تولَّى رئاسة الحكومة فى 4 فبراير 1942 بهدف إنقاذ عرش فاروق والملك اعتبره خصمًا له وسعى لتخريب «الوفد» بالمؤامرات والدسائس ألغى معاهدة 1936 فى أكتوبر 1951 من طرف واحد.. ودعم «الفدائيين» بالسلاح والإنجليز عاقبوه بحريق القاهرة والملك تواطأ ضدّه سعد زغلول اختاره ضمن الوفد المصرى وأصبح زعيم الوفديين بعد العام 1927 وانشق عليه أربعة «أحمد ماهر والنقراشى وإبراهيم عبدالهادى ومكرم»
هو مصطفى محمد سالم النحاس، ابن تاجر الخشب المولود فى "سمنود ـ غربية"، هاشمى الأصل، نسبه موصول بالإمام الحسين، وجنازته خرجت من "المشهد الحسينى" بالقاهرة فى العام 1956، كان مؤمنا بالقانون والديمقراطية والوطن، وتربى فى مدرسة "محمد فريد"، ومن بعده اقترب من "سعد زغلول" وظل بجواره حتى رحل فى العام 1927، واختار الوفديون ـ النحاس ـ ليكمل مسيرة الزعيم الراحل، وظل فى موقع رئيس "حزب الوفد" لمدة خمس وعشرين سنة، وتولى رئاسة الحكومات الوفدية "خمس مرات" فى ظل الملك فؤاد، ثم الملك فاروق، وكان نقى القلب، يحب الشعب المصرى من كل قلبه، وكان الشعب يحبه بصدق، حتى كان اليوم الأسود، يوم "26 يناير 1952" فاحترقت القاهرة، بتدبير من أعداء الوطن، واحترقت حكومة "الوفد" وخرج ـ الزعيم نقى القلب ـ ليعيش فى الظل، ولقى ربه فى العام 1965، وخرج المصريون لتشييعه إلى مثواه الأخير، وتذكروا جهاده الوطنى وتضحياته الكبرى من أجل الحرية والاستقلال.
الزعماء الوطنيون لهم مكانة فى قلوب المصريين، وفى التاريخ المعاصر، كان من زعمائنا "مصطفى النحاس"، الذى تربى فى مدرسة "الحزب الوطنى" وجاهد من أجل "الحرية والاستقلال" تحت قيادة "سعد زغلول" وحارب "القصر" و"الإنجليز" وانحاز للديمقراطية، وهزمه الفساد الذى تسلل إلى بيته مع زوجة شابة "زينب الوكيل"، تزوجها وعمره سبعة وخمسون عاما، وهى قبلت "الصفقة" وجعلت خصوم "حضرة صاحب المقام الرفيع" يجدون فى سجله الحكومى، ما يرضى شهوة التشهير والتشفى ويشبع قلوبهم المريضة، ولو أن فى حيوات الناس أعواما فارقة، خافضة، رافعة، فإن العام "1942 الميلادى" هو العام الذى تبدّل فيه حال الزعيم النقى الطيب ـ مصطفى النحاس ـ من مجاهد وزعيم حزب شعبى، إلى رجل كهل يبحث عن عروس فى ريف الدلتا الذى انتقل إليه هربا من "غارات طيران هتلر" التى أرّقت مضاجع الزعماء السياسيين والمواطنين، وجعلت " نجيب محفوظ" ـ الروائى الأكبرـ يكتب روايته "خان الخليلى" وفيها "مخبأ" أعدته الحكومة، ليحتمى فيه المواطنون، من خطر الغارات الألمانية، التى استهدفت القاهرة، العاصمة التى فيها "الإنجليز" أعداؤهم، وكانت الحرب دائرة رحاها فى صحراء مصر الغربية "منطقة العلمين" بين قوات "المحور" وقوات "الحلفاء"، ومصر كانت "مربوطة ومقيدة" بمعاهدة "الشرف والاستقلال" ـ معاهدة 1936ـ ومن بنودها، تقديم العون لقوات بريطانيا العظمى، الحليفة، التى احتلت البلاد بالقوة المسلحة، ثم فرضت "الحماية" ثم ثار الشعب فى "مارس 1919" ودارت المعارك، وسقط الشهداء فى سبيل "الاستقلال" حتى انتهى الأمر بتوقيع "معاهدة" تعطى مصر مساحة "استقلال" وتُبقى على "قوات الاحتلال" فى قاعدة "قناة السويس"، وفى العام ذاته "1942 الميلادى" أجبر السفير البريطانى "مايلز لامبسون" الملك فاروق الأول، على دعوة "مصطفى النحاس" لتشكيل حكومة وفدية، وقصة هذه الحكومة بدأت برغبة من بريطانيا فى أن تكون "حكومة الوفد" التى وقعت معها "معاهدة 1936" هى التى تحكم مصر، حتى تستطيع "قوات بريطانيا" الاستفادة من تطبيق بنود "المعاهدة" فى ظل الحرب العالمية الثانية بين "قوات الحلفاء" و"قوات المحور" وكان "الملك فاروق" يجلس فوق "العرش" بخبرة طفل، تحيط به فرقة "المتآمرين" الذين زينوا له التهرب من تنفيذ رغبة بريطانيا، وهو نفسه كان يميل إلى "قوات المحور" وكان يعلن ذلك فى جلساته، وبريطانيا تعرف عنه هذا الميل، وأرادت أت تحصن نفسها، وتطور الأمر إلى قبول الإنذار البريطانى ـ من جانب جلالة الملك فاروق الأول ـ لكنه أراد أن "يفاصل" على عادة "الشعب المصرى"، والفصال، فى وقت الحرج العسكرى والسياسى، لاتفهمه بريطانيا، التى كانت تعيش لحظة عنيفة، فى ظل اكتساح "هتلر" لكل العواصم الأوربية، وعلو أسهمه، وتطور الأمر إلى إلزام للملك بتعيين "مصطفى النحاس" على رأس حكومة وفدية، على غير رغبة "فاروق" الذى فوجئ بموقف لم يتوقعه، رأى "السفير البريطانى" واقفا أمامه، يخيره بين "حكومة وفدية" وبين "التنازل عن العرش"، وبريطانيا فعلتها فى الحرب العالمية الأولى مع ابن عمه "الخديو عباس حلمى الثانى" وعزلته، لما عرفت ميوله للدولة العثمانية، حليفة "ألمانيا"، والذى أنقذ ـ الملك الساذج ـ هو "حسنين باشا" الذى قال له باللغة العربية ما معناه "كلف النحاس بتشكيل الحكومة، ولاتوقع قرار التنازل عن العرش".
ضد الملك فؤاد
بين حزب الوفد، و"الملك" عداء قديم، لأن "أحمد فؤاد" ـ السلطان الذى تولى بعد شقيقه حسين كامل ـ أصبح "الملك أحمد فؤاد" بعد ثورة 1919، وكتابة "دستور 1923" وحصول مصر على "تصريح 28 فبراير 1922" الذى ألغى الحماية البريطانية التى فرضت على مصر منذ بداية الحرب العالمية الأولى فى العام "1914" ومنحها حق "التمثيل الدبلوماسى" ومنح الجالس على العرش "لقب ملك" وهو أكبر من "السلطان " الذى رضى به "حسين كامل" بعد عزل "عباس حلمى الثانى" الذى كان "الخديو الأخير" فى عائلة "محمد على"، وكان "أحمد فؤاد" مقامرا، سكّيرا، جاءت به الظروف ليجلس على عرش مصر التى ضيعها أبوه "الخديو إسماعيل" وأفقدها الاستقلال السياسى وأغرقها فى الديون الخارجية، وعند صياغة "دستور 1923" جعله منحة ملكية، وكأن "دم الشهداء" الذى أريق برصاص الجيش البريطانى، لم يكن ثمنا دفعه المصريون فى سبيل "الدستور" وفى سبيل الاستقلال، وكان "أحمد فؤاد" ملكا مستبدا يكره "الديمقراطية" وكان "سعد زغلول" ـ يعتبر الملك مجرد موظف لدى جيش الاحتلال ـ وورث "فاروق الأول" تركة أبيه المستبد، وقاومه "مصطفى النحاس" وتصدى لصلفه وغروره، وهنا نرجع إلى كتاب "الدكتور عبدالعظيم رمضان" الذى حمل عنوان "الصراع بين الوفد والقصر" وفيه قراءة وتحليل للفترة الواقعة بين عامى "1936" و"1952" ونقتطف منه هذه السطور:
ـ وأما بالنسبة للقصر، وهو "المغتصب الثانى" لحقوق الشعب المصرى ـ بعد بريطانيا ـ فإن سقوط الوصاية التاريخية عنه، من جانب الإنجليز، وما كان متوقعا من سقوط السلطة بعد" معاهدة 1936" فى يد حزب الأغلبية "الشعبية" ـ حزب الوفد ـ دفعه إلى أن يولّى وجهه شطر دولتى المحور الفاشيتين وهما "ألمانيا وإيطاليا"، فى محاولة لاكتساب حلفاء جدد، ولكى ينقل إليه قيادة "الحركة الوطنية" فى وقت تهادُن "الوفد" مع "الإنجليز" وقد التف حول القصرـ فى ذلك الوقت ـ القوى السياسية الرجعية التى كانت تسعى لتدعيم امتيازاتها وحماية مصالحها وهى "أحزاب الأقلية" وبعض المستقلين، وبعض القوى الجديدة مثل "مصر الفتاة " و"جماعة الإخوان" وساعدت الظروف القصر على القيام بهذا الدور الجديد، بموت واختفاء"الملك فؤاد" المكروه من الشعب، وبدأت القوى المتحالفة بتسويق "فاروق" ـ الملك الجديد ـ فى صورة الملك الطيب، المثقف، الوطنى..
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حاول "المتآمرون على الوفد" أن يخلقوا من الشاب المراهق "فاروق" مستبدا آخر يحتمون فيه، فاقترح رئيس مجلس الوصاية على العرش
"الأمير محمد على" وهو ابن الخديو توفيق وابن عم فاروق، وولى عهده، أن يكون حفل تنصيب الملك الشاب بحضور شيخ الأزهر، وأن يصلى جلالته بالأئمة إماماً، ليكونوا أئمةً فى الناس، ينوبون عن جلالته، وهذه "الخزعبلات القديمة" كان يحملها "الأمير محمد على" ويزكيها "على ماهر" و"الشيخ مصطفى المراغى" شيخ الجامع الأزهر، ولم يكتف المقترح بذلك، بل طلب تقليد الملك الشاب "سيف جده محمد على الكبير" ويقلده له "شيخ الأزهر" وكان "مصطفى النحاس" ـ رئيس الحكومة الديمقراطى ـ بالمرصاد لهذا "الدجل السياسى" وقاتل وحارب ضد هؤلاء الدجالين، من أجل تطبيق النص الوارد فى "دستور 1923" الذى يقول إن "الملك" يقسم اليمين أمام اجتماع الهيئة البرلمانية لمجلسى النواب والشيوخ، ولا شىء غير ذلك.
وأسرّها "فاروق الأول" فى نفسه، وتحولت العلاقة بينه وبين "مصطفى النحاس" إلى "كراهية" عبر عنها بمواقف وعبارات غير لائقة، القصد منها "إهانة" زعيم الأمة المصرية، لكن ـ النحاس ـ المخلص لمبادئ الديمقراطية، والوطنية أصدر قانونا يجعل "الجيش المصرى" جيشا للوطن، يخدم أهدافه ويحمى "الدستور" وأنشأ "المجلس الأعلى للدفاع" و"هيئة أركان الجيش" ووضع صيغة جديدة للقسم الذى يقسمه الضباط، فحذف عبارة "وأن أكون خادما مخلصا أمينا للملك، مطيعا لأوامره الكريمة" وجعل الإخلاص للوطن، والطاعة للدستور والقوانين المعمول بها، وجعل شعار الجيش "الله. الوطن الملك" أى قدّم "الوطن" على "الملك" ولم يكن ما قام به "الزعيم الوطنى" مجرد تقليص لسلطات القصر، بل كان يعمل وفق بنود "معاهدة 1936" التى نصت على أن قوة الجيش المصرى وقدرته على حماية قناة السويس، هى الضمان لتخلى الجيش البريطانى عن هذه المهمة، وكان ـ النحاس ـ يسعى لتقوية الجيش وجعله درعا للوطن كله وليس "قوة حماية" للقصر وحده.
انفجار حزب الوفد
من المهم أن نعرف أن "الوفد المصرى" الذى تشكل فى "13 نوفمبر 1918" بهدف التفاوض مع "المعتمد البريطانى" وجيش الاحتلال، على "الاستقلال" هو نفسه الذى خرج من عباءته حزبان كبيران هما "حزب الأحرار الدستوريين " وزعيمه "عدلى يكن" وفيلسوفه "أحمد لطفى السيد" و"حزب الوفد" وزعيمه "سعد زغلول" وفلسفته تقوم على الدفاع عن جناح من طبقة كبار ملاك الأراضى وطبقة "الموظفين والتجار" وكل الشرائح التى تحلم بالاستقلال وليس لها مصلحة فى وجود الإنجليز على أرض مصر، وكان "مصطفى النحاس" فى لحظة تشكُّل "الوفد المصرى" قريبا من "الحزب الوطنى" مؤمنا بأهدافه الثورية، واختاره "سعد زغلول" ومعه "حافظ عفيفى" ضمن الوفد الذى ذهب للتفاوض مع "المعتمد البريطانى" ولما مضت المفاوضات فى طريقها الرسمى، وأصبح "الوفد" هو "المُوكَّل" من الشعب المصرى بالعمل بكافة السبل السلمية لتحقيق الجلاء والحصول على الاستقلال، وقع انقسام بين "أنصار التفاوض" والحصول على الجلاء بالتدريج، وبين أنصار الاستقلال وإسقاط الحماية، وهؤلاء وضعوا نُصب أعينهم "تضحيات الثوار" من الأفنديات والفلاحين الذين سقطوا فى المديريات وفى العاصمة فى ثورة "مارس 1919" وكان "مصطفى النحاس" ضمن معسكر "سعد زغلول" الثورى، الذى يريد الحصول على الاستقلال ويراه حقا، دفع "الشهداء" ثمنه، ولم يكن الجالس على العرش "السلطان فؤاد" يريد لفريق "سعد زغلول" النصر، وكل ما يريده البقاء على العرش، وضمان قبول "الإنجليز" به، وهم من جاءوا به ومنحوه لقب "السلطان" وبعد وفاة "سعد زغلول" فى العام "1927" ثم وفاة "فؤاد" أصبح الصراع بين "الوفد" و"القصر" يمثله "مصطفى النحاس" و"الملك فاروق" ومن المواقف التى توضح أبعاد هذا الصراع، ما ذكره "صلاح الشاهد" فى كتابه المشهور "ذكرياتى فى عهدين" وكان قريبا من "النحاس" وظل ضمن العاملين فى "القصر" حتى عصر "السادات" عن الذين كانوا ينفخون فى النار، لتزداد العداوة بين "النحاس" و"فاروق" ..
وكان ثلاثة ينفخون فى النار: على ماهر، أحمد حسنين، الشيخ محمد مصطفى المراغى، وتفاقمت الخلافات، وشارك كثيرون ممن لهم مصالح فى توسيع شُقَّة الخلاف، ومن النوادر اللطيفة أن هؤلاء أرادوا إقلاق راحة "النحاس باشا" وهو يستجم فى "رأس البر"، حيث تلقى تبليغا ملكيّا بأنه ليس من سلطات الحكومة تعيين موظفى القصر، وخصوصاً إذا كان الموظف أجنبيا، وعاد "النحاس" إلى القاهرة، وطلب مقابلة "الملك الصغير" وأخذ يشرح له الحدود الدستورية، وسلطات الحكومة المنتخبة من الشعب وأنه شخصيا يعتبر نفسه المستشار الأول للملك وفقا للدستور، وقال للملك:
ـ أبوك كان بيعاملنى كده..
فثار الملك وقال:
ـ مستشار إيه.. أبويا بتجيب سيرته بالطريقة دى إزاى؟
إنت ناقص تقول لى إنك تعيِّن الحلاق اللى يحلق لى دقنى ..
فقال النحاس باشا:
ـ ده يكون أحسن لراحتك وحمايتك من كل مساءلة.
ونشط "المتآمرون" وهم يرددون أن "الملك" لايكره "حزب الوفد" وأنه خاضع للدستور، ولكنه لا يحب "النحاس" وتزعم هذه الدعوة "على ماهر باشا" رئيس الديوان الملكى، وكان يهدف إلى التمهيد لشقيقه "أحمد ماهر" ـ القيادى فى حزب الوفد ـ ليكون هو رئيس الحكومة الوفدية، بدلاً عن "النحاس" الذى كانت له مكانة أدبية كبرى فى نفوس قطاع كبير من الوفديين، لكن "أحمد ماهر" و"محمود النقراشى" خرجا من "الوفد" اعتراضا على التوافق القائم بين "مصطفى النحاس" والسكرتير العام للحزب "مكرم عبيد" وكان ـ النحاس ـ يقربه إليه ويستشيره فى كل كبيرة وصغيرة، ويتجاهل "أحمد ماهر" و"النقراشى" و"إبراهيم عبدالهادى" والثلاثة خرجوا وكونوا حزبا أسموه "الهيئة السعدية" أو "الحزب السعدى"، وفى العام 1943 وقع الشقاق بين "مكرم" والنحاس، بتحريض من "القصر" وكان ظهور "فؤاد سراج الدين" السبب الأقوى لانزعاج "مكرم"، وبعد زواج "النحاس باشا" من "زينب عبدالواحد الوكيل" وجد نفسه غير مسيطر على "النحاس باشا" وخرج من "الوفد" وكوّن "الكتلة الوفدية" واستخدمه القصر فى الانتقام من "مصطفى النحاس" بكتابه الذى احتوى مخالفات مالية ارتكبها وزراء حكومة النحاس التى تولى رئاستها فى "فبراير 1942" وأطلق عليه "الكتاب الأسود" وساهم "أحمد حسنين" فى الترويج للكتاب والتشهير بحكومة "الوفد" والنحاس باشا، وانتهى الصراع بطرد "مكرم عبيد" من الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، ونقل ـ صلاح الشاهد ـ فى كتابه "ذكرياتى فى عهدين" موقف "النحاس باشا" من أحداث "4 فبراير 1942" التى ترتب عليها تكليفه برئاسة الحكومة "برغبة بريطانية أُجبر فاروق على تنفيذها بالقوة المسلحة" بقوله:
ـ لقد أدرك "النحاس" برصيده السياسى، أن قرار الحكومة البريطانية قد استقر على عزل "الملك فاروق"، وكثيرا ما سمعت النحاس يفتخر بالدستور، وأن الوفد المصرى هو حامى الدستور فى دولة ملكية دستورية، وقد فسّر "النحاس باشا" قبوله لوزارة "4 فبراير 1942" فى خطابه يوم "13 نوفمبر 1945 عيد الجهاد" ـ فى أثناء رئاسة "النقراشى" للوزارة، وقال إنه ضحّى يوم "4 فبراير 1942" بقبول رئاسة الوزارة بعد الإنذار البريطانى، وأنه قدَّم التضحية راضيا ليجنِّب البلاد هزّة كبرى بعزل الملك فاروق ..
وكان السفير البريطانى "مايلز لامبسون" قارئا جيدا للمشهد السياسى المصرى فى ظل "الحرب العالمية الثانية" وصعود نجم "هتلر" وأورد ـ دكتور عبدالعظيم رمضان ـ مقتطفات من تقارير "لامبسون" التى على أساسها صدر الإنذار البريطانى، وأُجبر "فاروق" على دعوة "النحاس باشا" لتشكيل الحكومة، ففى تقرير له تكلم عن فاروق بقوله:
ـ ليس من العدل إصدار أحكام مسبقة على مستقبله، استنادا إلى نزواته الصبيانية، إلا أن كثيرين من الأشخاص ذوى الرأى يصفونه بالجهل والكسل والرعونة وعدم تقدير المسئولية والغرور، ولكنه إلى جانب ذلك لمّاح، ذكى ذكاؤه سطحى، ويمتاز بشخصية جذّابة، وليست هذه بالصفات التى تجعل أى "ملك" يملك زمام رعيته بشكل دائم .
وقال فى تقرير آخر عن "النحاس باشا" والساسة التابعين للقصر:
ـ مهما كانت المتاعب التى تواجهنا بسبب الوطنيين المتطرفين وتأثيرهم على علاقات "الوفد" معنا، فقد يكون تغيير حكومة الوفد بأخرى من حكومات القصر، كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإذا نحن استثنينا "واصف غالى" وحده، فإن زعماء الوفد يميلون إلى تفضيلنا على غيرنا من دول القارة، وإنى لمقتنع على الرغم من تقارير المصادر السرية التى وصلتكم بأن الوفد، لايفكر جديا فى التحالف مع إيطاليا، وإنى لأشك فى أن النحاس أو أى أحد من قادة الوفد، قد تأثر جديّاً بالنفوذ الألمانى، على الرغم من زيارة النحاس لبرلين وإعجابه الظاهرى بالهتلرية.
حريق القاهرة
لا أحد يعرف ـ المجرم الحقيقى ـ الذى أحرق القاهرة فى يوم "26 يناير 1952"، وكل المؤرخين والباحثين فى تاريخ مصر المعاصر قالوا إن المشتركين فى الحريق كانوا مدربين على إشعال النار، ومعهم أدوات وإمكانات تسهل مهامهم، وقيل إنهم كانوا منظمين يتلقون تعليمات وينتقون الأهداف بعناية ودقة، وعلى المستوى السياسى، احترقت القاهرة، واحترق "حزب الوفد" واحترق "فاروق الأول"، فكان "ضباط الجيش والبوليس" يجلسون على مائدة الملك فى قصر عابدين، وكان "حيدر باشا" وزير الحربية يؤخر نزول الجيش، وكان "فؤاد سراج الدين" يستعطف "الملك" ليصدر أمره للجيش حتى ينزل إلى شوارع القاهرة، ونزل الجيش وسيطر على الوضع، بعد انتهاء الحريق "كانت التاسعة مساء والحريق بدأ فى الثانية عشرة ظهراً"ولما تقدم "النحاس باشا" باستقالة الحكومة إلى جلالة الملك فاروق الأول، رفضها، وبعد إصدارـ الحكومة ـ قرار إعلان الأحكام العرفية، أقال "الملك" حكومة الوفد، وكانت الحكومة تعاقب من قِبل القوى الاستعمارية على قرار إلغاء معاهدة 1936 من جانب واحد، ودعم الفدائيين الذين قاموا بعمليات ضد معسكرات الجيش البريطانى فى منطقة "قناة السويس"، واحتفظ التاريخ بعبارة "النحاس باشا" التى قالها أمام نواب البرلمان:
"وإنى على يقين من أن هذه الأمة الخالدة ستعرف كيف ترتفع إلى مستوى الموقف الخطير الذى تواجهه متذرعة بالصبر والإيمان والكفاح وبذل أكرم التضحيات فى سبيل مطلبها الأسمى.. يا حضرات الشيوخ والنواب المحترمين، من أجل مصر وقّعت "معاهدة 1936" ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها ..
ومضت عجلة الأحداث، وفى يوم الأربعاء الموافق 23 يوليو 1952، انتهى عصر فاروق، وقرأ مذيع الإذاعة المصرية، وقبله "السادات" البيان رقم واحد لتنظيم "الضباط الأحرار" الذى استطاع القبض على زمام "السلطة" وقام بطرد "فاروق" وإعلان الجمهورية، وفى يوم 23 أغسطس 1965 مات الزعيم الوطنى النقى الطيب الذى أحبه المصريون، مصطفى النحاس، وأقيمت صلاة الجنازة على جثمانه فى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، وكانت جنازته حاشدة، بما له من رصيد محبة فى قلوب الناس.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...
اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له