الفخ الأكبر والأخطر

عندما يصبح انهيار الدول بوابة لانعدام الاستقرار الإقليمي

في لحظة إقليمية تتسم بتراكم الأزمات وتداخل ساحات الصراع، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام مفترق طرق بالغ الحساسية. التصعيد المتدرج، وتآكل آليات الضبط، واتساع نطاق الاستقطاب، كلها مؤشرات على أن الإقليم لا يواجه أزمة عابرة، بل اختبارًا عميقًا لطبيعة نظامه الأمني وقدرته على الصمود. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز خطاب سياسي وإعلامي يتعامل مع فكرة إضعاف أو إسقاط دول بعينها بوصفه مدخلًا للاستقرار، متجاهلًا في كثير من الأحيان كلفة الفراغ الذي قد يخلّفه هذا المسار.

نهال الشافعى
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 

هذه المقاربة ليست جديدة في تاريخ المنطقة، لكنها اليوم أكثر خطورة، لأن التوازنات باتت أكثر هشاشة، ولأن البدائل المطروحة عمليًا لا تحمل أي ضمانات للاستقرار. فالرهان على انهيار دولة مركزية، مهما بلغت الخلافات معها، يعني ضمنيًا القبول بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق منطق القوة لا منطق الدولة، وهو مسار أثبت مرارًا أنه يولّد فوضى تتجاوز حدود الدولة المستهدفة لتطال محيطها المباشر.

في هذا السياق، يُطرح سيناريو إضعاف إيران أو سقوطها بوصفه إنجازًا استراتيجيًا محتملًا لبعض الأطراف. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية: أن الدول لا تسقط في فراغ، وأن الجغرافيا لا تعيد ترتيب نفسها تلقائيًا بعد الانهيار. إيران، بحكم موقعها وتركيبتها ودورها الإقليمي، ليست مجرد خصم سياسي أو أيديولوجي، بل دولة مركزية في معادلة أمن الخليج والشرق الأوسط، سواء اختلفنا معها أو اتفقنا.

الخطاب الذي شيطن طهران على مدار سنوات طويلة، وصوّرها باعتبارها «العدو المطلق»، لم يكن بريئًا أو عفويًا. لقد خدم هذا الخطاب وظيفة محددة: تبسيط المشهد الإقليمي وتحويله إلى صراع ثنائي، يُختزل فيه التعقيد في طرف واحد، بينما تُهمَّش أسئلة أكثر عمقًا تتعلق ببنية النظام الأمني الإقليمي، وحدود الدور الخارجي، ومستقبل السيادة الوطنية في المنطقة.

المفارقة أن البديل الواقعي لأي انهيار واسع النطاق لا يبدو أقل خطورة. فغياب الدولة المركزية لا يعني تلقائيًا نهاية النفوذ، بل غالبًا ما يفتح المجال أمام وصاية خارجية أكثر مباشرة، أو صراعات داخلية ممتدة، أو إعادة رسم خرائط النفوذ وفق مصالح القوى الكبرى. وفي منطقة الخليج تحديدًا، حيث تتقاطع اعتبارات الطاقة والممرات البحرية والأمن العسكري، فإن أي فراغ استراتيجي سيكون مغريًا للتدخل، لا لاحتوائه بل لإدارته بما يخدم مصالح الآخرين.

التجارب القريبة في الإقليم لا تحتاج إلى كثير من الشرح. انهيار الدول لم يُنتج استقرارًا، بل أنتج كيانات أضعف، وحدودًا أقل صلابة، ومجتمعات أكثر هشاشة. والأهم، أنه حوّل الأمن من مفهوم سيادي إلى ملف تفاوضي بيد القوى الخارجية. هذا النموذج، إذا تكرر، لن يستثني أحدًا، لأن منطق الفوضى لا يعرف حدودًا سياسية ثابتة.

الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في بقاء دولة قوية أو خصم صعب، بل في ترسيخ فكرة أن إسقاط الدول يمكن أن يكون أداة مشروعة لإعادة التوازن. هذه الفكرة، إذا ما أصبحت قاعدة، ستُفرغ مفهوم السيادة من مضمونه، وتجعل كل دولة مرشحة لأن تكون الحلقة التالية في سلسلة إعادة التشكيل.

من منظور واقعي، تحتاج المنطقة إلى مقاربة مختلفة. مقاربة لا تقوم على منطق الإقصاء أو الانهيار، بل على إدارة الصراع وضبطه، وبناء آليات توازن إقليمي تقلل من فرص الانفجار الشامل. هذا لا يعني تبرير السياسات الخاطئة أو التغاضي عن التهديدات، بل يعني إدراك أن البدائل المطروحة قد تكون أكثر كلفة من المشكلة نفسها.

الدروس هنا ليست نظرية. الاستقرار لا يُبنى على أنقاض الدول، ولا يُدار بالعصا وحدها، ولا يُضمن عبر تفويض الأمن لقوى خارجية لها حساباتها الخاصة. دول الخليج، وغيرها من دول المنطقة، معنية اليوم أكثر من أي وقت مضى بقراءة المشهد بعيدًا عن الخطابات التعبوية، وبالتمييز بين الخصومة السياسية وبين تدمير ركائز النظام الإقليمي.

في النهاية، قد يكون الاختلاف مع دولة ما حادًا، وقد تكون سياساتها مثيرة للجدل، لكن انهيارها لا يعني بالضرورة تحسن البيئة المحيطة بها. أحيانًا، يكون بقاء الدولة – بكل تعقيداتها – أقل خطرًا من سقوطها. وفي منطقة أنهكتها الفوضى، قد يكون أكبر الأخطاء هو الاعتقاد بأن المزيد منها يمكن أن يصنع استقرارًا.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
مقالات

زلزال بلا رصاص

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص