رافق «السادات» إلى القدس.. فقاطعت تلاواته الإذاعات العربية / «القصبى باشا» وضعه على أول طريق الشهرة.. وصدفة الإذاعة رسخت مكانته / وصية «مصطفى إسماعيل» التى استجاب لها الرئيس / قال: من الجنون أن أرفض قراءة القرآن فى المسجد الأقصى..
كان الشيخ "مصطفى إسماعيل" أمير القراء بلا منازع، فقد كان صاحب مدرسة متفردة فى التلاوة وحنجرة ذهبية، واستطاع أن يمزج بين علم القراءات وأحكام التلاوة وعلم المقامات الموسيقية مزجا ليس له مثيل، فأتقن المقامات وقرأ القرآن بأكثر من 19 مقاما، وسجل بصوته تلاوة القرآن كاملا مرتلا، حيث ترك وراءه 1200 تلاوة لا تزال تبث عبر إذاعات القرآن الكريم؛ وكان "مصطفى إسماعيل" محبا لآل البيت، فكان يقرأ القرآن فى الموالد بالمجان.
ولد الشيخ "مصطفى إسماعيل" فى 17 يونيو 1905 بقرية "ميت غزال"، وهى إحدى قرى مركز طنطا بمحافظة الغربية، وكان جده من عائلة ثرية معروفة، ولم يرد أن حفيده نجله بالزراعة، فألحقه بكتاب القرية، حيث يلاحظ الجد قدرة حفيده على سرعة الحفظ وحلاوة الصوت، فبدأ الحفيد يلتزم بالحفظ فى الكتاب حتى أتم القرآن الكريم كاملا وهو لم يتجاوز سن 12 عاما على يد محفظه الشيخ "إدريس فاخر"، بعدها التحق بالمعهد الأحمدى فى طنطا ليتم دراسة القراءات وأحكام التلاوة وعمره وقتها لم يتجاوز الـ 16 عاما، ثم بدأ يقرأ القرآن الكريم أمام الناس، ومع مرور الأيام ذاع صيته فى محافظة الغربية كصاحب مدرسة جديدة ومختلفة فى القراءة.
القصبى باشا
ذات يوم توفى "القصبى باشا" عضو مجلس النواب المصرى فى اسطنبول ونقل جثمانه إلى الاسكندرية، واستمرت مراسم المأتم 3 أيام، وفى اليوم الأول قرأ الشيخ محمد رفعت والشيخ حسن صبح، وكان الشيخ "مصطفى إسماعيل" حاضرا للعزاء على اعتبار أنه مستمع، وكان عمره وقتها 17 عاما، ولكن أولاد "القصبى باشا" كانوا يعرفونه، فطلبوا منه أن يقرأ إحدى السور، وقام "مصطفى إسماعيل" بالقراءة فعلاً، وهو الأمر الذى أغضب الشيخ حسن صبح، فى هذا اليوم قرأ خمس دقائق، ثم وجد نفسه بعد ذلك يقرأ بطلاقة والناس تستمع له بإعجاب، وعندما جاء الشيخ "محمد رفعت" إلى العزاء مدح صوته وطلب منه أن يتعلم ويتقن مخارج الحروف عند أحد المشايخ بالمعهد الأحمدى بطنطا وبشره بأنه سيكون أحد أهم وأكبر المقرئين فى مصر، وبهذه الكلمات تحمس "مصطفى إسماعيل" وكانت بمثابة القوة الدافعة نحو الاستمرار والتجويد.
صدفة الإذاعة
الصدفة وحدها سبب دخول الشيخ مصطفى الإذاعة، وقد كان يتمتع بشهرة كبيرة فى محافظتى الغربية والشرقية، وكان يملك سيارة رقمها 2 فى مصر، فى يوم تعطلت سيارته، فذهب لإصلاحها بالقاهرة، وفى القاهرة قرأ لافتة مكتوبا عليها "رابطة تضامن القراء" فدخل إلى مقر الرابطة وتعرف على المقرئين الموجودين، وبمجرد أن ذكر اسمه لقى حفاوة شديدة منهم، وكان من بينهم الشيخ "محمد الصيفي" القارئ بالإذاعة الذى عرض عليه قراءة القرآن فى الإذاعة يوم الجمعة الساعة 10 مساء، وكان هذا فى عام 1944، وبذلك التحق "مصطفى إسماعيل" بالإذاعة بدون أن يعرض على لجنة اختبار، وكانت الإذاعة سببا فى انطلاقه وأصبح يستمع إليه الملايين فى فقرة قصيرة، ولكنه ابتعد عنها فترة لأنه يحب التلاوة لساعات طويلة، ولم يكن يرضيه نصف الساعة التى أتاحتها له الإذاعة أسبوعيا لذلك انقطع عنها، ولكنه عاد إليها مرة أخرى بسبب الضغط من القصر الملكى ولكثرة الرسائل التى انهالت من المستمعين.
مقرئ القصر الملكى
عندما نقلت الإذاعة الحفل الأول للشيخ مصطفى استمع إليه الملك فاروق فأعجب به وأصدر مرسوما ملكيا بتكليف القارئ الجديد قارئا للقصر، فأرسل فى طلبه من قريته عن طريق البوليس، فكان وقتها الشيخ يشرف على جنى محصول القطن ، ولما عاد إلى المنزل أخذه الضابط فى سيارة البوليس قائلا: نبحث عنك منذ 3 أيام، وأخذته السيارة وشقت طريقها من طنطا إلى قصر عابدين، وأدخل إلى مكتب مراد محسن باشا ناظر الخاصة الملكية فقال له: اقرأ لنا الآن وأثناء تلاوته دخل محمد حيدر باشا القائد العام للقوات المسلحة، انتهت المقابلة بينهم وهو يودعه على باب مكتبه قال له نريدك فى احتفال الذكرى السنوية للمرحوم الملك فؤاد فى 28 أبريل عام 1942 وسيحضر الملك فاروق وسيذاع الاحتفال فى الراديو، وبالفعل حضر الاحتفال وقرأ فيه وزادت شهرته، وبعدها تم الاتفاق معه على أن يقرأ طوال شهر رمضان فى قصر رأس التين، وكانت جميع ليالى هذا الشهر مذاعة فى الإذاعة، وظل "مصطفى إسماعيل" يشارك الشيخ "أبو العينين شعيشع" الاحتفال بالشهر الكريم من عام 1943 إلى 1953، وكان يتقاضى 150 جنيها طوال الشهر الكريم.
مقرئ رئاسة الجمهورية
كان "مصطفى إسماعيل" سعيدا بالثورة، حيث كان يشعر بالضيق من وجود نساء على جوار الملك فاروق وهو يقوم بالتلاوة، لكنه فى العموم كان يتعامل كمقرئ للقرآن ولا علاقة له بالأمور السياسية، ومن ثم فقد افتتح حفلات الرئيس محمد نجيب ومن بعده الرئيس جمال عبدالناصر الذى كان يحبه كثيرا وذهب إلى بيته مرات عدة كلما أصابه ضيق، وأعطاه وسام الاستحقاق فى عيد العلم فى 19 ديسمبر 1965، وكان أول مقرئ يحصل على الوسام، كما كانت علاقته بالرئيس السادات جيدة للغاية، لدرجة أنه رافقه فى إسرائيل التاريخية وقرأ القرآن فى المسجد الأقصى، وتزامن موعد الزيارة مع عيد الأضحى المبارك، كما زار "مصطفى إسماعيل" القدس للمرة الثانية وقرأ القرآن الكريم به فى إحدى ليالى الإسراء والمعراج، لكن هذه الزيارة أغضبت بعض الدول العربية منه حتى إنها منعت تسجيلاته من البث فى إذاعاتها، وكان رأى الشيخ فى ذلك أنه قارئ قرآن وليس سياسيا، وإذا جاءت له الفرصة أن يقرأ القرآن فى المسجد الأقصى ولم يفعل ذلك سيكون جنونا، هكذا قال نجله "عاطف مصطفى إسماعيل" فى أحد الحوارات التى أجريتها معه عن والده على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون.
لقد قرأ الشيخ "مصطفى إسماعيل" فى العديد من دول العالم العربية والأوروبية، حيث زار أكثر من 25 دولة، فسافر إلى أمريكا وألمانيا وكندا ودول أفريقيا وماليزيا، وكان يفضل الذهاب إلى لبنان باستمرار لإحياء حفلات القرآن الكريم، وكانت تربطه علاقات وطيدة بالوزراء اللبنانيين، وحصل على وسام الأرز، كما حصل على العديد من الأوسمة والنياشين من الرؤساء والملوك.
حب من أول نظرة
ذهب "مصطفى إسماعيل" لقراءة القرآن فى أحد المعازى بدمياط، وتعرف على والد زوجته الشيخ "محمود عمر"، ومكث فى بيته 3 أيام طوال فترة العزاء، وشاهد ابنته "فاطمة"، وفى العام الثانى توجه إلى دمياط لإحياء الذكرى الثانوية، ففاتح والدها فى الزواج من ابنته، وتمت الموافقة على الزواج، وأنجب منها 6 أبناء، 3 ذكور، وهم عاطف وسمير ووحيد، و3 بنات، وهن إنجى وسامية وماجدة. توفى الشيخ فى 25 ديسمبر عام 1978 عن عمر يناهز 73 عاما تاركا إرثا كبيرا من التسجيلات والتلاوات النادرة للقرآن الكريم ما زالت تنقلها الإذاعات العربية؛ رحل بسبب جلطة بالمخ أثناء تواجده بالاسكندرية وتم عرضه على الدكتور "جمال عزب" أستاذ المخ والأعصاب، شيع جثمانه بالقرية التى ولد بها، وقد توجه شقيقه إلى قرية ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية لمقابلة الرئيس السادات لنقل وصية الشيخ "مصطفى" إليه بأن يدفن بمنزله، وعلى الفور أمر الرئيس السادات محافظ الغربية آنذاك ببناء ضريح بجوار منزله ونقله إليه، وأقيمت ليلة العزاء بمسجد عمر مكرم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة