سعد زغلول .. ودرس فى فن القضاء

كلنا جميعا بات يعلم أن سعد زغلول هو الزعيم الذى قاد ثورة 1919ووحد الأمة مسلميها وأقباطها تحت شعار "  الدين لله والوطن للجميع " ، ولكن جانبا مجهولا من حياة الزعيم لا نكاد نعرف عنه شيئا وهو سعد زغلول القاضي ، وقد بحث هذا الجانب عبده حسن الزيات المحامي ، من واقع ملفات قضايا سعد فى المحاكم ، وأصدر كتابه " سعد زغلول من أقضيته " – مطبعة الرسالة 1942 .

عمل سعد قاضيا لمدة أربع عشرة سنة ، كان فيها محيطا بالقضايا التى تطرح عليه ، وقد اشتهرت بعض أحكامه وما زالت تروي كمبادئ قضائية ، حتى أنه كان يقوم بتغليب المحبة والتضامن الاجتماعي على نصوص التشريع وأحكامه ، كما قدس الصدق فى المعاملة حتى فى الخصومة ، وجعل مجرد كتمان الشهادة تدليسا ، فهو القائل :

" يعجبني الصدق فى القول والإخلاص فى العمل ، وأن تقوم المحبة بين الناس مكان القانون " .

وقد توفرت لسعد القدرة على التمييز بين المتشابهات ، والقدرة على الصبر بما يجب أن يتمتع به القاضي الكامل .

وكان سعد فى قضائه لا ينظر إلى المتهم وحده ، ولا إلى المجني عليه وحده ، وإنما ينظر إلى الاتجاه الاجتماعي .. ففي أحد الأحكام لم يقض سعد قضاءه إلا متأثرا بكون المتهم موظفا عاما يجب أخذه بالشدة ، فقدم سعد لحكمه بقوله :

" وحيث أن المتهم موظف عمومي ، وطبيعة وظيفته تقضي أن يكون على جانب عظيم من عفة النفس واستقامة الضمير ، ولذلك يتعين تشديد عقابه حتى يكون خطر مثله مأمونا " .

فحكم القاضي سعد زغلول يمد أفقه إلى أبعد ، فيتوجه بالزجر العام إلى جمهور الموظفين جميعا ، ثم يرعى المصلحة العامة للمجتمع كله بالعمل على " تأمين المجتمع من خطر ذلك المتهم " .

ولكن القاضي سعد الذى يقدر دور العقوبة الاجتماعي حق قدره ، يستخدم الرخصة التى وضعها المشرع فى يده بوقف تنفيذ العقوبة ، فقد قضي حدث أن تم تأييد حكم ابتدائي فى سرقة " حلق " بحبس الخادم السارق خمسة عشر يوما ، وحبس من أخفى " الحلق " المسروق ستة أمثال تلك العقوبة ، ولكن دائرة سعد تعدل هذا الحكم فتأمر بوقف تنفيذه وقاية للمتهمين من تأثيرات السجون المفسدة للأخلاق ، خصوصا وأن المتهمة الأولي لا تتجاوز من العمر عشر سنوات . ودائرة سعد أيضا هي التى تقضى فى بلاغ كاذب بحبس المتهم ثلاثة أشهر ثم تأمر بوقف التنفيذ .

إنها الرأفة الواعية التى ليست بالعمياء ولا بالبلهاء، ولكنها الرأفة التى ترسل التحذير والإنذار للمتهم ، حتى لا يقع فى المحظور مرة أخرى ، وفى نفس الوقت وقايته من مخاطر السجون ، حتى لا يتحول إلى مجرم عتيد ، فأحكام سعد هنا حماية ووقاية .

وكان سعد يبتعد عن أحكام الإعدام ، إلا ما فيه قصاص ، فكان يرفض الرفق بالمتهم لأنه قتل أخاه بلا رفق ولا رحمة ، تمسكا بقوله تعالي : " ولكم فى القصاص حياة يا أولي الألباب " .

عرف سعد أين يلين وأين يقسو ، وأمضي حكمه وكأنه يتمثل " النهج " الذى طالما نهل من بلاغته : " إن الوفاء لأهل الغدر ، غدر عند الله ، وأن الغدر بأهل الغدر وفاء عند الله " .

أما المحامي الجهبذ الذى أراد إنقاذ القاتل بتهمة الخلل فى قواه العقلية ، فقد رده سعد بقوله :

" إن هذا المتهم اختلت إنسانيته ولم تختل قواه العاقلة " .

وعندما تشكك سعد فى كفاية أحد الأدلة الخاصة بإعدام أحد المتهمين آثر التحقيق بنفسه فى مكان الجريمة درءا للشبهات ، فكتب :

" وقررنا الانتقال إلى مدينة رشيد فى يوم الأحد 30 يونيو 1901 لمعاينة محل الواقعة " .

سعد زغلول قاضيا

وقد تشابكت القضية وتعقدت ، لأن المتهم كانت له ثقافة روائية ، فقد تشابهت قصته مع قصة " الفرسان الثلاثة "  ل  " الكسندر دوماس " ، التى أفعمت خياله حوادث المخاطرة والمغامرة والفروسية والتنكر وتداول البؤس والنعمة ، والأمل واليأس ، والفضيلة والرذيلة ، بل الحياة والموت أيضا على نفوس أولئك الأبطال الذين صورهم أو ابتدعهم خيال غني خلاق ، فقد صادف سعد قضية اشتبك فيها الوهم مع الحقيقة ، والباطل باليقين ، حتى استطاع سعد أن يهتدي فى ظلماتها بالنظر والجهد وإلهام الله .

وكان مبدأ سعد الذى أثبتته ملفات قضاياه التى حكم فيها : " يجب أن نبحث عن طريقة تضمن معالجة المتشردين " ، وقد صاح سعد : " أنا أحكم على نفسي أن أكون متشردا إذا لم أقم بالواجبات نحو أمتي " .

وهو سعد القاضي الذى قدس الواجب كل تقديس ، وأخذ المتخاصمين كبارهم وصغارهم وشهودهم ومحاميهم بمعيار من الشدة ، كذلك المعيار فى محاسبة النواب حينما كان رئيسا لمجلس النواب .

وكان سعد القاضي يراعي فى أحكامه الناس البسطاء الذين ينخدعون وتجوز عليهم الحيل .. يكتب فى حكم خاص بإحدى السيدات التى احتال عليها شاب ، ادعي النفوذ ليحصل لها على حقها : " وحيث أنه إذا كان فى إجراءات الست مع المتهم ما يدل على بساطتها ، فلا يصح أن يكون ذلك سببا لحرمانها من حماية القانون ، ولأن البسطاء أحوج من غيرهم لهذه الحماية ".

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عبد العزيز فهمى.. أول رئيس لمحكمة النقض وأبو الدستور المصرى
شخصيات لها تاريخ «63». محمد صالح حرب.. يا بهية وخبِّرينـى عَ اللى قتل
محمود
النحاس

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص