فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة تلفزيونية، أو يعمل في موقع إخباري، أو ينشر محتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، يُوصَف تلقائيًا بأنه «صحفي»، بغضّ النظر عن طبيعة ما يقدّمه أو الدور الذي يؤديه.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

هذا الخلط الشائع لا يبدو بسيطًا أو عابرًا، بل يعكس إشكالًا أعمق في فهم طبيعة المهن الإعلامية، ويؤدي في النهاية إلى تمييع مفهوم الصحافة وإضعاف دورها الحقيقي في المجتمع !

في أحد الاتجاهات، يمكن القول إن العبارة الشائعة «الإعلامي هو صحفي يعمل في وسيط إعلامي» تحمل قدرًا من الصحة. فالكثير من الصحفيين هم بالفعل إعلاميون، لأنهم يعملون داخل مؤسسات إعلامية، ويستخدمون وسائط متعددة لنقل الأخبار والمعلومات إلى الجمهور، سواء عبر الصحف أو التلفزيون أو الإذاعة أو المنصات الرقمية.

لكن الخطأ الجوهري يبدأ حين نعكس المعادلة ونفترض أن كل إعلامي هو بالضرورة صحفي. هنا يقع الخلط، وتضيع الحدود بين المهنة والوسيط، وبين الوظيفة والشكل.

لفهم هذا الفرق، يكفي أن ننظر داخل مؤسسة إعلامية واحدة، مثل قناة تلفزيونية. سنجد فيها عشرات الوظائف والأدوار المختلفة. فهناك المذيع أو مقدم البرنامج، الذي تتمثل مهمته الأساسية في تقديم المحتوى المكتوب أو المعد مسبقًا، بأسلوب جذاب ولغة واضحة وحضور مناسب.

هذا الدور مهم بلا شك، لكنه لا يعني بالضرورة أن صاحبه صحفي. المذيع قد لا يكون قد شارك في جمع المعلومات، أو التحقق من صحتها، أو صياغتها وفق معايير مهنية صارمة. هو ناقل للرسالة، لا صانعها.

الأمر ذاته ينطبق على مقدمي برامج الترفيه والمنوعات، مثل برامج الطهي، أو المسابقات، أو البرامج الاجتماعية الخفيفة يعمل هؤلاء في الإعلام، ويصلون إلى جمهور واسع، لكن عملهم بعيد عن جوهر الصحافة التي تقوم على نقل الأخبار، والتحقيق في القضايا العامة، وتقديم معلومات تمس حياة الناس ومصالحهم.

كذلك مذيع الرياضة، الذي يحلل نتائج المباريات ويعلق عليها، قد يكون إعلاميًا ناجحًا، لكنه ليس بالضرورة صحفيًا رياضيًا يحقق في قضايا الفساد أو سوء الإدارة داخل المؤسسات الرياضية.

ومع انتشار المنصات الرقمية، ظهر نوع جديد من العاملين في المجال الإعلامي، مثل المؤثرين وصنّاع المحتوى على يوتيوب وإنستغرام وتيك توك.

هؤلاء يستخدمون وسائط إعلامية حديثة، ويؤثرون في الرأي العام، ويصلون أحيانًا إلى جمهور يفوق جمهور وسائل تقليدية عريقة. ومع ذلك، فإن معظم محتواهم يكون ترفيهيًا أو شخصيًا أو تسويقيًا، ولا يخضع لمعايير الصحافة المهنية من حيث التحقق من المعلومات، والتوازن، والمسؤولية تجاه الصالح العام. لذلك، إن وصفهم بالصحفيين لمجرد أنهم يعملون عبر وسائط إعلامية حديثة هو تبسيط مخل بالواقع.

هنا نصل إلى النقطة الأساسية: جوهر الصحافة لا يكمن في الوسيط، بل في الوظيفة. الصحافة، في تعريفها الحديث، هي ممارسة مهنية تقوم على جمع المعلومات، والتحقق من صحتها، ونشرها لخدمة الصالح العام، مع الالتزام بمعايير الدقة والنزاهة والمساءلة.

الصحفي هو من يؤدي دور « حارس البوابة » الذي يراقب السلطة، ويكشف التجاوزات، ويمنح الجمهور حق المعرفة، ويضع الأحداث في سياقها الصحيح.

وبناءً على هذا الفهم، يمكن لشخص لا يعمل في وسيلة إعلام تقليدية أن يكون صحفيًا حقيقيًا. فقد يكون مدونًا مستقلًا، أو كاتبًا على منصة رقمية، أو صحفيًا استقصائيًا يعمل بإمكانات محدودة، لكنه يمارس جوهر الصحافة من تحقيق وتقصٍّ وكشف للحقائق. في المقابل، قد يعمل شخص داخل مؤسسة إعلامية كبيرة، ويحمل لقب «إعلامي»، لكنه لا يمارس أي نشاط صحفي فعلي، بل يكتفي بتقديم محتوى ترفيهي أو دعائي.

من هنا تأتي أهمية فك الاشتباك المهني بين الإعلامي والصحفي. فالإعلام مجال واسع يضم أنشطة ومهنًا متعددة، بعضها صحفي وبعضها غير صحفي، وجميعها لها قيمتها ودورها.

لكن الخلط بينها يضر بالجميع. فهو يظلم الصحفي حين يُساوى بغيره ممن لا يتحملون عبء التحقيق والمساءلة، ويظلم الإعلامي حين يُحمَّل مسؤوليات ليست من طبيعة دوره، كما يربك الجمهور الذي لا يعود قادرًا على التمييز بين من يصنع الخبر ومن يقدمه أو يعلّق عليه.

يمكن توضيح هذا الفرق بتشبيه بسيط:

تخيل مؤسسة إعلامية على أنها مستشفى. الطبيب الجراح يمثل الصحفي، لأنه يقوم بالعملية الأساسية: التشخيص، والتحقيق، والتدخل المهني الدقيق. أما الممرض، والمساعد الإداري، والفني، فهم يمثلون الإعلاميين، يؤدون أدوارًا ضرورية ومهمة، لكن مختلفة في طبيعتها ووظيفتها.

جميعهم يعملون في المكان نفسه، لكن ليس جميعهم أطباء. وبالمثل، ليس كل من يعمل في وسيط إعلامي صحفيًا.

في النهاية، فإن معيار التمييز الحقيقي ليس الشاشة، ولا المنصة، ولا اللقب الوظيفي، بل طبيعة الممارسة والدور.

الصحافة ممارسة ومسؤولية، والإعلام مجال أوسع وحقل عمل متنوع. وفك الاشتباك بينهما ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة مهنية تحمي الصحافة من التمييع، وتحفظ للإعلام تنوعه، وتمنح الجمهور حقه في معرفة من يخاطبه، ومن يصنع له المعلومة، ومن يكتفي بعرضها أو الترفيه بها.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
الصياد
الصياد

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص