دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء

حيث تُصنع قواعد القوة العالمية بصمت بعيدًا عن الأضواء.

لم يعد منتدى دافوس مجرد منصة سنوية لتبادل الأفكار أو استعراض المبادرات الاقتصادية، بل تحوّل تدريجيًا إلى مساحة لإعادة ضبط توازنات القوة العالمية في لحظة تتسم بأعلى درجات السيولة الاستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة. العالم الذي يجتمع في دافوس اليوم لا يبحث عن النمو بقدر ما يبحث عن تجنب الانهيار، ولا يناقش الازدهار بقدر ما يدير المخاطر، ولا يضع رؤى طويلة الأجل بقدر ما يحاول احتواء صدمات متراكمة سياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا.

نهال الشافعي
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية


الخطاب العلني في دافوس سيظل متمسكًا بمفردات مألوفة: الذكاء الاصطناعي، التحول الأخضر، الاستدامة، الشمول المالي، وإعادة بناء الثقة. غير أن القراءة الاستراتيجية تكشف أن ما يجري فعليًا هو تفاوض غير معلن حول من يضع القواعد الجديدة للنظام الاقتصادي العالمي، ومن يتحمل كلفة الالتزام بها، ومن يُمنح هامش المناورة داخلها.

لم يعد الصراع بين دول غنية وأخرى نامية فقط، بل بين من يملك القدرة على صياغة المعايير ومن يُجبر على تبنيها لاحقًا تحت مسمى “أفضل الممارسات الدولية”.

المسكوت عنه في دافوس هو أن العالم دخل مرحلة “تسييس الاقتصاد” و“اقتصادنة السياسة” في آن واحد. القرارات الاستثمارية لم تعد منفصلة عن اعتبارات الأمن القومي، وسلاسل الإمداد لم تعد مجرد مسارات تجارية بل أدوات نفوذ. حتى التكنولوجيا، التي تُقدَّم بوصفها أداة حيادية للتقدم، باتت مجالًا للتنافس الاستراتيجي على البيانات، والخوارزميات، والسيطرة على البنية التحتية الرقمية العالمية.

النقاش الحقيقي لا يدور حول من يمتلك الذكاء الاصطناعي، بل حول من يحدد أخلاقياته، ومن يفرض معاييره، ومن يملك حق تعطيله أو توجيهه عند الأزمات.

في هذا السياق، يكتسب دافوس أهمية خاصة للدول متوسطة القوة، لأنها تقف في منطقة رمادية بين مراكز صنع القرار الكبرى وهوامش التلقي. هذه الدول ليست ضعيفة، لكنها ليست مهيمنة، وهي مطالبة اليوم بأن تتحول من مجرد أسواق جاذبة إلى شركاء في صياغة التوازنات. الفشل في ذلك يعني البقاء في دائرة رد الفعل، لا الفعل، والتكيف مع القواعد بدل المشاركة في وضعها.

من هنا، تصبح المشاركة في دافوس اختبارًا للقدرة على القراءة السياسية العميقة، لا مجرد الحضور البروتوكولي. الدول التي تدخل المنتدى بأجندة واضحة، ورسائل محددة، وشبكات علاقات مُسبقة، تستطيع تحويل اللقاءات الجانبية إلى أدوات تأثير حقيقية. أما الدول التي تكتفي بعرض الفرص الاستثمارية بمعزل عن السياق الجيوسياسي، فتظل رهينة لمعادلات يحددها الآخرون.

في هذا الإطار، تبرز مصر بوضعية خاصة داخل معادلة دافوس. فهي ليست دولة تبحث عن إثبات وجود، ولا دولة هامشية في النظام الدولي، بل فاعل إقليمي يملك رصيدًا جيوسياسيًا، وموقعًا جغرافيًا، وبنية تحتية استراتيجية تؤهله للعب أدوار تتجاوز كونه متلقيًا للاستثمار. غير أن التحدي الحقيقي أمام مصر لا يكمن في حجم الفرص، بل في كيفية تأطيرها ضمن رؤية استراتيجية متماسكة تُخاطب صانعي القرار الدوليين بلغتهم: لغة الاستقرار، والقدرة على التنفيذ، وربط الاقتصاد بالأمن الإقليمي.

مصر تدخل دافوس في لحظة عالمية يتزايد فيها الطلب على “الدول المحورية” القادرة على لعب أدوار توازن، لا اصطفاف. قدرتها على الربط بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، ودورها في أمن الطاقة والممرات البحرية، وتجربتها في إدارة أزمات إقليمية معقدة، كلها عناصر يمكن تحويلها إلى أوراق تفاوضية اقتصادية إذا ما قُدّمت ضمن سردية استراتيجية واضحة، لا كملفات منفصلة.

كما أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يمثلان فرصة مزدوجة لمصر: فرصة تنموية داخلية، وأداة تموضع خارجي. الاستثمار في البنية الرقمية، وبناء الكوادر، وربط التكنولوجيا بالتصنيع والتعليم والأمن السيبراني، يمكن أن ينقل مصر من خانة “مستهلك الحلول” إلى “مشارك في تطويرها”، وهو فارق استراتيجي بالغ الأهمية في عالم تُدار فيه القوة عبر المعرفة بقدر ما تُدار عبر السلاح.

أما ملف التمويل الأخضر، الذي يحظى بزخم كبير في دافوس، فيحمل لمصر فرصة مشروطة. الفرصة تكمن في ربط هذا التمويل بمشروعات إنتاجية حقيقية تولد قيمة مضافة وفرص عمل، لا الاكتفاء بتقارير الاستدامة. أما الخطر، فيتمثل في الانخراط الشكلي في التزامات قد تُقيّد السياسات الاقتصادية دون عائد ملموس. هنا، تصبح القدرة على التفاوض، وتحديد الأولويات الوطنية، أمرًا حاسمًا.

في النهاية، دافوس ليس مكانًا تُتخذ فيه القرارات النهائية، لكنه المكان الذي تُصاغ فيه الاتجاهات، وتُختبر فيه النوايا، وتُبنى فيه التحالفات غير المعلنة. والدول التي تدرك هذه الحقيقة تتعامل معه كأداة من أدوات سياستها الخارجية والاقتصادية، لا كحدث إعلامي عابر. بالنسبة لمصر، القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد اللقاءات، بل في قدرتها على الانتقال من خطاب عرض الفرص إلى خطاب المشاركة في صياغة المستقبل، وهو الفارق بين دولة تتكيف مع النظام العالمي، ودولة تسهم في إعادة تشكيله.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
مقالات

زلزال بلا رصاص

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص