اختار الزملاء الجامعيون د. زكي نجيب محمود سنة 1963 أمينا " للاتحاد الاشتراكي " – التنظيم السياسي الوحيد فى ذلك الوقت - فى لجنة العشرين الممثلة لهيئة التدريس فى كلية الآداب بجامعة القاهرة ، ولذلك قام الرجل بإعداد مذكرة ليعرضها على اللجنة فى أول اجتماع لها يقترح فيها ما ظنه أفضل طريق للعمل ، وكان هذا الطريق الأفضل - حسب تصوره - هو أن تكون كلية الآداب نفسها هدفا لهم ، بما يعني البحث عن الوسائل التى يستطيعون بها أن يجعلوا هذه الكلية أفضل فى جميع الوجوه ، وكيف يوجهون البحوث العلمية لتكون علمية من جهة ونافعة للناس فى حل مشكلاتهم من جهة أخرى ؟ ، وكيف يخدمون طلابهم لا من الجانب الأكاديمي فحسب - لأن هذا الجانب مفروض من الأساس - ولكن كيف يخدمونهم فى مشكلاتهم الخاصة التى قد تعترضهم ؟ ، ماذا يصنعون من تلقاء أنفسهم دون انتظار تشريع يأتيهم من خارج حدودهم الجامعية ؟ فى تيسير حصول الطالب على الكتاب . . إلخ ، ودارت المناقشة حول تلك المفكرة فى الاجتماع الأول ، وانتهوا إلى مطالبة الأعضاء فى أن يفكروا فيما يحقق لهم أهدافهم فى النقطة الأولي : البحوث العلمية وكيف يوجهونها بالتعاون بين الأقسام ؟ .
وجاءت الجلسة الثانية فإذا بأحد الأعضاء قد أعد اقتراحا مفصلا فى هذا الشأن ، فلما خرج د. زكي نجيب محمود من هذا الاجتماع ، طلب من زميل فاضل أن يحدثه على انفراد بما يراه هو فى طريق السير الذى بدأوه ، فقال له إنه لا يوافق على مثل هذا الطريق باعتبارهم لجنة أريد بها " السياسة " ، وليس ما أهموا بفعله من " السياسة " فى شئ ، فقال له د. زكي : وماذا تقترح أنت لنجعل نشاطها سياسيا ؟ قال : اقتراحي هو أن يكون نشاطنا منصبا على التوعية ، فقال له د زكي : ومن هو الواعي ، ومن هو الغافل الذى يحتاج إلى توعية ؟ ، فإذا نحن اتجهنا بالتوعية إلى غيرنا ، أفلا يحق لسوانا بدوره أن يتجه بالتوعية إلينا ؟
فقال صاحبه : قصدت التوعية للجماهير ..
قال د. زكي : لكل شريحة من شرائح الجماهير لجنتها كذلك ، فنعود من جديد إلى المنطق الدائري . أفلا تكون " السياسة " هي محصلة ما تنشط به اللجان المختلفة ، إذا ما تفرغت كل لجنة للعمل على أن تجعل من مجالها مجالا أفضل .. إذا كان الزارع والعامل والمحامي والطبيب والتاجر والجندي وربة البيت .. إلخ .. إذا كل واحد من هؤلاء يفكر مع أقرانه فيما ينبغي عمله ليكون زارعا أفضل وعاملا أفضل ومحاميا أفضل .. إلخ .. فماذا نريد للمجتمع من الوجهة السياسية أكثر من هذا ؟
قال د. زكي نجيب محمود ذلك وكان على شئ من الظن أن زميله ذاك قد نظر إليه النظرة التى تعني عنده : يا لها من نظرة ساذجة !
ويتذكر أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء هذه المرحلة من حياته ، ويري أنه كان متأثرا فيما قاله بما يعرفه من رأي أرسطو فى السياسة وكيف يمزجها بمفهومه عن الأخلاق . فلئن كانت الأخلاق فى نهاية أمرها تريد أن تحقق السعادة للفرد داخل المجتمع الذى هو عضو فيه ، فإن السياسة هي فى صميمها فرع من الأخلاق ، لأنها لا تريد شيئا أكثر من أن يتحقق الخير لدولة فى مجموعها ، وأن هذا الخير العام لا يمكن فهمه فهما واضحا إلا أن يكون حاصل جمع الخير الذى يصيبه الأفراد ، وأنه لمن الضلال والتضليل أن يقول قائل إن الأفراد قد تشقى فى سبيل المجموع ، كأنما هذا المجموع عفريت من الجن نسمع به ولا نراه - حسب تعبير د. زكي نجيب محمود - الذى يري أن كثيرين يفهمون السياسة على غير حقيقتها كما فهمها زميله الأستاذ الجامعي ، بأن يتبلور النشاط السياسي فى خطيب يخطب وجمهور يستمع ، وكلما كانت ألفاظ الخطبة أشد رنينا والجمهور أعلى تصفيقا ، كانت السياسة أخلص وأصدق لأهدافها . تلك هي النظرة الساذجة لمفهوم السياسة ومعناها ، أما النظرة الحقيقية والعلمية فهي التى يراها د. زكي مهيئة لوسائل تعليم حقيقي ، ومفلحة فى مواجهة الانفجار السكاني ، ومنقذة للشباب من التهلكة والضياع بين الجريمة والعنف والانحراف .
نهاية القول كما يراه د. زكى نجيب محمود :
خلاصة الرأي عندى هذه النظرة الساذجة التى لا أملك سواها ، هي أن علم السياسة هو نفسه علم تغيير الواقع الاجتماعي ، وأن هذا الواقع الاجتماعي ليس من الأشباح الهائمة فى ضوء القمر ، بل هو أنت وهي وهم ، الواقع الاجتماعي هو إسماعيل وإبراهيم وزينب وفاطمة ، وإذن فلكي نغير الواقع الاجتماعي فلابد أن يتغير هؤلاء ، أن يتغيروا من جهل إلى معرفة ، ومن عسر إلى يسر ، ومن خمول إلى نشاط ، ومن غيبوبة إلى وعي . والسياسة هي أن نصنع لهم هذا التغيير ، وأن نجعلهم يصنعونه لأنفسهم . العبرة كلها هي بالفرد الواحد ، وبالمجموعة الواحدة ، وبالقرية الواحدة ، وبالمصنع الواحد ، والمدرسة الواحدة .. كل وحدة من هذه الوحدات تصلح من نفسها وكأنها الأمة كلها ، بل وكأنها الإنسانية كلها ، فيصلح الكل ، وتلك هي السياسة ، ولا سياسة هناك لو ملأت ألف مجلد بالخطب والمنشورات والمحاضر والتعليمات ، ثم تنظر إلى تلك الوحدات فإذا هي على حالها أو أشد سوءً .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة