في الريف المصري، يبدأ الصباح قبل أن تستيقظ القرية كاملة. يد تمتد إلى الأرض، وأخرى تجهز طعام الأسرة، وامرأة تتابع ما تنتجه الأرض وما يحتاجه البيت، بينما تتداخل تفاصيل العمل والحياة في مشهد يومي يبدو عاديًا لمن يراه، لكنه يحمل في داخله اقتصادًا كاملًا تديره أيادٍ كثيرة.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
وعندما يأتي عيد الفلاح، تتجه الأنظار طبيعيًا إلى الأرض ومن يعملون فيها، لكن هناك وجهًا آخر لهذه الحكاية يستحق أن يأخذ مكانه في المشهد؛ وجه المرأة الريفية التي تشارك في الزراعة والإنتاج الحيواني والداجني وتصنيع الأغذية والحرف اليدوية، وتتحمل في الوقت نفسه جانبًا كبيرًا من مسؤوليات الأسرة.
وعلى مدار سنوات طويلة، كانت مساهمات المرأة في اقتصاد القرية حاضرة بقوة، لكنها في كثير من الأحيان ظلت بعيدة عن الحسابات الاقتصادية الرسمية، أو جرى التعامل معها باعتبارها امتدادًا للدور الأسري. واليوم تتغير هذه الصورة تدريجيًا، مع اتساع مفهوم التمكين الاقتصادي، وظهور برامج ومبادرات تمنح المرأة أدوات حقيقية للإنتاج، وتحول مهاراتها إلى مصدر دخل مستدام.
وتؤكد أحدث البيانات الرسمية أن هذا التحول لم يعد مجرد شعار؛ فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول جهود الدولة في التمكين الاقتصادي للمرأة، ارتفاع عدد من المؤشرات المرتبطة بتمكين المرأة. وبلغت نسبة المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر الموجهة للمرأة 46%، فيما بلغت نسبة المستفيدات من القروض متناهية الصغر 69%، إلى جانب وصول نسبة السيدات في الجهاز الإداري للدولة إلى 44.5%، بينما بلغ مؤشر التكافؤ بين الجنسين في الأجر عن العمل المماثل 79.4% عام 2023.
هذه المؤشرات تضع المرأة الريفية داخل صورة أكبر؛ صورة لاقتصاد مصري يتجه تدريجيًا إلى الاعتراف بقدرتها على الإنتاج، وليس فقط بدورها داخل الأسرة.
المرأة الريفية.. نصف حكاية الزراعة
في تفاصيل الحياة اليومية داخل القرية، تتعدد الأدوار التي تؤديها المرأة، من المشاركة في الأعمال الزراعية إلى تربية الطيور والحيوانات، وإنتاج الألبان والمخبوزات والمخللات وغيرها من المنتجات الغذائية، إلى جانب الصناعات والحرف التي توارثتها الأجيال.
هذه الأنشطة تحمل قيمة اقتصادية حقيقية، حتى عندما تبدأ في صورة بسيطة داخل المنزل.
وهنا تأتي أهمية الانتقال من النظر إلى هذه الأعمال باعتبارها "مساعدة للأسرة" إلى اعتبارها نشاطًا إنتاجيًا يمكن تطويره والاستثمار فيه.
فالمرأة التي تمتلك مهارة في تصنيع الغذاء يمكن أن تصبح صاحبة مشروع، والتي تتقن حرفة يدوية يمكن أن تحول مهارتها إلى منتج قابل للتسويق، والتي تعمل في مجال الإنتاج الحيواني يمكن أن تستفيد من التدريب والتمويل والتكنولوجيا لرفع كفاءة نشاطها.
والتمكين الاقتصادي في هذه الحالة لا يعني توفير دخل فقط، بل بناء قدرة كاملة تبدأ بالمعرفة والمهارة، وتمتد إلى التمويل والإدارة والتسويق والوصول إلى الأسواق.
وهذه الحلقة المتكاملة هي التي تمنح المشروع فرصة حقيقية للاستمرار.
حياة كريمة.. تمكين يبدأ من القرية
شهد الريف المصري خلال السنوات الأخيرة تحولًا واسعًا في مستوى الخدمات والبنية الأساسية، خاصة مع المشروع القومي لتطوير الريف المصري "حياة كريمة"، الذي أعاد وضع القرية في قلب خطط التنمية.
لكن القيمة الأهم لهذه المشروعات تظهر عندما تتحول البنية الأساسية إلى فرصة اقتصادية.
فالطريق الذي يصل القرية بالمدينة يسهل حركة المنتجات، وخدمات الاتصالات والإنترنت تفتح المجال أمام التسويق الرقمي، والشمول المالي يوسع فرص التعامل مع الخدمات المصرفية والتمويلية، بينما تتيح برامج التدريب للمرأة تطوير قدراتها بما يتناسب مع احتياجات السوق.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة بالنسبة للمرأة الريفية، التي تحتاج إلى منظومة متكاملة تساعدها على الانتقال من النشاط المحدود إلى المشروع القابل للنمو.
فالمرأة التي تنتج المواد الغذائية داخل منزلها تحتاج إلى معرفة معايير الجودة والتعبئة والتسعير، كما تحتاج إلى قناة تسويقية تصل بمنتجها إلى المستهلك. وصاحبة الحرفة اليدوية تحتاج إلى تطوير التصميم والتعرف على اتجاهات السوق واستخدام المنصات الرقمية، أما صاحبة النشاط الزراعي أو الحيواني فتحتاج إلى المعرفة الفنية والتمويل المناسب والأسواق التي تضمن لها عائدًا عادلًا.
ومن هنا يصبح تمكين المرأة جزءًا من التنمية الشاملة للقرية، وليس ملفًا منفصلًا عنها.
القومي للمرأة.. من المهارة إلى فرصة اقتصادية
في هذه المنظومة، يبرز دور المجلس القومي للمرأة في الانتقال بالمرأة الريفية من مرحلة امتلاك المهارة إلى مرحلة القدرة على تحويل هذه المهارة إلى مصدر دخل.
ويعمل المجلس من خلال برامج التمكين الاقتصادي والتدريب على دعم السيدات في مجالات متعددة، بالتعاون مع جهات وطنية وشركاء دوليين ومؤسسات أهلية، بما يفتح أمام المرأة الريفية مجالات جديدة للإنتاج.
ومن النماذج اللافتة في هذا السياق التدريب على إعادة تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة، ومنها إنتاج السماد العضوي "الكمبوست"، بما يجمع بين التمكين الاقتصادي والحفاظ على البيئة ودعم الاقتصاد الأخضر.
وهنا تتجاوز فكرة التدريب مجرد تعليم حرفة جديدة؛ إذ تصبح المخلفات الزراعية نفسها موردًا اقتصاديًا، وتتحول مشكلة بيئية إلى فرصة إنتاجية، وهو نموذج يعكس كيف يمكن للتنمية الريفية أن تجمع بين الاقتصاد والاستدامة.
كما يهتم المجلس ببناء قدرات السيدات في ريادة الأعمال وإدارة المشروعات، بالتعاون مع عدد من الشركاء والجهات الدولية، بما يعزز التمكين الاقتصادي والرقمي ويدعم قدرة المرأة على اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر وعيًا.
الادخار.. بداية مشروع أكثر استدامة
ولا يقتصر التمكين على التدريب، فالمشروع الذي لا يجد طريقًا إلى التمويل قد يظل مجرد فكرة.
ومن هنا تأتي أهمية آليات الادخار والإقراض التي يطبقها المجلس القومي للمرأة، وفي مقدمتها مشروع "تحويشة" لمجموعات الادخار والإقراض الرقمي، الذي يستهدف تعزيز الشمول المالي للمرأة في القرى وإدماجها في المنظومة المصرفية الرسمية.
ويستهدف البرنامج تكوين مجموعات ادخارية تضم أعدادًا كبيرة من السيدات، من خلال ميسرات ماليات مدربات، مع تقديم التثقيف المالي والتوعية بأدوات الادخار والتمويل.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لا تقدم التمويل بمعزل عن بناء القدرة؛ فالمرأة تتعلم الادخار وإدارة المال، وتتعرف إلى أدوات التمويل، وتكتسب خبرة تساعدها على اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر وعيًا، بما يجعل فكرة "الصندوق الدوار" أقرب إلى دورة اقتصادية مستمرة يمكن أن تعيد الأسرة من خلالها استثمار مواردها بدل الاعتماد على دعم مؤقت.
وهكذا يصبح الادخار نفسه مهارة، والتمويل وسيلة، والمشروع نتيجة طبيعية لمنظومة متكاملة.
الرائدات الريفيات.. قوة ناعمة داخل القرية
لكن التنمية لا تقوم على المال والتدريب وحدهما؛ فهناك عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو الوعي.
وهنا يأتي دور الرائدات الريفيات، اللاتي يمثلن حلقة اتصال مباشرة بين برامج الدولة واحتياجات النساء داخل القرى. ويولي المجلس القومي للمرأة اهتمامًا بهذا الدور، من خلال دعم الرائدات ورفع قدراتهن وتعزيز وجودهن داخل المجتمعات المحلية.
وتتحرك الرائدة الريفية داخل مجتمعها للتوعية بالقضايا الصحية والاجتماعية والأسرية، ودعم السلوكيات الإيجابية والتنشئة المتوازنة، والتعريف بالخدمات والبرامج المتاحة، بما يجعلها صوتًا قريبًا من المرأة في القرية، وقادرة على الوصول إلى الأسر التي قد لا تصل إليها الرسائل التقليدية.
وهنا تكتسب الرائدة الريفية أهمية خاصة؛ لأنها لا تنقل معلومة فقط، وإنما تساعد على تغيير ثقافة، وتشجع على الاستفادة من الفرص، وتربط المرأة بالخدمات والبرامج التي يمكن أن تغير حياتها.
أرقام تعكس تحولًا حقيقيًا
وتكشف المؤشرات الرسمية الأوسع عن مسار متدرج نحو تمكين اقتصادي أكبر للمرأة المصرية. فبحسب أحدث البيانات التي عرضها المجلس القومي للمرأة، ارتفعت مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي إلى نحو 21%، بينما وصل الشمول المالي للنساء إلى 71.4% عام 2025، بما يعادل نحو 23.3 مليون سيدة داخل المنظومة المصرفية، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
كما تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تطور ملموس في مؤشرات التمكين الاقتصادي؛ إذ بلغت نسبة المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر الموجهة للمرأة 46%، ونسبة المستفيدات من القروض متناهية الصغر 69% في 2023.
ورغم أن هذه المؤشرات تخص المرأة المصرية بصورة عامة ولا تعني أن جميعها خاص بالمرأة الريفية تحديدًا، فإنها ترسم السياق الذي تتحرك داخله برامج التمكين في القرى، وتوضح اتساع نطاق الانتقال من الرعاية إلى المشاركة الاقتصادية.
القرية المنتجة.. والمرأة محرك للتنمية
تتسع هذه الرؤية مع الاتجاه إلى دعم مفهوم "القرية المنتجة"، القائم على استثمار المزايا النسبية لكل قرية وربط مواردها بالتصنيع والتسويق وتوفير فرص العمل.
فالقرية التي تتميز بمحصول معين يمكن أن تبني حوله أنشطة للتصنيع الغذائي، والتي تمتلك تراثًا حرفيًا يمكنها تطويره وتسويقه، والتي تتوافر فيها مخلفات زراعية يمكن أن تحولها إلى مدخلات إنتاج أو سماد عضوي.
وفي كل هذه المسارات يمكن للمرأة أن تكون واحدة من أهم محركات الإنتاج.
فالمحصول الذي يخرج من الأرض بقيمته الأولية يمكن أن يكتسب قيمة إضافية عندما يدخل في التصنيع والتعبئة والتسويق، والمنتج التراثي يمكن أن يتحول إلى علامة محلية تعبر عن هوية المكان، والمخلفات الزراعية يمكن أن تصبح موردًا لمشروع أخضر.
وهنا لا يصبح التمكين الاقتصادي للمرأة منفعة فردية فقط، بل يتحول إلى قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
الأرض لا تروي حكاية واحدة
الاحتفال بعيد الفلاح هو احتفاء بالأرض وبكل من يعمل من أجلها، لكنه أيضًا فرصة للتوقف أمام التحولات التي يشهدها الريف المصري.
فالقرية الحديثة تحتاج إلى بنية أساسية قوية، وخدمات جيدة، وفرص عمل، واقتصاد محلي قادر على النمو، لكنها تحتاج كذلك إلى الإنسان القادر على تحويل هذه المقومات إلى إنتاج.
وفي قلب هذه المعادلة تأتي المرأة الريفية بما تمتلكه من خبرات ومهارات وقدرة على الإنتاج.
وعندما تحصل هذه المرأة على التدريب والتمويل والوصول إلى الأسواق، فإن ما تملكه من مهارات يمكن أن يتحول إلى مشروع، والمشروع إلى دخل، والدخل إلى قدرة أكبر على دعم الأسرة والمشاركة في اتخاذ القرار.
وهنا يصبح تمكين المرأة جزءًا من قوة المجتمع نفسه.
فكل مشروع نسائي ناجح في قرية مصرية يضيف قيمة جديدة إلى الاقتصاد المحلي، وكل مهارة تتحول إلى منتج تفتح بابًا جديدًا للعمل، وكل امرأة تستطيع تطوير نشاطها تصبح شريكة في بناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
وفي النهاية، تظل الأرض هي بداية الحكاية، لكن مستقبلها يُكتب بأيدي كل من يعمل عليها.
والمرأة الريفية كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من هذه الحكاية، واليوم تتسع المساحة أمامها لتكون شريكة أكثر حضورًا في إنتاجها وصناعة مستقبلها.
فالمرأة الريفية ليست فقط وجهًا آخر لحكاية الأرض.. إنها شريكة في التنمية، وأحد الوجوه التي ترسم ملامح مستقبل القرية المصرية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في الريف المصري، يبدأ الصباح قبل أن تستيقظ القرية كاملة. يد تمتد إلى الأرض، وأخرى تجهز طعام الأسرة، وامرأة تتابع...
تعود إلى البيت بعد يوم طويل، تتحدث أقل من المعتاد، وتجيب بكلمات قصيرة، وربما تنتظر سؤالًا واحدًا: "مالك؟". لكنه لا...
تُعد ظاهرة التشتت الفكري واحدة من أعظم التحديات المعرفية في العصر الحديث. لم يعد التشتت مجرد حالة عابرة من السرحان،...
ليست كل القمم متساوية في دلالاتها، وليس كل اجتماع بين ثلاثة قادة يمكن قراءته فقط من خلال ما جاء في...