.

فيا رب .. لبيك اللهم لبيك...

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
المستشار حسـام الدين علّام

المزيد من مقالات

"رحلة الحدث من النبأ إلى الخبر".. قراءة معاصرة في الدين واللغة!

في زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة كبيرة أصبح التفريق بين "النبأ" و"الخبر" ضرورة إعلامية حيث يتعامل الكثيرون مع المصطلحين باعتبارهما...

التنوع البيولوجي الدرع الطبيعي للصحة والمناعة

يمثل التنوع البيولوجي تنوع الكائنات الحية والنظم البيئية التي تحافظ على توازن الحياة على الأرض. ويعتمد الإنسان عليه في الغذاء...

طريق يقطع على مهل.. لا تجهله الخرائط

ثمة مسافة خفية يعيش الإنسان عمره كله محاولا قطعها؛ ليست بين مدينة وأخرى, ولا بين زمن وآخر، بل بينه وبين...

القانون ومواجهة خطاب الكراهية في العصر الرقمي

تبدأ كثير من الأزمات الكبيرة بكلمات قيلت باستخفاف، أو سخرية رددت حتى اعتادها الناس، أو خطاب أخذ يصف بعضهم بعضا...