قد تحمل الطائرة أبناء الوطن إلى قارات بعيدة، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من قلوبهم وطنًا تشكلت ملامحه في الوجدان قبل أن تُرسم حدوده على الخريطة. فالوطن الحقيقي لا تحده الجغرافيا، بل يحمله أبناؤه في ضمائرهم، ويصنعون حضوره بإنجازاتهم أينما كانوا.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
وفي قلب هذا الحضور، تبرز المرأة المصرية في الخارج بوصفها واحدة من أهم روافد القوة الناعمة للدولة المصرية؛ فهي لا تمثل وطنها في موقع عملها أو نجاحها المهني فحسب، بل تنقل ثقافته، وتحافظ على هويته، وتبني جسورًا ممتدة بين مصر والعالم.
وقد عكست النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج، التي انعقدت تحت شعار «مهما اتغربنا.. مصر تقربنا»، هذا التوجه بوضوح، مؤكدة أن الدولة المصرية تنظر إلى أبنائها في الخارج باعتبارهم شركاء في التنمية، ورصيدًا وطنيًا يمتد أثره إلى ما وراء الحدود. وفي قلب هذه الرؤية، برزت المرأة المصرية بالخارج بوصفها شريكًا فاعلًا في بناء جسور التواصل مع العالم، ونقل الصورة الحقيقية عن مصر، والإسهام بخبراتها في دعم مسيرة التنمية.
ولم يكن المؤتمر مجرد فعالية سنوية، بل محطة عكست تطورًا في رؤية الدولة لملف المصريين بالخارج، باعتباره أحد الملفات المرتبطة بالدبلوماسية العامة، والاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتوسيع دوائر التواصل مع أبناء الوطن حول العالم، مع التأكيد على أن المرأة المصرية بالخارج أصبحت شريكًا في صناعة المستقبل، بما تؤديه من دور في صون الهوية الوطنية، ونقل الخبرات، وترسيخ صورة مصر في المجتمعات التي تعيش فيها.
مؤتمر يؤسس لشراكة مستدامة
بعد انتهاء فعاليات المؤتمر، بدا واضحًا أن الدولة المصرية تتعامل مع ملف المصريين بالخارج من منظور أكثر اتساعًا؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على متابعة شؤون الهجرة أو تقديم الخدمات، بل أصبح قائمًا على بناء شراكة حقيقية تستفيد من الطاقات والخبرات المنتشرة حول العالم.
وتعكس هذه الرؤية إدراكًا بأن المواطن المصري في الخارج يمتلك من المعرفة والعلاقات والتجارب ما يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة للوطن، سواء من خلال نقل الخبرات، أو دعم الاستثمار، أو فتح آفاق جديدة للتعاون بين مصر والعالم.
وفي هذا الإطار، جاءت مشاركة المجلس القومي للمرأة لتؤكد المكانة المحورية للمرأة المصرية داخل رؤية الدولة تجاه المصريين بالخارج. وأكدت المستشارة أمل عمار، رئيسة المجلس القومي للمرأة، أن مشاركة المجلس في المؤتمر تنطلق من الحرص على تعزيز التواصل مع المصريات بالخارج، والاستماع إلى قضاياهن واحتياجاتهن، ودعم مشاركتهن الفاعلة في جهود التنمية، مشيرة إلى أن المرأة المصرية في الخارج تمثل نموذجًا مشرفًا يعكس نجاح المرأة المصرية في مختلف المجالات، وتؤدي دورًا وطنيًا مهمًا في نقل الصورة الحقيقية عن مصر، إلى جانب إسهاماتها في دعم مسيرة التنمية.
وأضافت أن الدولة تولي اهتمامًا بالغًا بالمصريين في الخارج، وتحرص على تعزيز ارتباطهم بوطنهم والاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم، مؤكدة استمرار المجلس في توسيع قنوات التواصل مع المصريات بالخارج بما يعزز إسهاماتهن في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، في إطار رؤية الجمهورية الجديدة التي تنظر إلى الإنسان المصري، داخل الوطن وخارجه، باعتباره شريكًا أساسيًا في مسيرة البناء والتنمية.
فالمرأة المصرية في الخارج تؤدي أدوارًا متكاملة؛ فهي سفيرة لثقافة وطنها، وشريك في دعم الاقتصاد الوطني من خلال الاستثمار ونقل الخبرات، كما تضطلع بدور محوري في الحفاظ على هوية الأجيال الجديدة، وتعريف الأبناء بتاريخ مصر وثقافتها، وترسيخ ارتباطهم بوطنهم مهما ابتعدت بهم المسافات.
المرأة المصرية... قوة ناعمة تعكس صورة الوطن
لم يعد مفهوم التأثير الدولي مقتصرًا على الأدوات التقليدية، بل أصبح مرتبطًا بالإنسان القادر على صناعة صورة إيجابية لوطنه أينما وجد. ومن هذا المنطلق، تمثل المرأة المصرية في الخارج إحدى أهم دوائر الحضور المصري عالميًا، بما تقدمه من نموذج قائم على العلم والعمل والنجاح والالتزام.
فالتأثير الحقيقي لا يُصنع بالشعارات، وإنما بالنماذج الملهمة. فعندما تتبوأ طبيبة مصرية موقعًا مرموقًا في مؤسسة طبية عالمية، أو تقود باحثة مصرية فريقًا علميًا، أو تنجح سيدة أعمال في بناء مشروع دولي، أو تمثل دبلوماسية مصرية بلادها بكفاءة في المحافل الدولية، فإنها لا تحقق نجاحًا شخصيًا فحسب، بل تقدم صورة تعكس قدرات الإنسان المصري وإمكاناته، وتسهم في تعزيز مكانة الدولة، وبناء جسور الثقة والتعاون مع المجتمعات التي تعيش فيها.
ولم يكن هذا الحضور وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسيرة طويلة من الريادة المصرية في المحافل الدولية، صنعتها أجيال متعاقبة من النساء اللاتي أثبتن كفاءتهن في مواقع المسؤولية والعمل الدبلوماسي والأممي، ورسخن مكانة المرأة المصرية بوصفها شريكًا فاعلًا في التنمية وصنع القرار.
وعلى مدار عقود، قدمت المرأة المصرية نماذج مضيئة أكدت أن حضورها في المؤسسات الدولية لم يكن استثناءً، بل نتيجة طبيعية للكفاءة والخبرة. ويبرز في هذا السياق عدد من الشخصيات التي تركت بصمات مؤثرة، تبدأ بالسفيرة هدى المراسي، إحدى رائدات العمل الدبلوماسي المصري، ثم الدكتورة عائشة راتب التي جمعت بين الفكر الأكاديمي والعمل الدبلوماسي، والسفيرة مرفت التلاوي التي لعبت أدوارًا بارزة داخل منظومة الأمم المتحدة، والدكتورة غادة والي التي تولت أحد أرفع المناصب الأممية مديرًا تنفيذيًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والمدير العام لمكتب الأمم المتحدة في فيينا، فضلًا عن السفيرة نبيلة مكرم، التي أسهمت خلال توليها وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج في ترسيخ مفهوم الشراكة مع المصريين في الخارج وتعزيز جسور التواصل معهم.
غير أن هذه النماذج ليست سوى جزء من صورة أكبر؛ فهناك آلاف المصريات اللاتي يعملن في الجامعات العالمية، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات الاقتصادية، والشركات الدولية، والمنظمات الأممية، ويقدمن من خلال نجاحاتهن صورة مشرفة عن مصر. فكل إنجاز تحققه مصرية في الخارج يضيف إلى رصيد وطنها، ويؤكد أن الاستثمار في الإنسان يظل أحد أهم مصادر قوة الدول.
ومن هنا، فإن الاهتمام بالمصريات في الخارج لا يمثل دعمًا لقضايا المرأة فحسب، بل يعد استثمارًا في أحد أهم عناصر القوة الوطنية؛ فالدول الأكثر قدرة على توظيف كفاءاتها البشرية هي الأكثر حضورًا وتأثيرًا، والأقدر على بناء شراكات ممتدة مع العالم، مستندة إلى نجاح أبنائها وبناتها أينما كانوا.
الهوية الوطنية... ميراث تصونه الأمهات
هنا تظهر أهمية التعامل مع هوية أبناء الجيلين الثاني والثالث من المصريين بالخارج باعتبارها قضية استراتيجية، لا مسؤولية أسرية فقط. فكل جيل يحتفظ بلغته وثقافته وانتمائه يمثل امتدادًا جديدًا لحضور مصر في العالم، وكل رابطة تصان بالوطن تضيف إلى رصيده الإنساني والحضاري.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الذي أولاه المؤتمر للمرأة المصرية، باعتبارها الحاضنة الأولى للهوية الوطنية، وصاحبة الدور الأكبر في نقل الانتماء من جيل إلى آخر. فالأم المصرية لا تنقل لأبنائها العادات والتقاليد فحسب، بل تزرع في وجدانهم صورة وطن يظل حاضرًا مهما ابتعدت المسافات.
وفي هذا السياق، اكتسبت مشاركة الأكاديمية الوطنية للتدريب في النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج أهمية خاصة، إذ عكست رؤية الدولة التي تضع الاستثمار في الإنسان في صدارة أولوياتها.
وأكدت الدكتورة سلافة جويلي، المدير التنفيذي للأكاديمية الوطنية للتدريب، أهمية بناء جسور تواصل مستدامة مع المصريين بالخارج، بما يسهم في الاستفادة من خبراتهم، وتعزيز ارتباطهم بوطنهم، وتحويل كفاءاتهم إلى قيمة مضافة تدعم جهود التنمية.
ويجسد برنامج "المصريات بالخارج"، الذي تنفذه الأكاديمية الوطنية للتدريب بالتعاون مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، هذه الرؤية عمليًا، إذ يوفر منصة للتواصل مع السيدات المصريات حول العالم، ويعزز ارتباطهن بقضايا الوطن، ويؤهلهن ليصبحن شريكات فاعلات في نقل الصورة الحقيقية عن مصر، والإسهام في مسيرة التنمية.
وامتد هذا الاهتمام إلى أبناء الجيلين الثاني والثالث من المصريين بالخارج من خلال برامج تدريبية وتنموية افتراضية تستهدف الشباب، بهدف ترسيخ الهوية الوطنية، وتعريفهم بتاريخ مصر وثقافتها وإنجازاتها. فالحفاظ على الانتماء لا يتحقق بالارتباط العاطفي وحده، بل يحتاج إلى تواصل مستمر، وأدوات حديثة تخاطب هذه الأجيال بلغتها واهتماماتها.
وهنا تتكامل أدوار الأسرة ومؤسسات الدولة؛ فالأم المصرية تظل الحارس الأول للهوية داخل الأسرة، بينما توفر المؤسسات الوطنية البرامج والمبادرات التي تعزز ارتباط الأبناء بوطنهم، ليظل حاضرًا في وعيهم ووجدانهم مهما ابتعدت بهم المسافات.
شراكة تعزز الحضور المصري
لم تقتصر مناقشات المؤتمر على البعد المجتمعي والوطني، بل تناولت أيضًا عددًا من الملفات ذات الأولوية للمصريين بالخارج، من بينها تطوير الخدمات والتيسيرات المقدمة لهم، وتعزيز فرص الاستثمار، واستعراض المبادرات الوطنية الهادفة إلى توثيق ارتباطهم بوطنهم، والاستفادة من خبراتهم وإمكاناتهم في دعم جهود التنمية.
ويؤكد ذلك أن الدولة المصرية تتبنى رؤية شاملة تجعل من المصريين بالخارج شركاء في التنمية، لا مجرد جاليات ترتبط بالوطن عبر الحدود. فكل خبرة يكتسبها مصري في الخارج، وكل نجاح تحققه مصرية في موقعها، يمثل إضافة حقيقية إلى رصيد الوطن، ويعزز من قدرته على بناء شراكات أوسع مع العالم.
فالمصرية التي تغادر وطنها طلبًا للعلم أو العمل أو الاستقرار، لا تغادر رسالتها؛ تحمل اسم مصر في نجاحها، وتنقل نجاحها إلى وطنها، وتغرس في أبنائها هوية لا تعرف المسافات. وبين تميزها المهني، ودورها الأسري، وإسهامها الوطني، تظل نموذجًا يعكس قوة الشخصية المصرية وقدرتها على التأثير أينما كانت.
وهكذا، لا تمثل المصريات بالخارج مصر بجوازات سفرهن فحسب، بل بما يصنعنه من أثر، وما يحققنه من إنجاز، وما يرسخنه من انتماء. فهن يجسدن صورة وطن يثق في أبنائه وبناته، ويؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن النجاح الذي يتحقق خارج الحدود يعود أثره إلى الداخل، ويعزز مكانة الدولة على الساحة الدولية.
وفي ظل رؤية الجمهورية الجديدة، لم تعد المصريات بالخارج مجرد امتداد بشري للوطن، بل أصبحن شريكات في التنمية، وسفيرات لقيمه وثقافته، وجسرًا يربط مصر بالعالم. ومن هنا، فإن الاستثمار فيهن هو استثمار في قوة الدولة، وفي مستقبلها، وفي حضورها الإقليمي والدولي، لتظل المصريات بالخارج... قوة مصر التي تتجاوز الحدود.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
قد تحمل الطائرة أبناء الوطن إلى قارات بعيدة، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من قلوبهم وطنًا تشكلت ملامحه في الوجدان...
قد يعود الإنسان إلى بيته بعد يوم مليء بالنجاحات، فينسى كلمات التقدير التي سمعها، ويتوقف ذهنه عند ملاحظة عابرة أو...
الساركوبينيا هي متلازمة حيوية معقدة تتميز بفقدان تدريجي وشامل لكتلة العضلات الهيكلية، وقوتها، ووظيفتها الجسدية. لم تعد المنظمات الصحية تنظر...
أبدع قدماء المصريين في الهندسة والتعامل مع البيئة وتطويعها لصالحه لتفادي قوتها التدميرية، واستطاعوا دراسة قياسات الأرض بدليل تحملها لقمة...