وجع القريب: لماذا يؤلمنا الأهل أكثر من غيرهم؟

قد يؤذينا الغرباء فنغضب ونبتعد، وقد يخيب أملنا صديق فنحزن ثم نتجاوز. لكن ألم الأهل مختلف… ليس لأنه أكبر بالضرورة، بل لأنه أعمق. فهو يأتي ممن يُفترض أن يكون مصدر الأمان الأول، ومن المكان الذي نعود إليه في الخيال قبل الواقع.

 منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

والمفارقة أن وجع الأهل لا يأتي دائمًا على هيئة صدمة واضحة؛ بل قد يظهر في صورة تفاصيل صغيرة متكررة، تُقال باعتبارها "نصيحة" أو تُمارس باسم "الحرص"، لكنها تُترك دون إصلاح… فتتراكم، وتؤثر في الداخل بعمق.

وفي الأصل، وُجدت الأسرة لتكون المساحة الأولى للدعم والتقبّل، والمكان الذي يشعر فيه الإنسان أنه محبوب كما هو.
لكن ما يحدث أحيانًا هو خلل في هذا الدور، لا لأن الأسرة لا تستحق الاحترام، بل لأن بعض الأسر تحمل ضغوطًا نفسية واجتماعية، أو تكرر أنماطًا تربوية قديمة لم تعد مناسبة، أو لأن الأهل أنفسهم لم يتعلموا يومًا كيف يقدمون الاحتواء.

وهنا يصبح السؤال ليس: "هل الأهل جيدون أم سيئون؟"
بل: ما الذي يجعل الأسرة—أحيانًا—مصدر ألم بدل أن تكون مصدر أمان؟

البيت كبيئة نفسية: لماذا يكون الألم منه مختلفًا؟

في علم النفس الاجتماعي، لا تُفهم الأسرة بوصفها "علاقة" فقط، بل بوصفها بيئة نفسية تتشكل داخلها الهوية: كيف نرى أنفسنا؟ كيف نشعر بقيمتنا؟ كيف نفهم الحب والانتماء؟

ولهذا فإن الكلمة التي تصدر من البيت لا تمر كما تمر من الخارج، والموقف الذي نحتمله من الآخرين قد يصبح موجعًا للغاية إذا جاء من أقرب الناس إلينا.

لأن العلاقة ليست اختيارًا

العلاقات الأخرى غالبًا ندخلها بإرادتنا: صداقة، حب، زمالة.
أما الأسرة فهي علاقة نُولد داخلها دون اختيار. لذلك ترتبط الأسرة في وعينا بمعنى الانتماء: "من أنا؟ وكيف أُرى؟ وما قيمتي؟"

وحين يأتي الإهمال أو التقليل أو الرفض من الأسرة، فهو لا يمسّ مزاجنا فقط… بل يمسّ جزءًا من صورتنا عن أنفسنا. فالإنسان قد يحتمل جفاء الآخرين، لكنه يتألم أكثر حين يشعر أن المكان الذي كان يجب أن يحتضنه هو ذاته المكان الذي يجرحه.

لأن توقعاتنا منهم أعلى

نحن لا ننتظر من الغريب أن يفهمنا بعمق، ولا من البعيد أن يحمينا أو يحتوي مشاعرنا. لكننا ننتظر ذلك من الأهل، ولو دون أن نصرّح.

وحين لا تأتي الاستجابة التي نتوقعها—حين يُستهان بالمشاعر، أو يُقابَل الاحتياج بالسخرية، أو يتحول الضعف إلى نقد—يتحوّل الألم إلى خذلان. هنا لا يجرحنا الفعل فقط، بل يجرحنا السؤال العالق:
"لماذا لم يفعلوا ما كان ينبغي أن يفعلوه؟"

لأن الطفل القديم لا يزال فينا

مهما كبرنا، هناك داخلنا "نسخة قديمة" لم تغادر: الطفل الذي كان يحتاج الاحتواء والطمأنة والاعتراف. وحين تتكرر المواقف المؤلمة في الحاضر، يتحرك ذلك الطفل من جديد، وكأن الجرح يعود بصورة حديثة.

ولهذا نشعر أحيانًا أن ردود فعلنا "أكبر من الموقف"، لأننا لا نتفاعل مع اللحظة فقط، بل مع تاريخ طويل من الشعور بأننا لم نُرَ كما ينبغي، أو لم نُحَب كما كنا نتمنى.

الأهل بشر.. وقدراتهم ليست واحدة

والأهم أن نتذكر: الأهل في النهاية بشر، وليسوا ملائكة
قد يُخطئون، وقد يجرحون، وقد لا يملكون القدرة النفسية أو العاطفية على تقديم ما نحتاجه، حتى لو كانوا يحبوننا.

فليس كل من لم يمنح الاحتواء كان قاسيًا عمدًا، وليس كل من أخطأ كان مؤذيًا بنية الإيذاء.

أحيانًا تكون المشكلة في نقص القدرات لا في سوء النوايا:
أب لا يعرف التعبير عن الحب، أم تربّت على القسوة فتعيد إنتاجها، أو أسرة منشغلة بالصراع اليومي فلا تنتبه للجروح الصغيرة. وهذا لا يلغي الألم… لكنه يساعدنا على فهمه والتعامل معه بوعي أكبر.

كيف يتجلى ألم الأهل في تفاصيل يومية؟

ليست كل الإساءة صريحة. كثير من الجروح الأسرية تأتي في صورة تفاصيل تبدو عادية، لكنها تترك أثرًا طويلًا، مثل:

التقليل من المشاعر: "لا داعي للمبالغة."
السخرية من الضعف أو الاحتياج
المقارنة الدائمة: "انظر إلى فلان."
تجاهل النجاح: "هذا طبيعي."
الحب المشروط: "نحبك إذا كنت كما نريد."
السيطرة باسم الخوف: "نخاف عليك."
تحميل الابن أو الابنة ذنب مشاعر الوالدين أو قراراتهما

قد تُقال هذه الأشياء بنبرة "نصح"، لكنها تزرع داخليًا معنى واضحًا:
"أنت لست كافيًا كما أنت."

لماذا نصمت أمام الأهل؟

يختار كثيرون الصمت ليس لأنهم لا يتألمون، بل لأن المواجهة مع الأسرة تحمل كلفة نفسية عالية. ومن أسباب الصمت:

الخوف من فقدان الانتماء

نحتاج إلى أن نبقى داخل الدائرة، حتى لو كانت متعبة. ففكرة الابتعاد عن الأسرة ليست سهلة على النفس، حتى لو كانت ضرورية أحيانًا.

الشعور بالذنب

في ثقافتنا، الأسرة ليست علاقة فقط، بل "قدسية".
فيُطلب منا الصبر دون أن يُسمح لنا بالألم، ويُطلب منا البرّ دون أن يُسمح لنا بالحدود.
فتتحول المواجهة إلى "قلة أدب"، ويصبح التعبير عن الألم "جحودًا".

لكن الحقيقة أن الصمت المستمر لا يصنع سلامًا… بل يصنع تراكمًا.

وماذا عن الأسر المؤذية فعلًا؟

مع كل ما سبق، لا يمكن إنكار أن هناك حالات تكون فيها الأسرة مؤذية بالفعل.
حين يتحول البيت إلى ساحة تحقير، أو إهانة متكررة، أو تحكم، أو عنف لفظي أو نفسي، أو تحميل دائم للذنب، أو ابتزاز عاطفي.

وفي هذه الحالات، لا يصبح المطلوب "الصبر فقط"، بل يصبح المطلوب حماية النفس.
فاحترام الأسرة لا يعني قبول الأذى، وبرّ الوالدين لا يعني أن نلغي حدودنا أو نسمح بانتهاك كرامتنا. والموازنة هنا هي: نحفظ العلاقة قدر الإمكان… ونحفظ أنفسنا دائمًا.

كيف نحمي أنفسنا دون قطيعة؟

ليس الحل دائمًا في قطع العلاقة، لكنه غالبًا في تعديل شكلها
والتعديل يبدأ من الاعتراف بأن ما يحدث ليس بسيطًا، وأن حقنا في الأمان لا يسقط لمجرد أن الطرف الآخر من الأسرة.

ومن الخطوات التي تساعد

الاعتراف بأن الألم حقيقي

لا تقلل من نفسك بقول: "ربما أنا حساس."
الإحساس ليس ضعفًا، بل إشارة. تجاهل الإشارة يجعلها تتحول إلى وجع مزمن.

وضع حدود واضحة

بعض العلاقات الأسرية لا تتحسن إلا حين تتحدد:
ما الذي يُقال، وما الذي لا يُقال، وما الذي يُقبل وما الذي لا يُقبل.
الحدود ليست عقابًا… بل حماية للكرامة.

تقليل التوقعات غير الواقعية

أحيانًا نطلب من أشخاص لا يملكون أدوات الاحتواء أن يمنحونا احتواءً كاملًا.
وهذا لا يعني تبرير الأذى، بل فهم حدودهم النفسية حتى لا نُستهلك في انتظار ما لا يأتي.

بناء دعم خارج الأسرة

حين تكون الأسرة مصدر ضغط، يصبح وجود شبكة دعم ضرورة: صديق ناضج، شريك داعم، جلسات مساعدة، أو مساحة آمنة نتنفس فيها.

إدارة المسافة بدل الصدام

في بعض العلاقات الأسرية، الحل ليس المواجهة المباشرة ولا القطيعة، بل "إدارة المسافة":
تقليل الاحتكاك، اختيار المناسبات، تحديد مدة الزيارات، وتجنّب النقاط الحساسة.

عدم الدخول في لعبة إثبات الذات

بعض الأسر تُحوّل الحوار إلى محاكمة أو مقارنة. في هذه الحالة، الأفضل هو الانسحاب الذكي:
"أحترم رأيكم… لكن هذا قراري."
بدل الدخول في دائرة دفاع واستنزاف.

الاستعانة بوسيط أو دعم متخصص عند الحاجة

إذا كان الأذى قديمًا ومتكررًا، يصبح وجود جلسات دعم أو علاج نفسي أو وسيط عائلي خطوة ناضجة، لا علامة ضعف.
فبعض الجروح لا تلتئم وحدها، وبعض العلاقات تحتاج إعادة بناء لا مجرد صبر.

وجع القريب لا يُشبه غيره

الأهل يؤلموننا أكثر لأنهم أقرب إلى جذورنا، ولأننا نبحث منهم عن اعتراف يثبت أننا كنا نستحق الحب كما نحن.
والألم هنا ليس مجرد خلاف عائلي… بل جرح يمسّ الانتماء والهوية والطفل القديم في الداخل.

وفي النهاية، الهدف ليس تحميل الأسرة الذنب، ولا تحويل الاختلاف إلى قطيعة، بل فهم الألم حتى لا نُعيد إنتاجه.
قد لا يستطيع الأهل دائمًا إعطاء ما نحتاجه، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش العلاقة بأقل قدر من الجروح، وأن نحمي أنفسنا دون أن نفقد إنسانيتنا.

في النهاية، لا تُدار العلاقات الأسرية بالمثالية، بل بالوعي والحدود والرحمة.
فليس كل ما لم نحصل عليه من أهلنا كان رفضًا، ولا كل ما يؤذينا منهم كان قصدًا… لكن الأثر يبقى، ويحتاج إلى ترميم.
وما لم نستطع تغييره في الآخرين، نستطيع على الأقل أن نعيد ترتيب المسافة… وأن نحفظ قلوبنا دون أن نفقد احترامنا.

 

 

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
غغ

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص