يد تصنع التراث.. وامرأة تصنع اقتصادها

هناك فرق بين امرأة تصنع قطعة جميلة، وامرأة تدرك أن ما تصنعه بيديها يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة واستقلال وفرصة حقيقية لبناء مستقبل أفضل.

شيرين الشافعي
رئيس تحرير بقناة النيل للأخبار
ماجستير إدارة أعمال

 

قد تبدأ الحكاية بخيط، أو قطعة قماش، أو حفنة من الطين، أو بعض الخرز، لكنها لا تنتهي عند منتج مصنوع يدويًا؛ فهذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن تفتح أمام المرأة بابًا إلى سوق العمل، وتمنحها دخلًا مستقلًا، وتحول مهارة تعلمتها داخل بيتها أو ورثتها عن أمها وجدتها إلى مشروع قادر على النمو والمنافسة.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف: ما يبدو في ظاهره حرفة بسيطة، قد يخفي وراءه اقتصادًا كاملًا لم يحصل بعد على فرصته الحقيقية في النمو.

فالحرف اليدوية ليست مجرد ذاكرة تحفظ ملامح المكان، ولا منتجات تراثية تظهر في المعارض والمناسبات فحسب ، بل يمكن أن تكون قطاعًا منتجًا يخلق فرص عمل، ويحرك الاقتصاد المحلي، ويدعم المشروعات الصغيرة، ويعزز السياحة، ويفتح الطريق أمام التصدير.

والأهم أنها تمنح المرأة فرصة للانتقال من مجرد الاستفادة من برامج التمكين إلى موقع أكثر تأثيرًا؛ موقع المنتجة، وصاحبة المشروع، وصاحبة القرار الاقتصادي.

وفي الحالة المصرية تحديدًا، تتضاعف قيمة هذه الحرف، لأن تنوع البيئات والثقافات المحلية يمنح كل منطقة تقريبًا عناصر يمكن تحويلها إلى منتجات تحمل هويتها.

من النسيج والتطريز والكليم والخيامية، إلى الفخار والحلي والخوص وغيرها، تمتلك مصر ثروة من المهارات المتوارثة التي يمكن أن تتجاوز حدود السوق المحلية إذا جرى التعامل معها باعتبارها صناعة ذات قيمة اقتصادية، إلى جانب كونها جزءًا من التراث الثقافي.

ديارنا.. عندما يصبح التراث فرصة اقتصادية

ومن النماذج التي تعكس هذا التوجه معرض "ديارنا للحرف اليدوية والتراثية 2026"، الذي استضافه مارينا 4 بالساحل الشمالي خلال موسم الصيف، بمشاركة أكثر من 450 عارضًا وعارضة، في تجربة ضمت منتجات للأسر المنتجة والتعاونيات والمشروعات متناهية الصغر والحرفيين من مناطق مختلفة.

ولا تكمن أهمية مثل هذه الفعاليات في البيع المباشر للمنتجات فقط، وإنما في إتاحة مساحة للحرفيين للتعرف إلى المستهلكين والأسواق، واختبار المنتجات والتصميمات والأسعار، وبناء علاقات قد تمتد إلى ما بعد انتهاء المعرض.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المعرض باعتباره حلقة وصل بين المنتج الحرفي والسوق، وليس مجرد مساحة مؤقتة لعرض المنتجات.

وهنا يبدأ السؤال الأهم: كيف يمكن أن تتحول يد المرأة الماهرة إلى مشروع مستدام؟ وكيف يمكن أن ينتقل المنتج المحلي من دائرة محدودة إلى سوق أوسع؟

من حرفة إلى مشروع

التمكين الاقتصادي لا يبدأ وينتهي بتعليم المرأة حرفة.

امتلاك المهارة هو البداية، لكن التمكين الحقيقي يبدأ عندما تصبح صاحبة الحرفة قادرة على معرفة تكلفة منتجها، وتسعيره بصورة صحيحة، وتطوير تصميمه، والتفاوض على بيعه، والتعامل مع العملاء، وإدارة الأرباح، ثم إعادة استثمار جزء منها في مشروعها.

وهنا يظهر الفارق بين "العمل الحرفي" باعتباره نشاطًا محدودًا، و"المشروع الحرفي" باعتباره نشاطًا اقتصاديًا قابلًا للنمو والتوسع وخلق فرص عمل جديدة.

فالمرأة التي تنتج عشرات القطع داخل منزلها قد تمتلك بالفعل القدرة على مضاعفة إنتاجها، لكنها تحتاج إلى منظومة تساعدها على الانتقال من الإنتاج الفردي إلى الإدارة.

تحتاج إلى التدريب الإداري والتسويقي، وإلى التمويل الملائم، ومعرفة اتجاهات السوق، ومنافذ بيع مستقرة، وأدوات تمكنها من الوصول إلى المستهلك.

ومن هنا تأتي أهمية ربط التدريب باحتياجات السوق الفعلية. فالمطلوب ليس فقط أن تتعلم المرأة حرفة، وإنما أن تعرف كيف تحول هذه المهارة إلى منتج مطلوب، وكيف تطوره بما يتناسب مع ذوق المستهلك، من دون أن يفقد هويته.

كما تبرز أهمية التجمعات الإنتاجية، حيث يمكن لمجموعة من الحرفيات التعاون في شراء الخامات والتصميم والتعبئة والتسويق والشحن، بما يسهم في خفض التكلفة وزيادة القدرة على تنفيذ طلبات أكبر.

وعندها لا تعود المرأة منتجة منفردة، بل تصبح جزءًا من سلسلة قيمة متكاملة.

وتدعم الدولة هذا الاتجاه من خلال برامج جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، التي تشمل مسارات لتطوير التجمعات الإنتاجية الحرفية والإبداعية، إلى جانب خدمات التدريب والتسويق ودعم التحول الرقمي والوصول إلى منصات التجارة الإلكترونية.

كما ظهرت تجارب تستهدف تعزيز قدرة صاحبات المشروعات الحرفية على دخول الأسواق الخارجية، من بينها برنامج للتعاون بين جهاز تنمية المشروعات والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، استهدف تأهيل 50 سيدة في مجال التصدير، من خلال التدريب والدعم الفني والتسويقي والتمويلي.

وهنا يصبح التمكين الاقتصادي أكثر عمقًا؛ فالمطلوب ليس فقط أن تمتلك المرأة مهارة، وإنما أن تمتلك القدرة على تحويل هذه المهارة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

المعرض بوابة للسوق

في كثير من الأحيان ينظر إلى المعارض باعتبارها فرصة لعرض المنتجات وبيعها، لكن قيمتها الاقتصادية يمكن أن تكون أكبر بكثير.
فالمعرض الجيد يمثل مدرسة حقيقية للسوق.

هناك تتعرف المرأة على ردود فعل المستهلكين، وتكتشف التصميمات الأكثر قبولًا، وتختبر مستويات الأسعار، وتتعلم طريقة تقديم منتجها، وتبني شبكة علاقات قد تقود إلى فرص تجارية جديدة.

ومن هذه الزاوية، تمثل تجربة "ديارنا 2026" نموذجًا يمكن البناء عليه في دعم الأسر المنتجة والحرفيين وربطهم بالأسواق.

كما تمثل تجربة معرض "تراثنا" نموذجًا آخر لإتاحة مساحة لأصحاب الحرف والمشروعات التراثية للتسويق والتواصل مع الجمهور والجهات الداعمة.

لكن القيمة الأكبر تبدأ عندما يتحول المعرض إلى نقطة انطلاق لعلاقات تجارية مستمرة، وليس مجرد فعالية تنتهي بانتهاء أيام العرض.

ويمكن للمنتج الحرفي الذي كان يباع في نطاق محلي محدود أن يصل من خلال هذه المنصات إلى شركات ومتاجر وفنادق ومنتجعات وجهات تبحث عن منتجات تحمل طابعًا مصريًا مميزًا.

الحرفة والسياحة.. منتج يحمل قصة

اختيار مواقع سياحية لاستضافة معارض الحرف اليدوية يفتح بدوره مجالًا مهمًا لربط التراث بالقطاع السياحي.

فالسائح لا يبحث دائما عن منتج مادي فقط، وإنما يبحث عن تجربة وذكرى وقصة.

وعندما تحمل قطعة يدوية ملامح منطقة مصرية أو تستخدم تقنية تراثية متوارثة، فإنها تتحول من مجرد سلعة إلى منتج ثقافي يحمل جزءًا من هوية المكان.

ومن هنا يمكن للحرف اليدوية أن تصبح جزءًا من منظومة السياحة، عبر الفنادق والمنتجعات والبازارات والمتاجر السياحية، لتتحول إلى عنصر من عناصر التجربة التي يعيشها الزائر في مصر.

وهذه النقلة مهمة؛ لأن الحرفة عندها لا تصبح مجرد منتج يباع في معرض موسمي، وإنما جزءًا من الاقتصاد السياحي والثقافي.

حين يعبر التراث الحدود

وربما لا تكمن أكبر فرصة للحرف اليدوية المصرية في السوق المحلية وحدها، وإنما في قدرتها على الوصول إلى المستهلك خارج الحدود.

فالسوق العالمية لا تبحث عن "العمل اليدوي" فقط، بل عن القصة والهوية والجودة والتصميم والتميز.

وهذه عناصر تمتلك مصر منها الكثير، لكنها تحتاج إلى تقديمها في صورة تجارية قادرة على المنافسة.
وهنا يأتي دور التصميم.

الحفاظ على التراث لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج القطعة بالشكل نفسه لعقود طويلة ، فالتراث يستطيع أن يعيش عندما يتطور ويتفاعل مع احتياجات العصر.

يمكن توظيف التصميمات والتقنيات المصرية في منتجات حديثة للديكور والأزياء والهدايا والإكسسوارات والأثاث، مع الحفاظ على العناصر التي تمنح المنتج هويته.

وبذلك يصبح المصمم والحرفي شريكين في عملية واحدة؛ يحافظ الحرفي على أصالة المهارة، ويساعد المصمم في تقديمها بصورة تتناسب مع احتياجات الأسواق الحديثة.

ثم تأتي الرقمنة لتفتح مجالًا جديدًا أمام الحرفيات.

فلم يعد الوصول إلى المستهلك مرتبطًا بمكان إقامة صاحبة المشروع. يمكن للمنتج أن يظهر أمام مستهلك في القاهرة أو الإسكندرية أو الأسواق العربية أو الأوروبية، إذا توفرت أدوات التصوير والتسويق والدفع والشحن وخدمة العملاء.

لكن التحول الرقمي لا يعني مجرد إنشاء صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بناء نموذج أعمال متكامل يبدأ من تحديد الجمهور المستهدف، ويمر بالتسويق وإدارة الطلبات، وينتهي بقياس المبيعات وتطوير المنتج.

وهنا يمكن للتكنولوجيا أن تصبح أداة حقيقية لتوسيع التمكين الاقتصادي للمرأة، لأنها تقلل الحواجز الجغرافية وتتيح لصاحبة المشروع الوصول إلى أسواق أوسع دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الفروع والمتاجر.

التراث.. أحد وجوه القوة الناعمة

ومن منظور أوسع، فإن تصدير الحرف اليدوية لا يعني فقط زيادة العائد الاقتصادي، وإنما يمكن أن يحمل معه صورة مصر وثقافتها إلى الخارج.

كل قطعة تصل إلى سوق دولية يمكن أن تحمل اسم المكان الذي جاءت منه، وتقنية صناعتها، وملامح الثقافة التي نشأت فيها، وقصة المرأة التي صنعتها.

وبذلك تصبح الحرف اليدوية إحدى أدوات القوة الناعمة، لأنها تجمع في الوقت نفسه بين الاقتصاد والثقافة والسياحة والهوية.

وهنا تحديدًا يمكن أن يتحول التراث من مجرد ماضٍ نحافظ عليه إلى مورد حي نستثمر فيه ونبني من خلاله فرصًا جديدة للمستقبل.

ما بعد المعرض.. الاختبار الحقيقي

ورغم أهمية المبادرات والمعارض، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المعرض.
فالسؤال ليس فقط: كم قطعة باعت المرأة؟
الأهم هو: هل استطاعت أن تكسب عميلًا دائما ًا؟ هل ارتفع دخلها؟ هل تطور مشروعها؟ هل أصبحت قادرة على دخول سوق جديدة؟ وهل استطاعت أن توفر فرصة عمل لامرأة أخرى؟
هذه هي المؤشرات التي يمكن أن تقيس أثر برامج التمكين الاقتصادي بصورة أكثر دقة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة تربط المشاركة في المعارض ببرامج متابعة لاحقة.

فإذا نجحت صاحبة مشروع في تحقيق مبيعات جيدة، ينبغي أن تتاح أمامها مسارات لتطوير علامتها التجارية، والاستفادة من التجارة الإلكترونية، والحصول على التمويل المناسب، والتأهيل للتصدير، والمشاركة في فعاليات وأسواق جديدة.

كما أن حماية الملكية الفكرية والعلامات التجارية تمثل جانبا مهما، خصوصا مع نجاح بعض المنتجات وانتشارها، حتى تحصل صاحبة المنتج الأصلي على القيمة التي تستحقها وتحافظ على هويته.

والأمر نفسه ينطبق على التمويل، فالتمويل وحده لا يصنع مشروعا ناجحا.

المرأة تحتاج إلى تمويل مناسب لطبيعة نشاطها، وإلى تدريب وإرشاد، وإلى سوق تستطيع الوصول إليه، وإلى منظومة تساعدها على الاستمرار والنمو.

التمكين.. امتلاك دورة اقتصادية كاملة

هنا تتضح الصورة الأكبر.

التمكين الاقتصادي الحقيقي لا يعني فقط منح المرأة فرصة للبيع، وإنما مساعدتها على امتلاك دورة اقتصادية متكاملة:
تنتج، وتطور، وتسعر، وتسوق، وتبيع، وتدير، وتدخر، وتستثمر، ثم تتوسع.
هذه هي النقلة التي يمكن أن تجعل الحرف اليدوية قطاعًا أكثر تأثيرًا في الاقتصاد المصري.

وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما في الحرف اليدوية أنها لا تفصل الإنسان عن ماضيه، لكنها في الوقت نفسه تستطيع أن تمنحه طريقًا إلى المستقبل.

فخلف كل قطعة يدوية امرأة تحمل مهارة، وخلف كل مهارة فرصة اقتصادية، وخلف كل مشروع صغير أسرة يمكن أن تتحسن أوضاعها، وخلف آلاف المشروعات الصغيرة قطاع قادر على خلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وفتح أبواب جديدة للتصدير.

لذلك، فإن دعم المرأة الحرفية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مساعدة لمنتجة صغيرة، وإنما باعتباره استثمارًا في رأس مال بشري وثقافي واقتصادي.

فاليد التي تحيك خيطًا ليست مجرد يد تحفظ التراث؛ إنها يد تستطيع أن تبني مشروعا.

والمرأة التي تقف خلف قطعة صنعتها بنفسها ليست مجرد حرفية؛ إنها صاحبة قدرة اقتصادية يمكن أن تتوسع إذا وجدت التدريب والتمويل والسوق.
وهنا تصبح المعادلة أكثر وضوحا:
يد تصنع التراث.. وامرأة تصنع اقتصادها.

وكلما نجحنا في نقل الحرفة من خانة "التراث الذي نحافظ عليه" إلى خانة "الاقتصاد الذي نستثمر فيه"، أصبحت كل غرزة، وكل قطعة، وكل تصميم فرصة جديدة لتمكين المرأة، وتعزيز الاقتصاد، وتقديم وجه مصري قادر على المنافسة خارج الحدود.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي

المزيد من مقالات

يد تصنع التراث.. وامرأة تصنع اقتصادها

هناك فرق بين امرأة تصنع قطعة جميلة، وامرأة تدرك أن ما تصنعه بيديها يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة واستقلال...

وجه لم يرسم .. واسم لم يغب

تتسلّل الأيام إلى أرواحنا بهدوءٍ خفي، تبتلع ملامح العظماء، وتطوي سِيّر الراحلين في غياهب عتيقة، كأنّ الزمن وُكِّل بمحو كل...

لماذا تبدو مشاكل الآخرين أسهل من مشكلاتنا؟

تجلس صديقة أمامك وتحكى عن موقف يزعجها منذ أسابيع. تسمع التفاصيل، ثم تجد الحل واضحًا أمامك: لماذا لا تقول له...

تعزيز الميتوكوندريا.. سر الطاقة والحياة والمناعة

الميتوكوندريا هي عضيات داخل خلايا الجسم عدا كريات الدم الحمراء، هى مصدر الطاقة المتجددة للإنسان، لذل فمن الأهمية الحفاظ عليها...