الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
لا شك أن القصص التى تتحدث عن استخدام الحيل، المكائد، المكر والدهاء لتنفيذ الرغائب على طول الزمان لم ولن تنتهى، ولعلها تصلنا بالإشارة إلى السماء حيث البدايات فى قصة آدم وحواء وخديعة أبليس ووسوسته لهما للأكل من الشجرة المحرمة، من أجل الحصول على الخلود، فكانت النهاية بالنزول إلى الأرض ونشأة البشرية والتجربة الدنيوية بحلوها ومرها.
لعل مسألة الخداع وعمل المكائد والدسائس وحبك المؤامرات لم تعد فى عصرنا الحالى بمسألة مستغربة تدعوللدهشة، بعد أن باتت سلوكا عاديا يكشف عن حالة مستعصية، استهدفت فيها قوى خفية كل ثابت ومتعارف عليه عرفا وتقليدا ودينا حتى أصبح التضليل والزيف ليس وليد ظرفا طارئا ولا وسيلة عابرة لحاجة ماسة ضاغطه، بل عاد أصلا مكتسبا فيه الإنسان خادعا ومخدوعا فى ذات الوقت.
الحرامى والمهندس والقائد
من منا لم يسمع بقصة سرقة الحرامى على بابا لمغارة اللصوص ثم استعماله فريقه المكون من أربعين حرامى فى خدعة دخول قصر أخيه قاسم حين أختبأوا فى "٤٠ زلعة" للاستياء عليه فى خضم صراع الأخوين مع بعضهما البعض والوارد فى الكتاب العربى ألف ليلة وليلة؛ وقصة حصان طروادة المكتوبة فى أوديسة هوميروس - تلك الخدعة الاستراتيجية فى فن القتال لصاحبها المهندس أوديسيوس – والتى استعملها اليونانيون ضد الطرواديين بعد حصار دام ١٠ سنوات، قاموا فيها بإدخال حصانا خشبيا مليئا بالجنود خفية الى ساحة الحصن المنيع كهدية رمزية تعنى الاستسلام، وقد أصبحت هذه الخدعة المثيرة بعد ردحا من الزمان تعبيرا مجازيا يعنى كل حيلة ودهاء يستخدمه الإنسان للوصول لمبتغاه، لكن على ما يبدوأن هناك كثيرين لا يعرفون أن كلا القصتين الأشهر هما من أصل قصة مصرية قديمة جاءت من بردية تعود للأسرة ١٨ بعهد تحتمس الثالث محفوظة الآن فى المتحف البريطانى، وكتبها القائد المصرى تحوتى للملك فى شكل رسالة يخبره فيها بنجاحه فى خديعة أمير يافا للاستيلاء على المدينة وإتمام المهمة، والقصة الأصل تحكى استعمال تحوتى هذه المرة مأدبة طعام، وهى نفس حيلة الزلعة مع على بابا والحصان مع طروادة، بما ينم على أن الدهاء والمكر واستخدام الحيل موضوع جاب الأراضى ويعود لقديم الزمان.
فى اللغة والأساطير
فى اللغويات لا نكاد أن نرى كلمة الخداع بهذا الاتساع فى المفهوم والمدلول وتحمل هذا الكم الزاخر بالمعانى التى يقصد بها أكثر من مرمى وهدف، وهى تتشابك مع العديد من الطبائع والسلوكيات باستخدام جميع الأدوات، وقد جاءت مقترنة بكل الآثام والشرور فعنت الغش، النصب، الاحتيال وأدواتها الخبث، المكر، الدهاء، الكذب، الخيانة، المراوغة أما أساليبها فهى الغواية، الايهام، التضليل، التزييف، التملق، الإطراء وبالطبع تعتمد الكتمان، التعمية، التهويل، التهوين، تشويه الحقائق وإخفائها للسيطرة والاستغلال.
ولهذا لا نجد كتابا سماويا ولا وضعيا ولا عرفا وتقليدا سائدا إلا وازدرى الخداع واعتبره مذموما محرما إلا بقدر الحاجة الماسة إليه فى الخطط العسكرية.
وربما بعد قصة آدم وحواء مع مكيدة الشيطان، كانت الأساطير هى الرافد الرئيسى الذى استقت منه الإنسانية فكرتها عن أساليب الخداع.. ذلك بعد أن تصور الإنسان الأول وجود الآلهة وعلى كثرتها وقع الصراع بينها؛ ففى الأسطورة المصرية إيزيس وأوزيريس مثلا خدع الإله ست أخيه الإله أوزيريس وقتله، وفى اليونان خدع الإله زيوس كبير آلهة جبل الأوليمب الأميرة أوروبا فخطفها لجزيرة كريت، وعند الإغريق يعتبر الإله هيرميس إله الخداع والحيلة، لكن من أكثر الآلهة فى الأساطير الاسكندنافية خطورة بهذا المجال هوالإله لوكى الذى عرف بالمكر والخبث واستعمال الحيل والمؤامرات ضد باقى الآلهة.
تاريخ الحيلة والخديعة
ويبدوأن منذ فجر التاريخ وجد الإنسان نفسه مضطرا بشكل أوبآخر لمواجهة صعوبة الحياة فأعمل ذكاءه الفطرى فى التحايل عليها حتى بات التحايل جزءا من حياته على الأرض، ومع مرور الوقت أصبح صفة ألتصقت بالبعض سواء بالجينات الوراثية أوبمكتسب فرضته الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وعل التاريخ يقف دائما أمام وقائع استخدمت فيها الحيل وأساليب الخداع بمكر ودهاء، منها على سبيل المثال حالة أوروبا فى القرون الوسطى المعروفة "بعصور الظلام"، وقد استغلت فيها الكنيسة المؤمنين بها فأوهمتهم بأن كهنتها هم ظل الرب على الأرض، وهم من يملكون صولجان الحياة ومفاتيح السماء وبأيديهم منح صكوك الغفران.
كما يحكى لنا التاريخ كيف استغل كريستوفر كولومبوس طيبة السكان الأصليين لأرض أمريكا أوما سميت آنذاك بالقارة الجديدة وارتباطهم بالقمر، وكان على معرفة كبحار بمواعيد خسوفه، فادعى أنه مرسل من السماء، وأنه سيقبض على القمر ويمنعهم ظهوره، وذلك من أجل إرغامهم على قبول نزول رجاله على تلك الأرض وبقائهم عليها.
وفى كتابه "سياسة الخداع" سجل المؤرخ بيتر شامبروك ما شهدته الحربين العالميتين الأولى والثانية من تفنن فى أساليب الخداع، واستعمال الحيل وعمل المؤامرات بما أعتبر أكبر عملية خداع عسكرى فى التاريخ؛ ومن قبل كانت الخدعة الكبرى المعروفه "بوعد بلفور" التى أستخدمت فيها المصطلحات فى رسائل مكماهون مع الشريف حسين باتفاقية سايكس بيكوبما أسفر عن استيطان صهيونى للأراضى الفلسطينية يعد الأطول ولم ينته حتى الآن.
وفى مصر ١٨١١ كانت خديعة الوالى محمد على للمماليك للتخلص منهم بعد توليتهم له، وذلك فى الموقعة الشهيرة المعروفة "بمذبحة القلعة" وخديعة ديليسبس لعرابى بأن القناة على حياد مما أدى الى هزيمته أمام الإنجليز.
الخديعة هى المرأة
يقول الكاتب محمود عباس العقاد ومعروف عنه عداؤه للمرأة : إن الخديعة امرأة.
غالبا كان هذا الوصف ما ارتبط كثيرا بعالم النساء، فحكايتهن مع الحيل وعمل المكائد لتنفيذ رغباتهن تارة، وللتغلب على القيود التى فرضت عليهن عبر العصور تارة أخرى جعل هذا الربط ربطا يرقى لمستوى الحقيقة.
ومكر النساء وكيدهن مصطلحا يشير إلى ذكاء المرأة وقوتها وقدرتها على التخطيط والتصرف بحيلة، وهوما يدل على عقلية مرتبة منظمة، وفى ذات الوقت مركبة ومعقدة بين استخدامهن لهذه المقومات إيجابيا أوعلى نحوسلبى تبنين فيه الخداع كوسيلة لأغراض ملتوية.
وبالبحث عن الاصل نرى أنه لم يضرب يوما على وتر الخداع كما ضرب على وتر خداع المرأة؛ ويبدوأن الادب وبعض وقائع التاريخ كما أوصلت إلينا قصصا عن خداع قام به الرجل تكفلت أيضا بإيصال حكايا النساء مع الغدر على هذا المنحنى المكثف حتى أننا لا نجد ثقافة إلا وأبرزت هذا الوجه القبيح من المرأة، وقد ظهر هذا مبكرا جدا فى بردية من الاسرة ١٩ بعنوان "قصة الاخوين" سبق الحديث عنها فى موضوع تاريخ الخيانة؛ كما نجد مثالا آخر فى إلياذة هوميروس تمثل رعونة هيلينا زوجة ملك اسبرطة ميلانوس وإغوائها الامير باريس أمير طروادة وهروبها معه ما تسبب فى حرب ضروس بين المملكتين انتهت بسقوط أحدى ممالك بلاد اليونان؛ وفى الادب الرومانى جمع أوفيد فى كتابه " فن الحب" ما حكى فى عصره عن نوادر النساء وأستخدامهن الحيل فى مغامرتهن الغرامية.
وفى الادب العربى شاع منذ القدم التندر بحيل النساء وطرق مكرهن وقد ساعد فى ذلك نزول بعض الكتب السماوية كالتوراة والقرآن وما ذكر بهما من قصة سيدنا يوسف مع إمرأة العزيز، وعلى اختلاف الرؤية بينهما ظلت القصة نواة لصياغة تلك الفكرة عن النساء حتى ذاعت فى الاندلس العربية، ومنها أنتقلت كرصيد يحكى عن الرومانسية فى الادب الاوروبى، وتزامن ذلك مع بدء ظهور العديد من اللغات المحلية ما جعل المكتبات تزخر بالكثير من الكتب تروى نفس الرواية منها كتاب بعنوان "قصيدة يوسف" التى تناولتها من وجهة نظر عاطفية، وعل فى ذلك ما يوضح اهتمام العالم بقصص خداع المرأة على وجه الخصوص لكون نفس السورة فى القرآن تتناول خديعة أخرى هى خديعة أخوة يوسف الإحدى عشر لأبيهم النبى يعقوب عندما زعموا كذبا قصة قميص يوسف ودم الذئب.
هذا ولا نعرف على وجه التحديد هل قصة يوسف فى الحقيقة قبل نزول السورة جاءت بشكل مبكر زمنيا عن كتاب ألف ليلة وليلة أم العكس، أوكانت بالتزامن معها بحيث تأثر صاحب الكتاب بالقصة التى شاعت آنذاك؟ لكن من المؤكد أن كتاب ألف ليلة وليلة كان معينا هاما استفاض فى شرح التفاصيل فى شأن النساء مع الغواية والمكر واستعمال الدهاء، فجاء ذلك فى سياق الكثير من الحكايات منها: حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه الزمان، وحكاية قمر الزمان مع الملكة بدور، وحكاية الملك وولده والجارية والقوادة والوزراء السبعة، وحكاية الملك جيلعاد والشماسى، وحكاية قمر الزمان مع زوجة الجوهرى التى تعد صورة فريدة لم يسبق لها مثيل فى كيد النساء.
ومن هذا وذاك تراوحت قصص الحكى عن النساء بين سحر ساحرات وحيل المرأة للظفر بما تهوى وتحب؛ وكذا تطرقت إلى ذكر مكرهن أحيانا للتغلب على ما يواجهن فى معترك الحياة كقصة "دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة"، وذكر دورهن المهم أحيانا أخرى فى الحروب والحياة السياسية منه ما فعلته "ذات الدواهي" من ألاعيب عجيبة أثناء حرب العرب وبيزنطة.
وعلى هذا امتلأت المكتبة العربية بما لا يمكن حصره من كتب روت عن شأن المرأة عموما سواء بحالة الوفاء والإخلاص ومراعاة الثقة والأمانة والشرف أوتصوير حالتهن مع الغدر والخيانة واستخدامهن المكر والحيل، لذا تفننت الأقلام فى وصف النساء فى الحالتين.. فكن العفيفات الطاهرات الشريفات المخلصات - وهى صورة وردت بشكل أقل - وكن أيضا من غلبت عليهن شهواتهن فوقعن فى براثن الآثام وهى الصورة الأوضح الأكثر تناولا وتداولا.
وهنا من الضرورى الإشارة إلى أن معظم ما ذكر من مكائد النساء ومكرهن كان نتاجا متوارثا من جيل لجيل، أصبح فى فترات عدة أشبه بأسلوب حياة مجرب وفن تتدرب عليه النسوة لإتقانه فى محاولة لاحتواء الرجل وجذبه ضمانا للحفاظ عليه والاحتفاظ به.
ولتأصيل تاريخ الفكرة من وراء خداع النساء كتب الباحث فى شئون المرأة مهند الحيكانى: إن ما حمله التراث الإنسانى وما قد مر على كثير من الوقائع التاريخية من أثر لقصص دواهى النساء سنجده كان وليدا لبيئة اجتماعية وثقافية قاسية حكم فيه الرجال النساء بالضرورة الواقعية، حيث اعتمدت الحياة نفسها منذ الخليقة على قوة الرجل الجسدية مقارنة بضعف بنية المرأة، فكان ذلك أبسط دليل لسلطته وسيادته منذ اللحظة الأولى عليها، وعلى ذلك لما كان هوالفاعل الحقيقى عند نشأت المجتمعات كانت هى المفعول به بما يلائم وجودها بجانبه فى أفضل الأحوال أوورائه فى معظم الأحيان؛ وعل هذا تحديدا ما دفع النساء للتحايل ورسم الخطط كبديل للقوة الجسدية التى لا يتمتعن بها، وعله كان الخيار المناسب عند بعضهن لحل كثير من عقد الحياة ومتطلباتها والانتصار فى المعارك والصراعات الدنيوية البسيطة تجنبا للمواجهة والصدامية مع الأوفر حظا فى القوة البدنية.
وبشكل عام يمكن القول إن القوة الجسدية عندما تكون سلاحا غير متاح للجميع.. على نفس القدر ترتفع بسرعة البدائل، وكان بديل المرأة هواللجوء لقوة التفكير والتخطيط بمكر ودهاء وعمل الألاعيب وحياكة الحيل بما فيها استخدامهن البدن الأنثوى للتغلب على البدن القوى.
السياسة المميتة
فى كتابها "فى البدء كانت الحيلة" تشرح نعيمة بنعبد العالى : إن الرابط الذى يسمح بالتجول عبر متاهات الحكايات المتشعبة عن الحيلة، ورغم أنه يبدوللوهلة الأولى رابطا ضعيفا، إلا أن بالبحث والتحليل يتبين العكس، فالحيلة كانت بآخر المطاف من أنجح الطرق للتجول بين الثقافات المختلفة.. ذلك أن الحيلة هى الخاصية المشتركة التى مرت على الإنسانية بكل مكان، فكان لكل شعب حظه الوافر منها، بما ترجمته أدبياته الشفوية والمكتوبة، ما يمكن القول معه إن مع تطور البشرية "فى البدء كانت الحيلة" أوهذا على الأقل ما سجلته الأساطير التى تحكى عن الإنسان الأول المتحايل على قوى الطبيعة والذى كان السبب فى تبعثر حيلة إلى أشلاء تفرقت على العصور وشملت كل أنحاء المعمورة حتى أن من استعماله الحيل هناك من جمع الكثير منها فأصبح بالقضاء والقدر محتالا كبيرا، وفى المقابل هناك من كان نصيبه منها مجرد الوقوع فيها بالغبن والغفلة، وشرح ذلك يأتى من حكمة قصة الإنسان مع الأسد الذى تعلم من هوالإنسان عندما سقط فى فخه.
وعلى ما يبدوأن استخدام سلاح الحيلة والذى استعمله الإنسان طوال حياته تقريبا كان له بعدا أنثربولوجيا عميقا أرغم مصنفان مثل أرن وطومسون أن يصنفانه فى الترتيب العالمى للسلوك البشرى ضمن المراتب الأولى.. ذلك لورود الحيلة بشكل أساسى فى كتب الأساطير، الحكايات الشعبية، الألغاز والأحاجى، وفى النوادر والنكات وحتى فى كثير من المواقف الكوميدية بما يطلق عليها فنيا "كوميديا الموقف".
وبناء على ذلك فالحيلة لا يمكن النظر إليها على أنها ظاهرة عابرة قام بها البشر بشكل عشوائى، بل كانت أشبه بسياسة مميتة بعيدة الغور أجبرت السرديات المختلفة على الاهتمام بها لدرجة اهتمام كبار اللغويين، المصنفين، الباحثين، المؤلفين العرب بها منهم الجاحظ، البيهقى، الجوبرى فظهر أثر هذا فى التعبير اللغوى وكتب الفقه والمناقب وكتب التراث والتاريخ والموسوعات وشعر الصعاليك.
الخديعة واستراتيجية كسر الخواطر
يذكر علماء اللغويات أن الحيلة ليست هى الغش والمراوغة، والفرق بينهما ليس دائما واضحا على مستوى التعبير وإن وضح فيما يعرف "بأدب الكيدية" الذى تكلم عن الكيد والمكائد، حيث إن الحيلة هنا أوسع مجالا ومسرحها جميع العلاقات الإنسانية، ولذا شبهت بالحياة، فهى مرنة تقبل الاختراع والارتجال وتحتاج القدرة على التكيف مرحليا والصبر لوقت طويل.
وللأسف الحيلة ليست محط أنظار القوانين، فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحاكم من أجل أن ينال المحتال عقابه، لأن القانون لا يحمى المغفلين إلا فى حالات الاحتيال الجماعى.
والحيلة على مستوى الخطاب من الأمور التى تروى وتستنسخ وتخضع للتنميق وتقبل التواتر، لذا دخلت خزينة الذاكرة الشعبية بكل صورها وترسخت بها.
ويؤكد اللغويون أن الحيلة والخداع أقرباء يلزمون المكر والدهاء وهما أشبه بمتاهة يدخلها الضحية ويتجول به فيها المخادع، لذلك يحتاج الأمر من المحتال إعمال الفكر وتحرى الذكاء ليكونا ضمن مقدرات فريدة يجب أن يمتلكها فى جعبته كسهام يطلقها بافتنان؛ وفى هذا يتحرى المحتالون المسالك غير المتوقعة بحيث ترتسم فى النهاية المفاجأة والدهشة على وجوه الضحايا حتى من مدى حبكة الأمر ما يثير الضحك والبكاء فى نفس الأوان.
هذا والمحتال البارع يستغل دوما طيبة وغفلة الآخرين، ويضع نفسه أثناء سبك حيلته موضعهم حتى يرى أوجه الضعف فى خطته، وهذا ما يعبر عن مدى الحيطة والحذر التى ينسج بها المحتالون مؤامرتهم لأنها بالنسبة لهم لا تحتمل إلا أن تصيب الهدف.
ولا شك أن اللجوء للمكر والحيلة يمثل أمام المجتمعات تحديا أخلاقيا، حيث إن غلبة الحيلة المبتكرة الذكية عادة ما تلفت الأنظار، وتنسى من كثرة حبكتها الأذهان عن انتقادها والحكم عليها سلبيا ! وعل أكبر مثال إعجابنا جميعا بحيل جحا، متناسين أساليبه العجيبة فى المراوغة، حتى أننا لم نسر يوما عكس التيار، فنظرنا إلى مشاكسته الناس إلا بما يثير الضحك ! وعلى كل حال فالهدف هنا من الاستعجاب هواستخلاص الدروس حين الحكم على الأشياء بضرورة ردها إلى أصلها السليم رغم الانبهار أحيانا بها، وذلك فى محاولة لمنع نصرة الحيلة على الدوام واستمرارها فى كسر الخواطر وشغل البال، وحتى لا يبدوللعيان أن المجتمع يصفق لقوة الذكاء والحنكة للمحتال فى الوقت الذى يستنكر ويتهكم ويسخر من الضحايا الأغبياء، وبهذا نساعد على ألا تتخطى الحيلة حدودها الأخلاقية بعد أن أحيطت سلفا بسبل الدعم الذى يجعلها طليقة وقحة.
وربما هنا نخلص أن ما عضد هذا الاتجاه غير الأخلاقى فى تناولنا النظر إلى بعض الحيل بالإعجاب كان وراؤه ما نقرأه فى الروايات البوليسية، ونراه بأفلام الأكشن التى تمجد البطل المنتصر بالحيلة ويتفوق بالخديعة، وكذا ما ورد فى النوادر من قصص طبعت الخديعة والحيلة بطابع فكاهى يثير كثيرا الضحك لما لها من هدف ترفيهي؛ وهونفسه ما ينطبق على النكات التى تلعب فيها الكلمات دورا كبيرا يتجلى فى حبكة الأسئلة من المحتال، وإجابة الضحية الغفلان تحت ما أسماه المصنفون "الأجوبة المسكتة" والنكتة هنا تتدرع بروح المرح فتسرق الأضواء عن حقيقة كونها مجرد خديعة.
الشيطان أبوالحيل
وبالطبع طالما ارتبطت الحيلة بالشيطنة، ففى وصف الحيل المحبوكة يقال دائما إنها حيل شيطانية، وعل هذا صحيحا لحد بعيد، فالمحتال شيطان صغير أوابنا بارا لأبوالحيل أبليس اللعين، ووجه الشبه هنا يكمن فى الخصائص التى تجمعهما فكلاهما ينتهج المراوغة والمكر والدهاء ويجيد اللعب على الازدواجية والتنكر، ويعملان معا على التدبيس والتلبيس، ويتفوقان فى رسم الخطط تحت الذرائع المختلفة؛ وفى كتاب "الرقائق" يذكر أن المحتال الكبير قد علم الإنسان الحيل وفنون الالتواء حتى روت الخرافات الشعبية أن الجن غير المسلم يسدى خدماته الجليلة إلى الوعاظ، الحكماء، الكهنة، والأولياء مما مكنهم من الحكمة والمعرفة.
من ناحية أخرى ورغم كل ما سبق فإن توسعة الإنسان لدائرة النظر فى حياته على أن كل ما يدور حوله هوحيلة، وأنه دوما فريسة مخدوعة لا محالة ما يجعل تعامله مع عالمه المحيط محكوم عليه بالفشل، فهذه النظرة المليئة بالشك والتوتر والتخيل والتشاؤم هى بعيدة عن طريق الإيمان تفقد الإنسان ثقته بنفسه، وأن هناك رب يحميه وتغرقه فى غرقة الأوهام فيتحول هوأيضا تدريجيا إلى محتال من نوع آخر يؤمن دائما وبشكل مطلق فى نظرية المؤامرة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة