أثارت جلابية مواطن مصري دخل بها المتحف الكبير لغطا بين معارض ومتعاطف ، إلي درجة أن مذيعا شهيرا كعمرو أديب فاجأنا متحديا في برنامجه " الحكاية " وهو يرتدي الجلابية ومعها العصا لمن عصى .. بزيادة .. مدافعا عن من يهاجم " الجلابية " !
وربما بنظرة تأمل يمكن القول أنه لا يجوز الدخول علي ملوك مصر العظام بالجلابية ، يجب مراعاة البروتوكول في حضرتهم حتي لو كانوا محنطين في توابيتهم أو شامخين في تماثيلهم ، ألم تستقبل فرنسا – سبعينات القرن الماضي - مومياء الملك رمسيس الثاني بإطلاق أربع وعشرين طلقة ، كما تستقبل الملوك والرؤساء ؟ ، رغم أنه لم يجئهم زائرا بل للعلاج وترميم موميائه ، فكيف يكرم الأوروبيون ملوكنا صناع الحضارة ، بينما نحن أحفادهم نستهين بهم ؟!
إذا كانت هذه هي النظرة – البريئة - لمن لبس جلبابا في حضرة ملوكنا .. فلا بأس ، لأن مواطنا لن يجرؤ للدخول بالجلابية علي مديره أو رئيسه في الشغل ، وقد نشرت الصحف منذ سنوات أنه تم تحويل موظف بإحدى القرى للتحقيق لأنه ذهب إلي مقر عمله بالجلابية .
***
نحن لسنا ضد الجلابية .. فهي تكاد تكون الزي المصري الشعبي المميز ، فكما نلاحظ أنه لا يوجد للمصريين زي وطني كما لإخواننا في الخليج مثلا ، ولكن هناك عرف وتقاليد يجب مراعاتها ، والمثل يقول " كل اللي يعجبك والبس اللي يعجب الناس " ، يقاس عليه مثل آخر أو ما يشبه المثل " إذا كنت في روما فتكلم لغة روما " ، وإلا لن يفهمك أحد .
في بيتك ارتدى ما بدا لك ، ولكن حين الخروج للشارع يختلف الأمر ، إلا إذا أردنا لفت الأنظار .. فهذه مسألة أخري .
ولذلك أنا ذات نفسي اندهشت حينما ذهبت لإجراء حوار مع المخرج الكبير إسماعيل عبد الحافظ في أحد استديوهات التليفزيون المصري – تسعينات القرن العشرين - أثناء الاستراحة بين تصويره لمشاهد أحد مسلسلاته ، تهت في البداية وأنا أبحث عنه وقد مررت عليه بناظري فظننته أحد الممثلين في أحد الأدوار ، ولكنني بعد التركيز وجدته يرتدي الجلابية بين الممثلين ، فرحب بي وأجريت معه الحوار المطلوب ، ولكنني بعد ذلك لما تأملت الموقف قلت لنفسي : عادي .. أليس فنانا .. ويقال : إن الفنون جنون – يلبس جلابية ، يسدل شعره علي كتفيه ، يعمل زعروره ، يلبس شبشب ! – حجته معه .. إنه فنان .
قد يكون الفنان حالة استثنائية ، وإن كان بعضهم خاصة الفنانات يتجاوزن الحد في ملابسهن الصارخة والساخنة ، خاصة في مهرجانات السينما ، وفي هذه الحالة يكون تعمد القصد والنية للفت الأنظار وإثارة الضجيج حولهن ، وغالبا من تفعل ذلك ممثلة درجة ثانية أو ثالثة ، أو تكون ممن انحسرت عنهن الأضواء .
كان آخر عهدي بأنيس منصور حينما استقبلني بالجلابية واعتذر بأنه لن يستطيع الجلوس ، واصطحبنى معه إلي حجرة نومه – بسيطة جدا : سرير عادي ودولاب أكثر من عادي – استلقي علي سريره ووضع جهاز التسجيل علي بطنه ! وكان آخر حوار معه .. ولم يكتمل ، فقد اشتد عليه مرض النهاية .
وقد استخدمت الجلابية كقناع لعمل وطني أثناء العدوان الثلاثي ، حينما كلفت الإذاعة سعد زغلول نصار لنقل تسجيل حي للعدوان ، ولكنه منع من دخول المدينة ، فخلع وسائقه ملابسهما واستبدلاها بالجلباب ، واندمجا مع الصيادين ، ونجحا في دخول بورسعيد لأداء مهمتهم .
سرحت بنا الجلابية عن الحكاية الأصلية لموضوعنا عن واقعة طريفة منذ حوالي تسعين عاما ، كان بطلها أيضا " الجلابية " ، ولكن أطرافها ناس " كبارة " يعني أحمد شوقي أمير الشعراء ، وشاعر صاعد واعد في عصره اسمه محمود أبو الوفا ، وحكايتهم حكاية يرويها الشاعر محمود أبوالوفا بنفسه للكاتب الصحفي عبدالقادر حميدة في حواره معه علي صفحات مجلة " التحرير " عدد 5 مايو 1959 ، وكان مديرها العام أنور السادات ، وهو منصب يعادل رئيس مجلس الإدارة .
يحكي الشاعر محمود أبو الوفا قصته مع شوقي والجلابية قائلا :
حدث أن دعت الدولة إلي مسابقة لإقامة مهرجان لتكريم أحمد شوقي ، وكونت لذلك لجنة رسمية تفحص شعر المتسابقين لاختيار قصيدة واحدة تلقي في المهرجان ، ودخلت المسابقة ..
كانت مفاجأة لي أن تختار قصيدتي من بين مئات القصائد التى وفدت من الهند وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والعراق والجزائر ومصر .. الخ .
كان مفروضا علي صاحب القصيدة الفائزة أن يلقيها في المهرجان ، وذهبت يومها إلى معهد الموسيقي – مكان الاحتفال – فاستقبلني الموسيقار عبد الوهاب وهنأني بالفوز ، ثم انتحي بي جانبا في البوفيه ليسقيني شيئا ساخنا – أسلك به حنجرتي .. علي حد تعبيره – وبعد لحظات وصل شوقي .. فلما رآني مع عبد الوهاب أبدي تأففه واشمئزازه مني ، ثم انفرد بعبد الوهاب بعيدا عني ، وبعدها سمعت صوت شوقي يصيح من الداخل : يانا ياهوه !
وذهبت لأعرف الخبر ، وعرفته ..
كان شوقي يرفض إلقائي القصيدة لأني مهيض الساق ولأنني أرتدى جلبابا ، فبادرته بقولي : بل أنا الذي أخرج يا شوقي بك ، لأنك " العريس " ..
وهكذا طردت بأسلوب لا أحسد عليه طبعا .
والحقيقة أن الصدمة كانت عنيفة وقوية ، أهكذا يصنع بي ربيب القصور والأمراء ؟ ألأني مهيض الساق وأرتدي جلبابا .. أهان هذه الإهانة ؟ ثم ما هي العلاقة بين هذا وبين القصيدة التي اكتسحت في طريقها شعراء أكثر من عشر دول ؟ .
أفزعني أن يكون هذا هو – حاضري – كشاعر ، وأشفقت على مستقبلي في بلد تقرر فيها المصائر على هذا النحو ، وقررت الانتحار ، وكتبت رثاء في نفسي :
( في ذمة الله نفس ذات آمال
وفي سبيل العلا هذا الدم الغالي
بذلته لم أذق في العمر واحدة
من الهناء ولا من راحة البال
كأنني فكرة في غير بيئتها
بدت فلم تلق فيها أي إقبال
أو أنني جئت هذا الكون عن غلط
فضاق بي رحبه المأهول والخالي ) .
وخنقت في نفسي فكرة الانتحار بعد أن لاح لي وجه أمي .
يستكمل الشاعر محمود أبو الوفا قصته الدرامية مع أمير الشعراء قائلا لعبد القادر حميدة :
تصور يا صديقي أن النفوس الطيبة لا تفقد طيبتها وشفافيتها وسط الأوحال والعفونات ..
حدث بعد أن عملت في " المقتطف " ، وكان فؤاد صروف رئيس التحرير يعرف حكاية شوقي معي ، أن قدم لي الجزء الثاني من " الشوقيات " لمناقشته ، وطلب إلي أن أكتب مقالي وأبعث به إلي المطبعة دون عرضه عليه – كان يريد بذلك أن يمنحني فرصة الانتقام من شوقي ، علي أني كتبت المقال وأشدت فيه بشاعرية شوقي وأصالته – كنت أومن بأن العلاقات الشخصية شئ ، والعمل الفني شئ آخر ، لهذا لم أدخل في حساب التناول النقدي مسائل شخصية .
وقرأ شوقي المقال ودهش .. كيف أشيد بديوانه علي هذا النحو ، وهو الذي طردني ذات يوم شر طرده ؟
ودعاني شوقي لمقابلته فرفضت .. قلت لرسوله : إنني عند موقفي من شوقي كشخص لا كشاعر .
حتي جاء ذات يوم أصبحت قصائدي حديث الناس بعد أن ذاعت علي صفحات " المقتطف " .. في ذلك الوقت كانت " رابطة الأدب الجديد " تتخذ مقرها في الإسكندرية ، وفكر الشاعر زكي أبو شادي نقلها للقاهرة ، لكنه أراد أن يكون نقلها مصحوبا بمناسبة يلتقي في ظلالها الشعراء والأدباء والمفكرون ، وهداه تفكيره إلي إقامة حفل تكريم لي .
المهم في كل هذا أن داود بركات رئيس تحرير " الأهرام " حينذاك جاءني وأبلغني برغبة شوقي في الاشتراك في حفل تكريمي ، تكفيرا عن الغلطة التى ارتكبها في حقي ، ورفضت ذلك .. كنت أتمثل اللحظة التي طردت فيها ، فلا أطيق مجرد ذكرها ، حتي جاء اليوم الذي أشرت إليه " حفل تكريمي " قرأ علي صديقي كامل كيلاني ( مؤسس أدب الأطفال ) قصيدة كتبها شوقي خصيصا لحفل تكريمي – والحقيقة التي لا أنكرها هي أن كل صروح البغضاء التي أقيمت في نفسي انهارت جميعها عند سماعي للقصيدة ، وأحسست أن الرجل يشعر بالذنب فعلا ، وأنني يجب أن أقبل توبته .
وجريت من فوري إلي مكتبه بشارع جلال ، وأصبحت من يومها صديقا وحميما وعزيزا علي شوقي ، وقضيت في صحبته 11 سنة تنضح أجمل الذكريات .
في الحقيقة أراد شوقي أن يسحب رجلي إلي القصر .. عرض علي أن أكتب بيتين من الشعر في مدح إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء ، تمهيدا لإعطائي منصبا هاما ، وتمهيدا لإيفادي إلي الخارج بقصد تركيب ساق صناعية ، فرفضت .. وعلم إسماعيل صدقي بهذا الرفض فأثنى علي موقفي ، وأوفدني إلي فرنسا للعلاج ، ومع هذا لم أكتب بيتا لشكره .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة