الفتاة الصماء.. حقها في الفرصة يصنع الفرق

قد تجلس فتاة صغيرة في فصلها، تتابع المعلمة بعينيها، وتحاول أن تلتقط من حركة شفتيها ما تستطيع، بينما زميلاتها يرفعن أيديهن للإجابة عن سؤال تعرف هي إجابته أيضا. داخلها رغبة في التعلم، وفضول لاكتشاف العالم، وحلم بأن تنجح، وتكون لها صداقات، وتختار مستقبلا يشبهها، وتثبت لنفسها ولمن حولها أنها قادرة.

شيرين الشافعي
رئيس تحرير بقناة النيل للأخبار
ماجستير إدارة أعمال

 

 

لكنها تحتاج إلى شيء أساسي حتى تبدأ رحلتها: فرصة عادلة، وبيئة تفهم لغتها واحتياجاتها، ولا تجعل فقدان السمع حاجزا بينها وبين أحلامها.

هنا تبدأ الحكاية.

فخلف كل فتاة تستخدم لغة الإشارة، إنسانة كاملة الأحلام والطموحات، تبحث عن التعليم والمعرفة والقبول والمشاركة. وكل حركة من يديها تحمل رسالة واضحة: أنا هنا، ولي ما أقدمه.

والحديث عن الفتاة الصماء يجب أن يتجاوز مجرد توفير وسيلة للتواصل، إلى ضمان حقها في التعليم والتمكين والعمل والاستقلال والمشاركة في المجتمع. فالسؤال الحقيقي ليس فقط هل تستطيع الفتاة الصماء التواصل، وإنما ماذا ينتظرها بعد أن تتواصل؟ هل تجد بيئة تعليمية تستوعب احتياجاتها، وطريقا ميسرا إلى الجامعة، ومعلومات صحية واجتماعية يمكنها الوصول إليها، وتدريبا يؤهلها لسوق العمل، وأبوابا حقيقية للإبداع وريادة الأعمال؟

هذه الأسئلة تضع الفتاة الصماء في قلب قضية تمكين المرأة، لأن التمكين يبدأ عندما تصبح الفرصة متاحة، وينظر المجتمع إلى قدراتها قبل إعاقتها.

التعليم والإتاحة.. بداية الحلم

بالنسبة إلى الفتاة الصماء، التعليم ليس مجرد شهادة، وإنما طريق إلى الاستقلال واكتشاف الموهبة وبناء الشخصية وتحديد المستقبل. ولهذا تبدأ مسؤولية تمكينها منذ السنوات الأولى، من خلال الاكتشاف المبكر، والتأهيل، وتنمية مهارات التواصل، وتوفير بيئة تعليمية تساعدها على التعلم والتفاعل مع زملائها.

فالفتاة التي تجد في طفولتها من يفهمها ويدعمها، تكون أكثر قدرة على التعبير عن نفسها، وأكثر ثقة في قدراتها، وأكثر استعدادا لمواصلة تعليمها وتحقيق طموحاتها.

وفي مصر، تقدم وزارة التضامن الاجتماعي خدمات لتنمية المهارات اللغوية والتأهيل للصم وضعاف السمع من خلال مراكز متخصصة، إلى جانب جهود دعم الطلاب والطالبات في مراحل التعليم المختلفة، كما شملت جهود الدولة توفير مترجمي لغة الإشارة في عدد من الجامعات المصرية.

لكن الإتاحة لا تنتهي عند باب الجامعة، فالفتاة تحتاج أيضا إلى الوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية والاجتماعية، والتعامل مع المؤسسات المختلفة، والحصول على محتوى إعلامي ورقمي يمكنها فهمه، ووسائل تساعدها على التواصل في حياتها اليومية. لذلك فإن الإتاحة ليست رفاهية، وإنما شرط أساسي للاستقلال والمشاركة.

موهبة تنتظر فرصة

الفتاة الصماء ليست فقط فتاة تحتاج إلى خدمة أو رعاية، وإنما قد تكون صاحبة موهبة وقدرة وطموح، وتحتاج إلى البيئة التي تساعدها على اكتشاف ذلك. قد تكون مبدعة في التصميم أو التكنولوجيا أو الحرف اليدوية، أو تمتلك فكرة لمشروع صغير، أو تجد مكانها في أحد مجالات العمل الرقمي.

لكن الموهبة وحدها لا تكفي؛ فهي تحتاج إلى تدريب وتوجيه وأدوات وبيئة عمل مناسبة، والأهم إلى من يؤمن بقدرتها. وهنا تتحول قضية التمكين الاقتصادي إلى طريق حقيقي نحو الاستقلال.

وتدعم وزارة التضامن الاجتماعي، بالتعاون مع جهات ومؤسسات مختلفة، برامج التمكين الاقتصادي للأشخاص ذوي الهمم من خلال التدريب والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والأسر المنتجة والمعارض التي تتيح عرض المنتجات وتسويقها. ويمكن أن يمثل توجيه جانب أكبر من هذه البرامج إلى الفتيات والنساء الصم خطوة مهمة لاكتشاف قدراتهن وربطها باحتياجات سوق العمل.

فالعمل المناسب لا يوفر دخلا فقط، وإنما يمنح الفتاة مساحة أكبر لاتخاذ القرار، وبناء علاقات مهنية واجتماعية، والمشاركة بصورة أكثر فاعلية في أسرتها ومجتمعها.

الإعلام.. صوت للتمكين

الإعلام شريك أساسي في تمكين الفتاة الصماء، لأنه قادر على تغيير الصورة التي يراها المجتمع عنها، والانتقال بها من نموذج يرتبط دائما بالاحتياج والتحدي إلى نموذج للقدرة والنجاح والمشاركة.

نحتاج إلى إعلام يسلط الضوء على الفتاة الصماء وهي تتعلم وتعمل وتبدع، ويقدم نماذج حقيقية لطالبات متفوقات، وفنانات، ورياضيات، ومبرمجات، وصاحبات مشروعات، ويمنحهن مساحة للحديث عن تجاربهن وطموحاتهن بأنفسهن.

كما أن استخدام لغة الإشارة والترجمة والإتاحة في المحتوى الإعلامي يوسع دائرة المستفيدين، ويجعل الفتاة الصماء جزءا من الجمهور الذي يخاطبه الإعلام، لا مجرد موضوع يتحدث عنه الآخرون.

والأهم أن يتعامل الإعلام مع قضايا الصم من منظور الحقوق والفرص والمشاركة، وليس من زاوية التعاطف وحدها؛ لأن الصورة التي يقدمها الإعلام يمكن أن تؤثر في نظرة المجتمع، وفي سقف التوقعات الذي يضعه أمام الفتاة.

وحين يرى المجتمع نماذج ناجحة ومتنوعة لفتيات صم استطعن التعلم والعمل والإبداع، تتغير الصورة تدريجيا، ويصبح الاختلاف جزءا من التنوع الإنساني، لا سببا لتقليل الفرص أو التوقعات.

صورة مختلفة للفتاة الصماء

نحتاج أيضا إلى تغيير الصورة التي تظهر بها الفتاة الصماء في المجتمع. فمن حقها أن تظهر باعتبارها فتاة لها أحلام وطموحات، لا أن يكون حضورها مرتبطا دائما بالتحدي والمعاناة.

نريد أن نراها طالبة متفوقة، ورياضية، وفنانة، ومبرمجة، ومصممة، وصاحبة مشروع، وموظفة ناجحة، وعضوا فاعلا في مجتمعها. كما أن المجتمع مطالب بإتاحة فرص المشاركة أمامها في الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية والمهنية، والتعامل معها باعتبارها جزءا أصيلا من نسيجه.

فالدمج الحقيقي لا يعني فتح باب للدخول فقط، وإنما أن تشعر الفتاة بأن هذا المكان مكانها، وأن وجودها طبيعي وفاعل ومؤثر.

وتبقى الأسرة شريكا أساسيا؛ فالأسرة التي تشجع ابنتها وتساعدها على التعبير عن نفسها وتكتشف مواهبها، تمنحها أساسا قويا لمواجهة الحياة. وهي لا تحتاج إلى خفض سقف التوقعات بسبب اختلافها، وإنما إلى من يقول لها: «أنت قادرة، وسنساعدك على الوصول إلى ما تستطيعين تحقيقه».

وهذه الرسالة قد تغير حياة فتاة بأكملها.

جهود مصرية.. أبواب أوسع

في مصر، تمتد جهود دعم الأشخاص الصم وضعاف السمع إلى عدد من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والجهات المتخصصة. ويأتي المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ضمن المؤسسات الوطنية المعنية بدعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز مشاركتهم في المجتمع، ونشر الوعي بحقوقهم وقضاياهم.

كما تقدم وزارة التضامن الاجتماعي خدمات التأهيل وتنمية المهارات اللغوية، إلى جانب دعم الأسر والتوجيه والإرشاد، فيما يبرز دور صندوق «عطاء» في دعم مشروعات تستهدف الأشخاص ذوي الهمم، بالتعاون مع جمعيات متخصصة في تأهيل الأطفال ضعاف السمع وزارعي القوقعة، وتوفير بعض الأجهزة والمستلزمات والخدمات التأهيلية.

وتتواصل كذلك الجهود الخاصة بنشر لغة الإشارة وتدريب العاملين عليها وتطوير المحتوى والمنصات التي تسهل التواصل.

لكن الأهم هو أن تتحول هذه الجهود إلى نتائج ملموسة في حياة الفتيات؛ أن تصل إلى التعليم الذي تستحقه، وتكتشف موهبتها، وتحصل على تدريب مناسب، وتجد فرصة للعمل، وتصبح أكثر استقلالا.

وهذه هي الأسئلة التي يجب أن تظل حاضرة عند تصميم أي برنامج يستهدف الفتيات الصم.

تضافر عربي.. فرص أكبر

قضية الفتاة الصماء لا تخص مصر وحدها، وإنما هي قضية عربية تحتاج إلى مزيد من التعاون وتبادل الخبرات. فالدول العربية تمتلك تجارب متنوعة في التعليم والتأهيل والتكنولوجيا المساعدة والتمكين الاقتصادي، ويمكن الاستفادة منها في تطوير برامج مشتركة، خاصة في تدريب مترجمي لغة الإشارة، وتطوير المحتوى التعليمي والرقمي، والاستفادة من التكنولوجيا، ودمج الفتيات الصم في التعليم والعمل.

كما يمكن دعم المبادرات العربية التي تتيح للفتيات والنساء الصم عرض مواهبهن وتجاربهن، وربطهن بالمؤسسات القادرة على تحويل هذه المواهب إلى فرص حقيقية.

فالهدف أن تصبح الفتاة الصماء شريكا فاعلا في مجتمعها، لا مجرد متلقية للخدمة.

قياس الأثر.. تمكين حقيقي

يحظى ملف الأشخاص ذوي الهمم باهتمام كبير، ويأتي دعم حقوقهم وتعزيز مشاركتهم وتوفير الفرص أمامهم ضمن أولويات الدولة المصرية.

ومن هذا الاهتمام، أرى أن المرحلة المقبلة تستحق مزيدا من التركيز على قياس الأثر الحقيقي لما يقدم، خاصة للفتيات والنساء الصم، لمعرفة ما أحدثته برامج الدعم والتمكين في حياتهن، وما الذي ما زلن يحتجن إليه.

فنجاح المبادرة لا يرتبط فقط بعدد المستفيدين أو الأنشطة المنفذة، وإنما بما أحدثته من تغيير حقيقي في حياة الفتاة: قدرتها على التعلم، واكتشاف موهبتها، والحصول على تدريب وفرصة للعمل، وتعزيز استقلالها وحضورها في المجتمع.

وقياس الأثر هنا ليس مجرد أداة للتقييم، بل وسيلة لتطوير التجارب الناجحة، ومعالجة جوانب القصور، والوصول بالدعم إلى الفئات الأكثر احتياجا.

ومن هنا، تنطلق رؤيتي من أهمية مواصلة البناء على ما تحقق في ملف ذوي الهمم، مع مزيد من الاهتمام باحتياجات الفتيات والنساء الصم، والاستماع إلى تجاربهن، ومتابعة أثر برامج التمكين عليهن، وتشجيعهن على التعلم والعمل والإبداع والمشاركة.

فالدولة المصرية تضع الإنسان وحقوقه في مقدمة أولوياتها، وما نطمح إليه هو أن تصل ثمار هذا الاهتمام إلى كل فتاة، وأن تتحول الفرصة التي تحصل عليها اليوم إلى قدرة حقيقية على صناعة مستقبلها والمشاركة في بناء وطنها.

الفتاة الصماء لا تحتاج إلى أن ننظر إليها باعتبارها صاحبة احتياج فقط، وإنما باعتبارها طاقة وقدرة وموهبة تستحق فرصتها كاملة.

وقد تكون هذه الفرصة هي الفارق بين حلم يبقى داخلها، وإنجاز يراه الجميع.

فلنمنحها الفرصة، ولنقِس أثرها، ولنفتح أمامها الطريق.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي

المزيد من مقالات

الفتاة الصماء.. حقها في الفرصة يصنع الفرق

قد تجلس فتاة صغيرة في فصلها، تتابع المعلمة بعينيها، وتحاول أن تلتقط من حركة شفتيها ما تستطيع، بينما زميلاتها يرفعن...

الأسرة والمرأة والحياة اليومية في العراق القديم

حين نقرأ تاريخ العراق القديم، غالبا ما تسرق منا أسماء الملوك والفتوحات والأساطير الأضواء، لكن خلف هذه الأحداث الكبرى كان...

مهارة فن الاستماع الفعال

كثيرًا ما يحتاج المريض إلى من يستمع إليه • ما شكواك؟.. سؤال بسيط قد يكون بداية واحدة من أهم المهارات...

نسخة مختلفة... لكنها ما زالت أنت

قد تكون الشخص الذى يتحدث ويضحك بسهولة وسط أصدقائه، ثم يصبح أكثر تحفظًا بمجرد دخوله إلى اجتماع في العمل. قد...


مقالات

مهارة فن الاستماع الفعال
  • الخميس، 24 سبتمبر 2026 12:44 م
نسخة مختلفة... لكنها ما زالت أنت
  • الخميس، 24 سبتمبر 2026 10:00 ص
مواصفات القائد النموذجي
  • الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 01:00 م
عظمة ملكات مصر القديمة
  • الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 10:00 ص