ماذا لو كانت أفريقيا تمتلك جزءًا من ثروتها الاقتصادية في مكان لا يظهر كاملًا في أرقام الناتج المحلي، ولا في مؤشرات التجارة والاستثمار؟ ثروة تعمل كل يوم دون أن تحصل دائمًا على قيمتها الاقتصادية الحقيقية؛ تُدير الأسرة، وترعى الأطفال، وتنتج، وتبيع، وتزرع، وتبتكر، وتصنع الحرف، وتطلق المشروعات، وتبني العلامات التجارية، وتدخل عالم التكنولوجيا، لكنها في كثير من الأحيان لا تزال تعمل داخل اقتصاد لا يمنحها الأدوات الكاملة لتحويل جهدها إلى نفوذ اقتصادي. هذه الثروة هي المرأة الأفريقية.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
ولهذا فإن السؤال لم يعد: كيف نمكّن المرأة؟ بل أصبح أكثر عمقًا: كيف تعيد أفريقيا تصميم اقتصادها بحيث تتحول طاقات النساء من قوة كامنة إلى قوة منتجة، ومن نجاحات فردية إلى قيمة اقتصادية قارية؟
من هنا يبرز الاقتصاد البنفسجي كأحد المفاهيم التي تفتح نافذة مختلفة على مستقبل التنمية؛ اقتصاد يعيد الاعتبار لقيمة الرعاية والعمل الإنساني من ناحية، ويضع الثقافة والإبداع والهوية في قلب صناعة القيمة من ناحية أخرى.
وهي زاوية شديدة الأهمية بالنسبة لأفريقيا؛ فقوة القارة لا تكمن فقط في ثرواتها الطبيعية، وإنما في ثروتها البشرية وثقافاتها المتنوعة واقتصاداتها المحلية وقدرتها على الابتكار. والمرأة تقف في قلب كل هذه الدوائر تقريبًا، من الاقتصاد الأسري والتجارة الصغيرة إلى الصناعات الإبداعية وريادة الأعمال.
لكن المفارقة أن المرأة موجودة في الاقتصاد أكثر مما تعكسه الأرقام، بينما لا تزال حصتها من التمويل والملكية وصناعة القرار أقل من حجم مساهمتها الفعلية.وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
فالقضية ليست أن نمنح المرأة فرصة إضافية، وإنما أن نعيد النظر في مفهوم الفرصة نفسه؛ في التمويل، والتعليم، والرعاية، والتكنولوجيا، والأسواق، وسلاسل القيمة، وصولًا إلى مواقع اتخاذ القرار.
وفي أسبوع تتجه فيه الأنظار إلى القارة الأفريقية مع تصاعد النقاش حول الشمول المالي والاقتصادي للمرأة، تبرز الحاجة إلى طرح سؤال أكبر: هل تستطيع أفريقيا أن تجعل من الريادة النسائية إحدى أدوات بناء اقتصادها الجديد؟
السؤال في جوهره ليس نسائيًا فقط، بل إنه سؤال عن مستقبل أفريقيا نفسها.
المرأة وقوة الاقتصاد الأفريقي
أحد أهم جوانب الاقتصاد البنفسجي هو إعادة النظر في مفهوم «اقتصاد الرعاية». فالأعمال التي تقوم بها المرأة داخل الأسرة والمجتمع، مثل رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى وإدارة شؤون المنزل، غالبًا ما لا تظهر في مؤشرات الناتج والإنتاجية، رغم أنها تمثل أساسًا لاستمرار الحياة الاقتصادية نفسها.
فالعاملة لا تستطيع الاستمرار في عملها دون منظومة رعاية، والطفل الذي سيصبح عاملًا أو مبتكرًا في المستقبل يحتاج إلى رعاية وتعليم، وكبار السن والمرضى يحتاجون إلى خدمات تحفظ لهم جودة الحياة.
ومن ثم فإن اقتصاد الرعاية ليس عبئًا اجتماعيًا ينبغي أن تتحمله الأسرة وحدها، وإنما قطاع اقتصادي يمكن أن يوفر خدمات وفرص عمل واستثمارات، ويخفف في الوقت نفسه من العبء غير المدفوع الذي يقع بصورة أكبر على النساء.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في أفريقيا؛ لأن ارتفاع نسبة الشباب، والتوسع الحضري، وتغير أنماط الأسرة والعمل، كلها عوامل تجعل الحاجة إلى خدمات الرعاية أكثر إلحاحًا.
وهنا يمكن للدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني أن يعملوا معًا لبناء منظومة متكاملة تشمل الحضانات، والرعاية الصحية والاجتماعية، وخدمات كبار السن، والعمل المرن، والحماية الاجتماعية، والتدريب المهني.
والنتيجة ليست فقط تحسين حياة المرأة، وإنما زيادة قدرتها على المشاركة في الاقتصاد الرسمي.
وهذه النقطة تحديدًا تستحق أن تكون في قلب السياسات الأفريقية؛ لأن المرأة لا تحتاج فقط إلى وظيفة، وإنما تحتاج إلى بيئة تمكنها من الاستمرار في الوظيفة والتطور فيها.
وتؤكد دراسة حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول التمكين الاقتصادي للمرأة في مصر أن السياسات المستقبلية تحتاج إلى معالجة العوائق الهيكلية أمام مشاركة النساء، وربط المهارات باحتياجات سوق العمل المستقبلية، وتعزيز اقتصاد الرعاية، وتحقيق قدر أكبر من التوازن في مسؤوليات الرعاية.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الاقتصاد البنفسجي: الرعاية ليست عائقًا أمام الاقتصاد؛ سوء إدارة الرعاية هو العائق.
الرعاية تتحول إلى قيمة اقتصادية
لكن الاقتصاد البنفسجي لا يرتبط بالرعاية وحدها، فهناك بعد آخر شديد الأهمية يتمثل في الثقافة والإبداع والصناعات القائمة على الهوية.
وأفريقيا تمتلك في هذا المجال ثروة استثنائية؛ فالقارة ليست فقط أرض الموارد الطبيعية، وإنما أرض التنوع الثقافي والفني والحرفي. من الأزياء والموسيقى والفنون إلى التصميم والحرف التقليدية والسينما والمحتوى الرقمي، توجد منظومة ضخمة يمكن تحويلها إلى صناعة اقتصادية عابرة للحدود.
والمرأة موجودة بالفعل في قلب هذه المنظومة.
نساء كثيرات في أفريقيا يعملن في الصناعات الحرفية، والأزياء، والأغذية، والتجارة، والمحتوى، والخدمات الإبداعية، لكن المشكلة أن نسبة كبيرة من هذه الأنشطة تظل في نطاق المشروعات الصغيرة أو الاقتصاد غير الرسمي.
وهنا يجب أن يتغير السؤال.
بدل أن نسأل: كيف نساعد المرأة على بدء مشروع؟ينبغي أن نسأل: كيف نساعد مشروع المرأة على النمو؟الفرق بين السؤالين هو الفرق بين سياسة اجتماعية محدودة ورؤية اقتصادية استراتيجية.
فالمشروع النسائي يحتاج إلى تمويل طويل الأجل، وإلى التكنولوجيا، والتسويق الرقمي، وحماية الملكية الفكرية، وإلى الوصول إلى الأسواق وسلاسل التوريد، والأهم إلى القدرة على الانتقال من السوق المحلية إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وهنا يمكن لاتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية أن تفتح مجالًا واسعًا أمام رائدات الأعمال؛ لأن نجاح التكامل الاقتصادي الأفريقي لن يقاس فقط بحجم التجارة بين الدول، وإنما أيضًا بمن يستطيع الوصول إلى هذه التجارة والاستفادة منها.
ومن هذا المنطلق فإن فكرة المنصة الأفريقية لرائدات الأعمال التي طرحها المجلس القومي للمرأة المصري تستحق التوقف أمامها؛ لأنها تتجاوز فكرة التدريب التقليدي إلى التفكير في ربط المنتجات النسائية بالأسواق الأفريقية، وتيسير تبادل الخبرات والمنتجات بين رائدات الأعمال في القارة.
وهذه يمكن أن تكون إحدى صور الاقتصاد البنفسجي الأفريقي: تحويل الثقافة والحرفة والإبداع والرعاية إلى قطاعات اقتصادية لها سوق وقيمة مضافة وفرص عمل.
فحين تتحول الحرفة التراثية إلى علامة تجارية، تتحول الثقافة إلى صادرات. وحين تستخدم رائدة الأعمال التكنولوجيا لتسويق منتجها خارج حدود بلدها، يتحول المشروع الصغير إلى جزء من الاقتصاد الرقمي. وحين تتجمع رائدات الأعمال في شبكات أفريقية مشتركة، تتحول النجاحات الفردية إلى قوة اقتصادية جماعية.
الإبداع النسائي يعبر الحدود
التحول الأهم المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مفهوم "تمكين المرأة" إلى مفهوم "الاستثمار في القوة الاقتصادية للمرأة".فتمكين المرأة ليس هدفًا نهائيًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو والاستدامة.وهنا يمكن لمصر أن تقدم تجربة مهمة في هذا المسار، خاصة مع استمرار السياسات الوطنية التي تستهدف تعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة والشمول المالي وريادة الأعمال.
وتشير دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المنشورة في مايو 2026 إلى أن مصر وضعت تمكين المرأة ضمن أولويات الإصلاح والتنمية، من خلال رؤية مصر 2030 والاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030، إلى جانب سياسات تستهدف تعزيز المشاركة في سوق العمل، ودعم ريادة الأعمال، وتوسيع الشمول المالي، ومعالجة العوائق التي تحد من المشاركة الاقتصادية للنساء.
كما أن التعاون المصري الأفريقي في ملف المرأة يمكن أن ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا؛ من تبادل الخبرات إلى بناء شبكات اقتصادية أفريقية تقودها النساء.
وهنا تظهر أهمية التطورات التي تشهدها القارة في ملف القيادة النسائية أيضًا؛ فقد أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أغسطس الجاري الأكاديمية الأفريقية للمرأة في القيادة السياسية، بمشاركة قيادات نسائية من دول أفريقية ودول الكاريبي، بما يعكس اتساع الاهتمام ببناء القيادات النسائية الأفريقية وربطها بأجندات التنمية والحوكمة.
والدلالة الاستراتيجية هنا أن القارة بدأت تنظر إلى المرأة ليس باعتبارها مستفيدة من التنمية فقط، وإنما باعتبارها قائدة وصانعة للسياسات.
وهذا هو المستوى الذي ينبغي أن يصل إليه الاقتصاد البنفسجي.فالمطلوب ليس أن تكون المرأة جزءًا من القوى العاملة فقط، بل أن تكون صاحبة مشروع، ومستثمرة، ومبتكرة، ومالكة لعلامة تجارية، وعضوًا في مجالس الإدارة، وصانعة للقرار الاقتصادي.والأهم أن تصبح جزءًا من صياغة السياسات التي تحدد شكل الاقتصاد الأفريقي في المستقبل.
أفريقيا تراهن على نسائها
أمام أفريقيا فرصة حقيقية لإعادة بناء مفهوم التنمية على أساس أكثر شمولًا. فالقارة تمتلك ثروة طبيعية هائلة، لكنها تمتلك أيضًا ثروة بشرية وإبداعية لا تقل أهمية، والمرأة هي إحدى أهم حلقات هذه الثروة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية يتطلب تغييرًا في السياسات، يبدأ من التعليم والمهارات، ويمر بالشمول المالي والرقمي، ويصل إلى التمويل والاستثمار والأسواق والتجارة البينية الأفريقية.
كما يتطلب أن تصبح خدمات الرعاية جزءًا من البنية الاقتصادية، لا مسؤولية خاصة تتحملها النساء في صمت.
ويحتاج كذلك إلى دعم الصناعات الإبداعية والحرفية والثقافية، باعتبارها قطاعات إنتاجية يمكنها خلق الوظائف وتحقيق الدخل وتعزيز القوة الناعمة للدول الأفريقية.
وهنا يمكن أن تلتقي أجندات متعددة: الاقتصاد البنفسجي مع الاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الرقمي مع الاقتصاد الإبداعي، وتمكين المرأة مع التكامل الاقتصادي الأفريقي.
فالمستقبل لن يكون قائمًا على قطاع اقتصادي واحد، وإنما على قدرة الدول على دمج هذه القطاعات في منظومة متكاملة.
مصر وأفريقيا.. من التجربة الوطنية إلى الشراكة القارية
من هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى التجربة المصرية في تمكين المرأة باعتبارها تجربة وطنية منفصلة عن محيطها الأفريقي.
فمصر تمتلك فرصة لتوسيع خبراتها في التدريب وريادة الأعمال والشمول المالي وربط رائدات الأعمال بالأسواق، بالتوازي مع الاستفادة من التجارب الأفريقية الأخرى.
والأهم أن التعاون يمكن أن ينتقل إلى مشروعات عملية: منصات إلكترونية لرائدات الأعمال، وشبكات للتسويق، ومعارض أفريقية مشتركة، وبرامج تمويل، وحاضنات أعمال، وشراكات في الصناعات الثقافية والإبداعية.
وهذا يتوافق مع الاتجاه الذي طرحه المجلس القومي للمرأة بشأن تعزيز التعاون الأفريقي وتبادل الخبرات وإنشاء منصة تجمع رائدات الأعمال في القارة.
إذا نجحت هذه الفكرة، فإنها لن تكون مجرد مبادرة لتمكين المرأة، بل يمكن أن تصبح أداة من أدوات التكامل الاقتصادي الأفريقي.
فالمنتج الذي تصنعه امرأة مصرية يمكن أن يجد سوقًا في نيجيريا، والحرفة التي تطورها رائدة أعمال في كينيا يمكن أن تصل إلى القاهرة، والتقنية التي تطورها شركة نسائية ناشئة في رواندا يمكن أن تخدم أسواقًا في شمال أفريقيا.هكذا يتحول التمكين من قصة فردية إلى شبكة اقتصادية.
أفريقيا.. حين تتحول المرأة إلى أصل استراتيجي
الاقتصاد البنفسجي في أفريقيا ليس مجرد مصطلح جديد في قاموس التنمية، وإنما يمكن أن يصبح مدخلًا لإعادة تعريف مفهوم القوة الاقتصادية للقارة.
فالقوة لا تُقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية أو الناتج المحلي أو الاستثمارات الأجنبية، وإنما بقدرة المجتمع على إطلاق كامل طاقته البشرية.
وعندما تحصل المرأة على التعليم والمهارات والتمويل، وعندما تتحول أعمال الرعاية إلى خدمات اقتصادية منظمة، وعندما تتحول الحرفة إلى صناعة، والإبداع إلى صادرات، والمشروع الصغير إلى شركة قادرة على المنافسة، فإننا لا نتحدث فقط عن تقدم المرأة، وإنما عن تقدم الاقتصاد نفسه.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الاحتفاء بالمرأة الناجحة إلى بناء منظومة تصنع آلاف النماذج الجديدة.
فأفريقيا لا ينقصها الإبداع، ولا ينقصها النساء القادرات على القيادة والعمل والابتكار؛ ما تحتاجه هو أن تتحول هذه الطاقات إلى رأس مال اقتصادي مستدام.
ومن هنا تأتي الرسالة الأهم: مستقبل الاقتصاد الأفريقي لن تصنعه الموارد وحدها، بل الإنسان الذي يستطيع تحويل الموارد إلى قيمة.. والمرأة الأفريقية في قلب هذا التحول.
فالرهان الحقيقي لم يعد على تمكين المرأة من دخول الاقتصاد، وإنما على إعادة تشكيل الاقتصاد نفسه بحيث تصبح المرأة شريكًا كاملًا في صناعة القيمة والثروة والمستقبل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ماذا لو كانت أفريقيا تمتلك جزءًا من ثروتها الاقتصادية في مكان لا يظهر كاملًا في أرقام الناتج المحلي، ولا في...
حين نقرر من يكون الآخر.. قد نكوّن رأيا عن شخص فى بداية معرفتنا به، ثم تمر الأيام وتتغير أشياء كثيرة،...
دراسة أثرية عن آداب الزواج في مصر القديمة اجراها الدكتور حسين دقيل الباحث المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية تلقى الضوء...
الرسالة الحديثة في علم المناعة هي أن نقص المناعة قد يظهر بثلاث صور رئيسية: عدوى متكررة أو شديدة، خلل في...