حوار إبراهيم عبد العزيز مع الحكيم أنقذه من الأستغناء عنه
يشبه إبراهيم عبد العزيز الأبطال الذين يكتب عنهم، وأنا أفكر فى مسيرته، ليلة أمس، دعوت الله أن أكون فى دأبه، فلا يمر عام تقريبا، إلا ويخرج علينا بكتاب جديد يثرى المكتبة الثقافية، كان آخرها "هيكل وتوفيق الحكيم.. أزمة المثقف المصري"، ترك لى نسخة فى مكتب رئيس التحرير، وضعها فى ظرف وأحكم إغلاقه، فتحت الظرف لأجد إهداء سخيا، ذيّله بتواضع جم ومربك فى ذات الوقت "أخوك إبراهيم عبد العزيز"، أعرف أن الرجل يحبنى، وأتذكر دعمه الدائم لى طوال فترة توليه مسئولية مدير تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون، كان كريما معى، حين منحنى مكتبه الشخصى فور خروجه على المعاش، وكان سخيا، حين اختصنى بمجموعة من الأوراق الصحفية المهمة ومنها النادر عن مثقفين كبار.
المهم، أخذت الكتاب، بدا لى عنوانه من الوهلة الأولى تقليديا نوعا ما، يشى بوجبة دسمة من الثقافة، الكتاب واضح من عنوانه "هيكل وتوفيق الحكيم"، ومعهما الكاتب، أفضل محرر ثقافة قرأت له، إنه كتاب يحتاج إلى "روقان بال"، ويمكن استخدامه "كمرجع وقت الحاجة"، هكذا فكرت فى بداية الأمر، غير أن الأستاذ إبراهيم عبد العزيز كان ناصبا "فخ"، قادنى إليه الفضول فى "فر" الكتاب سريعا قبل النوم، "خذ فكرة واقرأ بكره"، وما أن بدأت فى أخذ الفكرة، حتى سرقنى الوقت، ما بين حكاية عن شيخ الكتاب توفيق الحكيم وقصة عن "الأستاذ" هيكل، ولم أنتبه إلا مع صوت المؤذن، يعلن عن الفجر، وأن الصلاة خير من النوم.
وهذا هو سر إبراهيم عبد العزيز، إن قابلته ولم تكن تعرفه، ستوحى لك هيئته – كعنوان الكتاب الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة- بالتقليدية، ملابسه الكلاسيكية، حقيبة أوراقه الجلدية، نظارته، أدبه الجم فى الحديث، "الشبشب" الذى يحتفظ به فى درج المكتب ويخرجه للوضوء مع كل صلاة، طريقته الهادئة والرصينة لمعالجة مشكلات العمل، كلها صور توحى لك - كذبا- بأنك أمام رجل كلاسيكى، بينما إن تتبعت طريقته فى العمل، وإن قرأت له، سيفاجئك!
دائما ما كنت أتساءل، أثناء توليه مدير تحرير المجلة، ما الذى يدفع كاتبا كبيرا مثله، له أكثر من 25 كتابا فى الثقافة، يحرص – مع مهام منصبه المتشعبة والمزعجة– أن يكون له موضوع صحفى شيق فى كل عدد، مع أنه بإمكانه، وبحكم تاريخه، الجلوس على مكتبه، يمارس سلطات المنصب، ويكتفى بالمقال الذى يكتبه؟
لكن إبراهيم عبد العزيز، ظل حتى خروجه على المعاش أو بالأدق حتى الآن، يتعامل مع نفسه بروح المتدرب الذى يبحث عن موضوع صحفى جديد يثبت به أقدامه. وهو السر الذى جعله كثير الدأب، وكان حصيلته مجموعة كتب، يمكن اعتبار معظمها مراجع مهمة، لمن يبحث فى حركة الثقافة المصرية فى عهدها الحديث، ولمن يفكر فى دراسة مسيرة أسماء لامعة، كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وطه حسين ويحيى حقى والأبنودى.. وغيرهم.
وروح المتدرب هذه، هى المنهج الذى اعتمده عبد العزيز، منذ بداية مسيرته الصحفية، وظل متمسكا به لأكثر من 40 عاما، وكما قال مولانا ابن عطاء الله السكندرى "من أشرقت بدايته، أشرقت نهايته".
فى كتابه حديث الصدور، استوقفتنى تلك البداية المشرقة والملهمة إنسانيا لإبراهيم عبد العزيز، لمست شيئا ما بداخلى، كان دافعا لقراءة كتابه حتى النهاية أو حتى الفجر، وهو أمر لم أقوَ عليه مع كتب أخرى منذ زمن.
ولن أتعرض لقصص الحكيم أو هيكل فى الكتاب فهما فى حاجة لكلام كثير له ناسه، ولكننى سأتوقف فقط عند المقدمة "حكايتى مع الكبار"، التى بدت لى فى كثير من سطورها كمشاهد فى فيلم سينمائى، يحكى عن قصة شاب جاء من دمنهور ليبحث عن فرصة للتدريب فى الصحافة، فحصل عليها فى مجلة "المصور" ودار الهلال، مع مجموعة من القادمين بتوصيات من شخصيات كبيرة أو مسئولة فى البلد، فتم تدريبهم فورا، بينما هو يتردد لشهور على مساعد رئيس التحرير، فيسأله فى كل مرة عن أفكاره واهتماماته ودراسته، وبعدها لا شىء، وطالت المسألة، حتى قال له والده: "ما زال أخوتك فى المدارس يحتاجون إلى نفقات وأنت قد كبرت وتخرجت، ولا أطلب معاونتك، ولكن يكفيك أن تكفى نفسك".
الجملة التى جعلته يبحث عن عمل آخر يساعد به نفسه، فأصبح عامل أسانسير بأحد فنادق الموسكى، يفتح باب الأسانسير بعد الظهر لزبائن الفندق، بينما يُفتح له باب الأسانسير فى "المصور" صباحا باعتباره صحفيا، مما جعل حالته النفسية تسوء، خاصة من البقشيش الذى يضعه له الزبائن فى جيبه، والذى أصبح عبئا حاول التخلص منه بالذهاب إلى صاحب الفندق وإعطائه إياه!.
ومن عامل للأسانسير إلى عامل فى مصنع ألبومات صور، لم يلقَ استحسان صاحب العمل، فيطرده، وحين يخرج مودعا زميل العمل الذى استقبله فى أول يوم بوجبة غداء، جبنة وعنب، يجد الزميل، يطالبه بثمن الوجبة!
لم ينجح إبراهيم عبد العزيز فى الجمع بين الصحافة ومهنة أخرى، فعاد إلى أحضانها متفرغا، ليعمل هذه المرة تحت قيادة ممدوح مهران - الذى ترأس بعد ذلك رئاسة تحرير جريدة النبأ- فبدأ يكلفه بموضوعات صحفية، لا ينسى أولها، الحوار مع الدكتور حمدى السيد، نقيب الأطباء فى هذا الوقت، اضطر عبد العزيز من أجل هذا التكليف أن يبيت فى أحد فنادق مصر الجديدة، حتى لا يفوته الميعاد الصباحى مع النقيب، فدفع 7 جنيهات للفندق من أصل 10 كان لا يملك غيرها، نام بملابسه دون عشاء، وفى الصباح ركب سيارة النقيب ليجرى معه الحوار لضيق وقته، ولم ينزل منها سوى عند مجلس الشعب، نزل عبدالعزيز ليضع حقيبته على رأسه كى تحميه من المطر، نزل فرحا بنجاحه فى المهمة الأولى.
لكن الصحافة قاسية، فرغم نجاحاته فى المهام الأولى التى كُلف بها، أعادت "المصور" إبراهيم عبد العزيز، للمربع صفر، أهمله مهران، وكان على عبدالعزيز أن يفكر فى الخروج من هذا المربع، وهنا جاءت الفكرة، حوار مع توفيق الحكيم، ودون انتظار موافقة من أحد، اتصل بشيخ الكتاب، وطلب منه إجراء حوار، فما كان من توفيق الحكيم إلا أن يرفض بطريقة مهذبة: "كلمنى بعد شهرين"، وما كان من المتدرب الجديد إلا أن يستكمل محاولاته: "فلتسمح لى بزيارتك لتهنئتك بالعام الجديد، التهنئة فقط".
وفى مكتب شيخ الكتاب، وافق الحكيم على التهنئة لكنه أعرب عن رفضه للحوار، وحين علم أن المحرر الشاب من دمنهور، أى أنهما بلديات، قرر أن يجبر بخاطره ويمليه مقالا، وأثناء التسجيل، تحول المقال إلى حوار امتد لساعة كاملة.
كان هذا الحوار، هو من أنقذ إبراهيم عبدالعزيز من قرار الاستغناء عنه، الذى اتخذه رئيس تحرير المصور مكرم محمد أحمد عن دفعة الشباب الجديدة، ورغم إعجاب رئيس التحرير به وبالحوار، لكنه قرر معاقبته بعدم نشر اسمه على الحوار، لأنه أجراه دون الرجوع لرؤسائه.
كانت صدمة لعبدالعزيز، علق عليها الحكيم ساخرا ومستنكرا: "كيف لا يكتبون اسمك، هل جاء أحد من السماء وأجرى حوارا معى دون أن أدرى؟"، وجبرا لخاطره، وقع له على النسخ التى جاء بها كاتبا عليها اسمه بخط اليد!
ومن المشاهد التى استوقفتنى كثيـــرا، مشهد إفلاس عبد العزيز فى هذا الأسبوع، وشعوره بالوقوع فى ورطة، فلم يكن ممكنا الاقتراض من الأقارب الذين يسكن معهم، وكان صعبا عليه أن يطلب من أحد فى دار الهلال والمصور وقد أحنقهم انفراده بحوار الحكيم، حتى جاءه الفرج من أعلى، ليصبح تحت قدميه، جاءه أثناء دخوله الحمام وعثوره على جنيه كامل على الأرض، أكل بنصفه وسافر بنصفه الآخر إلى دمنهور، حين كانت تذكرة الدرجة الثالثة بالقطار عام 1983 نصف جنيه.
وفى رحلة البداية، قد تجد إبراهيم عبد العزيز الواحدة صباحا فى سيارة عمال ليلية، لأنه لا يمتلك أجرة تاكسى، وقد تجده واقفا أمام أحد أقاربه، والقريب يطالبه بالبحث عن سكن آخر، لأن عبدالعزيز لا يفكر سوى فى الصحافة، بينما القريب يريد منه أن يفكر فى الزواج من إحدى قريباته، وفى مشهد آخر.. قد تجد عبد العزيز يبحث عن سرير فى بيت الشباب بالمنيل، مرة يجد وأخرى لا، وحين يفكر فى الحصول على توصية من رئيس المجلس الأعلى للشباب، ويحصل عليها بالفعل، تأتى التوصية بنتيجة عكسية، فيكون الرد دائما: "مفيش سرير فاضى"، مما يضطره للبحث عن سكن آخر، وحين يحصل عليه يكتشف أن أصحابه يقطعون عن البيت الكهرباء كل يوم من الساعة العاشرة مساء وحتى الصباح!
وفى مجلة المصور، تسمع مكرم محمد أحمد ينهره غاضبا، لأنه كرر ما فعله مع الحكيم، وأجرى حوارا مع سيد مرعى، وزير الزراعة، دون أخذ الإذن، وكاد أن يفقد فرصة التدريب لولا تدخل سكرتير التحرير، الذى تعهد له بالوساطة بينه وبين مكرم، على أن يتسلم منه الحوارات والموضوعات التى يجريها ليسلمها بنفسه لرئيس التحرير. وبعد شهور من تسليم الموضوعات والحوارات المتفق عليها، ورد سكرتير التحرير بأنها لا تنشر "لأنك تحت التمرين"، يفاجأ إبراهيم عبدالعزيز أن سكرتير التحرير يبيع تلك الموضوعات لصحف عربية.
ولما استيأس من عدم نشر ما يكتبه أو وجود فرصة للتعيين، قرر أن يبحث عن مكان آخر، فكانت "مجلة الإذاعة والتليفزيون". ليبدأ فصلا جديدا مع مهنة المتاعب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة