من القاهرة إلى القاهرة

ليس كل ما يدور في أروقة الساسة يُكتب في البيانات، وليس كل ما يُطرح في اللقاءات يكشف وحده ما وراءها. ففي عالم تتبدل فيه خرائط القوة، وتتقاطع فيه أزمات الحرب مع طرق التجارة، وتتحول فيه الممرات البحرية إلى جزء من معادلات الأمن، قد لا تكون دلالة المشهد في اجتماعٍ واحد، وإنما في تتابع اللقاءات، وتعدد الأطراف، والموضوعات التي تعود إلى الطاولة كل مرة من زاوية مختلفة، تفرض نفسها على جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

ومن هنا، فإن قراءة حركة الاتصالات واللقاءات التي شهدتها القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة، وما ارتبط بها من لقاءات للرئيس عبد الفتاح السيسي في عواصم أخرى، تكشف مشهدًا تتقاطع فيه دوائر تبدو للوهلة الأولى متباعدة: بكين والرياض ورام الله وموسكو وطهران وبريتوريا ونيودلهي والأمم المتحدة وواشنطن.

لكنها، عند التأمل العميق، ليست دوائر منفصلة.. فوراءها بحرٌ أحمر، وبابُ مندب، وقناةُ سويس، وغزة، ويمن، وإيران، وسودان، وقرنٌ إفريقي، وأمنُ طاقة، وتجارةٌ دولية، وممراتٌ بحرية.. وكأنّ الجغرافيا نفسها هي من تتولى كتابة جدول الأعمال.

ومن الصين يبدأ المشهد.. ففي الأول والثاني من سبتمبر الجاري، استقبلت القاهرة الرئيس الصيني شي جين بينج، في زيارة تزامنت مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي علاقات تطورت إلى شراكة استراتيجية شاملة منذ عام (2014). ولم تقتصر المباحثات على التعاون الثنائي، وإنما امتدت إلى القضايا الإقليمية والدولية، والتنسيق بشأن التطورات السياسية والأمنية، وسُبل تعزيز التعاون في أُطر متعددة، في عالمٍ يشهد تغيرات متسارعة.

وهنا تبدأ أولى الإشارات التي تستحق التوقف.. فالقاهرة، وهي تتحدث مع بكين، لا تضع العلاقة في إطار اقتصادي منفصل عن المشهد الدولي؛ بل تقرأها في سياق إعادة تشكيل موازين القوة، وتطرح في الوقت نفسه قضايا تتصل بالأمن الإقليمي، وإدارة الأزمات، وحرية الملاحة. وفي الجانب الآخر من المعادلة، تتقدم الأبعاد الاقتصادية بخطى موازية؛ من الاستثمارات والمشاريع الصينية الضخمة فى منطقة قناة السويس، حيث اتفق البلدان خلال زيارة الرئيس الصيني على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية ــ الصينية، بما يفتح مجالات جديدة للطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية. وهنا لا تعود قناة السويس مجرد ممر تعبره السفن، وإنما تتحول الجغرافيا المحيطة بها إلى مساحة للصناعة والاستثمار والخدمات اللوجستية، تتصل فيها حركة التجارة بحسابات السياسة والأمن.

أي أن بداية المشهد نفسها تجمع بين النظام الدولي والاقتصاد والأمن الإقليمي.

ومن بكين إلى الرياض... يدخل البحر الأحمر إلى المشهد.. ففي الخامس عشر من سبتمبر الجاري، وتحت سماء القاهرة، التقى الرئيس السيسي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وخلال اجتماعهما برزت ملفات أمن المنطقة وحرية الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، إلى جانب القضية الفلسطينية واليمن والسودان. وأكد الرئيس السيسي دعم مصر للجهود السعودية الرامية إلى حماية أمن المملكة واستقرارها، مع التشديد على التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية، كما أكد الجانبان أهمية استمرار التنسيق إزاء التطورات الإقليمية.

وهنا لا يعود البحر الأحمر مجرد ممر مائي على الخريطة.. فباب المندب يفتح الطريق أمام حركة الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس، وأي اضطراب في هذه السلسلة لا يبقى أثره داخل حدود اليمن أو الدول المطلة على البحر، وإنما يمكن أن يمتد إلى حركة التجارة والطاقة وتكاليف النقل، وبالتالي إلى حسابات الاقتصاد الدولي.

وبالنسبة إلى مصر تحديدًا، تكتسب المسألة بعدًا إضافيًا؛ فقناة السويس ليست ممرًا ملاحيًا أو منفذًا جغرافيًا فحسب، وإنما أحد أهم شرايين الاقتصاد وحركة التجارة الدولية. وقد أظهرت أرقام العام المالي (2025/2026) أن إيرادات القناة ارتفعت إلى نحو (4.67) مليار دولار، بزيادة (23%) عن العام السابق، مع ارتفاع أعداد السفن العابرة (10%) والحمولات (22%), إلا أن هذه المؤشرات ظلّت دون مستويات ما قبل اضطرابات البحر الأحمر، بعدما اضطرت خطوط ملاحية عديدة إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح.

ومن هنا يصبح أمن الطريق المؤدي إلى قناة السويس جزءًا من الحسابات المصرية للأمن القومي والاقتصاد معًا؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بما يحدث في باب المندب، وإنما بما يمكن أن يحدث بعده، وعلى امتداد الطريق الذي يربط البحر الأحمر بالتجارة العالمية.

وحين يدخل الحوثيون إلى المشهد, تبرز مسألة أخرى.. فقد تناولت بعض التقارير الصحفية رواية عن مقترح حوثي لإجراء اتصالات مباشرة مع جهات مصرية بشأن تنظيم الملاحة وتأمين حركة السفن في باب المندب والبحر الأحمر، وأشارت تلك التقارير إلى أن المقترح وصل إلى الجانب المصري عبر غرفة الملاحة البحرية الدولية في لندن، والمعروفة اختصارًا بـ (آي سي إس), بهدف فتح قنوات اتصال مع هيئة قناة السويس والموانئ البحرية. وبحسب الرواية نفسها، رفضت القاهرة الدخول في هذا المسار، خشية أن يتحول الاتصال الرسمي إلى اعتراف ضمني بسلطة جماعة لا تمثل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فيما ذهبت التقارير إلى إحالة المقترح إلى جهات أمنية مصرية للتعامل معه بعيدًا عن القنوات الرسمية المباشرة.

غير أن الدقة تقتضي هنا التوقف عند نقطة أخرى؛ فقد أصدرت غرفة الملاحة البحرية الدولية نفسها بيانًا في الخامس عشر من سبتمبر نفت فيه ما وصفته بالتقارير الإعلامية التي توحي بوجود تواصل بينها وبين الحوثيين، مؤكدة أنها لم تتلق طلبًا ولم تُجرَ معها مشاورات بهذا الشأن، وأنها لم تنقل أي معلومات أو موقف إلى الحوثيين أو عن طريقهم.

ومن ثم، فإن تفاصيل مسار المقترح تظل في إطار رواية صحفية منسوبة إلى مصادر مصرية، وليست موقفًا رسميًا مصريًا معلنًا ولا واقعة تؤكدها غرفة الملاحة الدولية نفسها.

أما المعلن رسميًا من القاهرة، فهو أوضح: حرية الملاحة وأمنها، دعم أمن المملكة السعودية، والتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

واللافت أن هذه النقطة تحمل دلالة تتجاوز اليمن؛ فثمة فارق بين إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وبين منح طرف ما صفة رسمية، وفارق آخر بين معالجة خطر يهدد الملاحة وبين التعامل مع جهة مسلحة باعتبارها صاحبة سلطة مستقلة على أحد أهم الممرات البحرية.

ومن هنا، لا يعود السؤال الحقيقي: كيف نوقف الخطر..؟
وإنما: بأي قواعد يتم التعامل معه، ومع من، وعلى أي أساس..؟

والبحر يقود إلى الخليج... ومن الخليج تُطل إيران.. وهنا تأتي لقاءات نيودلهي ومحطات قمة "بريكس" لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فقد التقى الرئيس السيسي خلال القمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، إلى جانب لقاءات واتصالات أخرى تناولت ملفات إقليمية ودولية متعددة.

وفي لقائه بالرئيس الروسي، حضرت مشاريع الضبعة والمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن الغذائي والسياحة. وفي لقائه بالرئيس الإيراني، أكد السيسي دعم جهود استعادة الاستقرار، ودعا إلى وقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية شاملة ومستدامة، مع التشديد على صون سيادة دول المنطقة ووقف الاعتداءات على الدول العربية.

أما لقاء جوتيريش، فيكتسب دلالة خاصة من توقيته؛ فالأمين العام للأمم المتحدة يقترب من نهاية ولايته الثانية التي تنتهي في الحادي والثلاثين من ديسمبر المقبل، فيما دخلت المنظمة الدولية بالفعل مرحلة انتقالية استعدادًا لاختيار خليفته. ويأتي لقاؤه بالرئيس المصري في أواخر أيام ولايته، وفي لحظة تحمل فيها أجندة الأمم المتحدة عددًا من الملفات التي تتقاطع مع ما تبحثه القاهرة: غزة، والسودان، والأزمات الإقليمية، ومستقبل النظام الدولي.

وهنا تتضح أهمية "بريكس" في هذا السياق؛ فهي منصة تتقاطع فيها قوى متعددة، تحضر فيها روسيا وإيران ودول آسيوية وإفريقية، وتلتقي على طاولتها حسابات الاقتصاد والأمن والطاقة والتجارة والأزمات الإقليمية، بينما تتحرك القاهرة من خلالها في أكثر من اتجاه. وبين هذه الدوائر، تبدو مصر حريصة على أن تسمع وتُسمِع، وأن تطرح مواقفها حتى مع الأطراف التي تختلف مصالحها أو حساباتها.

ثم تعود فلسطين إلى قلب المشهد.. ففي السادس عشر من سبتمبر، استقبل الرئيس السيسي الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأكد أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية في المنطقة إلى حين التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة، مع التمسك بإقامة الدولة الفلسطينية على خطوط الرابع من يونيو (1967) وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا لمقررات الشرعية الدولية، إلى جانب تكثيف التنسيق السياسي بشأن التطورات الجارية.

وفلسطين هنا ليست ملفًا منفصلاً عن بقية الملفات.. فغزة تتصل بالأمن الإقليمي، وبحركة الحدود والمساعدات، وبالمسارات السياسية والدبلوماسية، كما تتقاطع تداعيات الحرب في غزة مع البحر الأحمر والملاحة والطاقة والعلاقات بين القوى الإقليمية والدولية. ولهذا تظل القضية الفلسطينية حاضرة في أكثر من لقاء، حتى عندما يكون عنوان اللقاء مختلفًا؛ فهي تظهر في الحديث مع الصين، وتعود في اللقاء السعودي، وتحضر في لقاءات بريكس، ثم تأتي بصورة مباشرة في لقاء الرئيس الفلسطيني، ليتكشف اتساع الدوائر التي تتصل بها القضية.

وفي السودان والقرن الإفريقي... تقترب الجغرافيا أكثر.. فالسودان، بحكم موقعه واتصاله المباشر بأمن البحر الأحمر والحدود المصرية الجنوبية، لا يمكن فصله عن الصورة الأوسع. وكذلك القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الممرات البحرية والتجارة والأمن الإقليمي مع ملفات الصومال واليمن والبحر الأحمر، لتصبح الجغرافيا هنا طرفًا حاضرًا في حسابات الأمن والسياسة.

ولهذا كله، لم يكن غريبًا أن تلتقي خيوط المشهد في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف في القاهرة بالأمس القريب، بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد ــ الذي لم يغب أيضًا عن اللقاء الذي عُقد مع ولي العهد السعودي ــ؛ فالمباحثات اتسعت من العلاقات المصرية الأمريكية إلى إيران، وأمن الملاحة الدولية، وغزة، والسودان، والصومال والقرن الأفريقي، والتنسيق الأمني والاستخباراتي.

وهنا تحديدًا تتكشف صورة المشهد كاملة: ملفات تبدأ من البحر الأحمر ولا تنتهي عنده، تمتد من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى إيران، ومن أمن الممرات البحرية إلى استقرار القرن الإفريقي. وما بدا طوال الأسابيع الماضية ملفات متباعدة، بدا في هذا اللقاء كأنه أجزاء لخريطة واحدة.

ويأتي البيان المصري الصادر عن مؤسسة الرئاسة عقب اللقاء ليضع لهذه الخريطة خطوطها التفصيلية؛ إذ تناول العلاقات المصرية الأمريكية والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية، ثم انتقل إلى غزة ووقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وحل الدولتين، وتطرق إلى الأزمة الإيرانية وحرية الملاحة الدولية، كما شملت المباحثات السودان والصومال والقرن الإفريقي، إلى جانب الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات.

وعند هذه النقطة تكتمل ملامح الدائرة الأوسع.. فما انطلق مع الصين من أسئلة كبرى حول إعادة تشكيل موازين القوة العالمية، مرّ بالسعودية وأمن البحر الأحمر، وتجسد في أزمات اليمن وباب المندب، وامتد إلى الخليج وإيران، ثم عاد إلى قلب القضية الفلسطينية في غزة، واتسع إلى السودان والقرن الإفريقي، قبل أن تتشابك خيوط هذه الملفات بأسرها في القاهرة، على طاولة الرئيس عبد الفتاح السيسي وضيفه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف.

وربما لهذا تكتسب زيارة راتكليف دلالة خاصة في سياق المشهد؛ فهي لم تأتِ لبحث ملف واحد، ولم يُختزل اللقاء في العلاقات المصرية الأمريكية وحدها، بل جاءت موضوعاته متشابكة على نحوٍ أعاد جمع الملفات التي ظهرت خلال الأسابيع السابقة في حزمة واحدة.
وبعيدًا عن البيانات الرسمية، قرأت صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية الصادرة باللغة الإنجليزية المباحثات المصرية ــ الأمريكية في ضوء العلاقات مع واشنطن وطهران والدول العربية، وربطت بينها وبين أمن البحر الأحمر وباب المندب، وكذلك التداعيات الاقتصادية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الملاحة في قناة السويس. وهذه قراءة صحفية للمشهد، ينبغي تمييزها عن المواقف الرسمية المعلنة في البيانات الرئاسية.

واللافت أن تعدد هذه الاتصالات لا يلغي ثوابت الموقف المصري؛ فالقاهرة تختلف رسائلها باختلاف الأطراف والملفات، فهي لا تتحدث إلى بكين بالطريقة نفسها التي تتحدث بها إلى الرياض، ولا تحمل إلى طهران الرسالة نفسها التي تحملها إلى واشنطن، لكنها تلتقي عند ثوابت مصرية تجاه قضايا تتكرر عبر أكثر من مسار: أمن الدول وسلامة أراضيها، وحرية الملاحة، ورفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية واحترام القانون الدولي. ومن هنا، فإن دلالة هذه اللقاءات لا تكمن في عددها أو توقيتها أو أسماء أطرافها فحسب، وإنما فيما تكشفه من تقاطع في الرؤى وتداخل في القضايا.

فالأهم هو ما تكشفه طريقة توزيع الملفات نفسها.. فالأمن لا يظهر منفصلاً عن الاقتصاد، والملاحة ترتبط بقناة السويس، واليمن يمتد أثره إلى الخليج، وإيران تتقاطع مع أمن الدول العربية، وغزة تتداخل مع أمن المنطقة، بينما يظل السودان والقرن الإفريقي على تماس مباشر مع البحر الأحمر.. إنها شبكة واحدة، وإن اختلفت عقدها، وتعددت أطرافها وملفاتها.

فمن القاهرة إلى القاهرة... ليست المسألة حركة جغرافية بين عواصم، بقدر ما هي مسارات سياسية وملفات إقليمية تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة.

تتغير الوجوه، وتتبدل القضايا، وتختلف الرؤى والحسابات، لكن الأسئلة الكبرى تعود مرة أخرى إلى المكان نفسه: كيف يُحمى الأمن؟ كيف تبقى الملاحة مفتوحة؟ كيف تُدار الأزمات من دون أن تتحول إلى حروبٍ أوسع؟ وكيف تحافظ الدولة على مصالحها وسط إقليم تتغير فيه موازين القوة بسرعة؟

وفي هذه المساحة تحديدًا، تكشف اللقاءات الأخيرة عن سياسة تقوم، في صورتها المعلنة، على تعدد دوائر الاتصال، والتمسك بقنوات الحوار، وربط الأمن بالاستقرار، وربط الاستقرار بالتجارة والملاحة، مع إبقاء القضايا الإقليمية الكبرى داخل إطار الدولة والقانون الدولي والحلول السياسية.

وحين تصبح الممرات البحرية جزءًا من الصراع، تصبح قناة السويس جزءًا من الحسابات.. وحين تمتد الأزمات من غزة إلى البحر الأحمر واليمن والخليج وإيران والسودان والقرن الإفريقي، يصبح موقع مصر الجغرافي حاضرًا في السياسة الخارجية وفاعلاً في مستجداتها.

وحين تتعدد القوى، من واشنطن إلى بكين وموسكو وطهران والعواصم العربية والإفريقية، تصبح قنوات الاتصال نفسها جزءًا من أدوات إدارة التعقيد.

ولهذا، ربما لا ينبغي أن يكون السؤال في النهاية: إلى أين ذهبت القاهرة؟ ومن الذين استقبلتهم؟

فالمشهد، في مجمله، يقود إلى سؤال أكبر وأدق: ما الذي جمع كل هذه المسارات عند نقطة واحدة؟ وكم طريقًا، مهما تباعدت بداياته، يمكن أن يلتقي في القاهرة؟

ومن القاهرة.. إلى القاهرة، لا تبدو الجغرافيا مجرد خطوط صامتة على الخريطة، بل مفتاحًا نافذًا لقراءة السياسة. فما يجري في العواصم البعيدة قد تتبدل مسافاته، وتتعدد أطرافه، لكن خيوطه الدقيقة تعود، في لحظة مفصلية، لتلتقي عند نقطة واحدة؛ حتى يتبدى جليًا أن المسارات، مهما تباعدت بداياتها وتشعبت طرقها، تعرف في النهاية طريقها إلى القاهرة.

لتكتمل الدائرة الكبرى..
من القاهرة... إلى القاهرة.

أخبار مصر

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
أيمن عدلي
عبد الوهاب خضر
محمود علام

المزيد من مقالات

من القاهرة إلى القاهرة

ليس كل ما يدور في أروقة الساسة يُكتب في البيانات، وليس كل ما يُطرح في اللقاءات يكشف وحده ما وراءها....

آداب طالب العلم

يعد طلب العلم في الإسلام رسالة سامية تتجاوز حدود التحصيل الذهني إلى بناء الإنسان روحا وسلوكا، فهو عبادة قلبية تقرب...

مصر وقضايا المنطقة.. ثقل دولة وحكمة قيادة

في السياسة الدولية، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها الجغرافي وحده، ولا بعدد ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية، وإنما بقدرتها...

المدرسة كمؤسسة لبناء السلوك والأخلاق

تعد المدرسة المؤسسة الرسمية التي تقوم على تربية النشء وتعليمهم مبادئ العلوم والأخلاق والقيم والاتجاهات، وتنشئتهم التنشئة الصالحة التي تخرج...


مقالات

من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م
توقير أهل العلم شرط النهضة الحضارية
  • السبت، 19 سبتمبر 2026 12:00 م