ليست كل القمم متساوية في دلالاتها، وليس كل اجتماع بين ثلاثة قادة يمكن قراءته فقط من خلال ما جاء في مؤتمراته الصحفية أو بياناته الختامية. ففي السياسة، قد يكون المكان رسالة، وقد يكون التوقيت رسالة أخرى، وقد يشي ترتيب المشهد كله بما لا تقوله الكلمات التي تُتلى للصحافة. من هذه الزاوية، تبدو القمة المصرية ــ اليونانية ــ القبرصية التي استضافتها مدينة العلمين الثلاثاء الثامن من سبتمبر الجاري، في توقيت انعقاد معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، جديرة بقراءة تتجاوز جدول أعمالها المًعلن إلى ما وراءه.
بقلم محمود علام
فقد اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في إطار آلية التعاون الثلاثي التي تحولت، منذ إطلاقها في القاهرة عام 2014، إلى أحد أطر التعاون الإقليمي المستقرة في شرق المتوسط.
بدت القمة امتدادًا طبيعيًا لمسارٍ قائم: تعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والسياحة والتعليم والثقافة، وتنسيق في ملفات الهجرة والأمن، فضلاً عن بحث التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. غير أن السياسة لا تُقرأ على الأوراق وحدها.
فلماذا الآن؟.. هذا هو السؤال الأول الذي يفرض نفسه.
لقد جاءت قمة العلمين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؛ فشرق المتوسط لم يعد مجرد ساحة للتنافس على الغاز وترسيم الحدود البحرية، وإنما أصبح جزءًا من شبكة أوسع من الترتيبات الأمنية والتحالفات المتغيرة. وفي الخلفية تتقاطع ملفات عدة: التوترات اليونانية ــ التركية في بحر إيجة، والتقارب المصري ــ التركي المتنامي، والعلاقات اليونانية ــ الإسرائيلية التي اكتسبت بعدًا دفاعيًا جديدًا، إلى جانب إعادة تشكيل خرائط الأمن والطاقة في المنطقة.
لهذا لم يكن مصادفة أن تُعنّون صحيفة "كاثيميريني" اليونانية تحليلها المنشور يوم انعقاد القمة بعنوان لافت: "التوقيت هو كل شيء في العلاقات المصرية ــ اليونانية".
وذهبت الصحيفة إلى أن أهمية لقاء ميتسوتاكيس والسيسي لا تكمن فقط فيما دار خلاله، وإنما في توقيته، وفي حاجة الطرفين إلى تأكيد أن التقارب مع أطراف أخرى لا يعني إعادة رسم خريطة العلاقات القائمة أو الانتقاص من أهميتها.
ولعل ما يزيد من حساسية هذا التوقيت أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي جمعت تركيا والسعودية وباكستان في أغسطس الماضي، كانت حاضرة في خلفية المشهد الإقليمي قبيل القمة. وكان ميتسوتاكيس قد أشار، قبل وصوله إلى مصر، إلى محدودية التفاصيل المتاحة بشأن الاتفاقية، مؤكدًا أنها تطور يستحق المتابعة. وفي ظل ارتباط اليونان وقبرص بحسابات أمنية وجيوسياسية مباشرة مع تركيا، بدا طبيعيًا أن يحظى هذا الترتيب الجديد باهتمام لدى أثينا ونيقوسيا، وأن يكون أحد الملفات التي تتقاطع حولها الرؤى مع القاهرة، ولا سيما في ضوء عدم انضمام مصر إلى الاتفاقية.
وهنا تحديدًا تظهر خصوصية الموقف المصري.
فالقاهرة لا تتحرك في شرق المتوسط بمنطق الانضمام إلى محور في مواجهة محور آخر؛ وإنما تبدو حريصة على الاحتفاظ بروابط الصلة ومساحات الحركة مفتوحة مع الجميع، دون أن تسمح لعلاقة منفردة بأن تتحول إلى قيد على خياراتها الاستراتيجية.
وهذه نقطة بالغة الأهمية في قراءة العلاقة المصرية ــ التركية الحالية. فالتقارب بين القاهرة وأنقرة يتقدم في عدد من المجالات، بما فيها التعاون الدفاعي، لكنه لا يعني أن مصر بصدد إعادة تعريف علاقاتها مع أثينا ونيقوسيا. وفي المقابل، فإن استمرار الشراكة المصرية ــ اليونانية ــ القبرصية لا يعني أن القاهرة اختارت موقعًا معاديًا لتركيا، من هنا ندرك أن مصر تنتهج سياسة الموازنة، لا سياسة الاصطفاف.
ويؤكد ذلك أن البيان المشترك للقمة لم يكتفِ بتأكيد العلاقات التاريخية بين الدول الثلاث، بل شدّد على دعم السلام والأمن والاستقرار في شرق المتوسط والشرق الأوسط، وعلى احترام السيادة والاستقلال وسلامة الأراضي، والالتزام بالقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فيما يتعلق بالمناطق البحرية.
وهذه اللغة ليست إطارًا بروتوكوليًا فحسب؛ فعندما تأتي الإشارة إلى القانون الدولي والمناطق البحرية في قمة تجمع مصر واليونان وقبرص، في لحظة تشهد فيها المنطقة خلافات متراكمة حول الحدود والمجالات البحرية، فإنها تحمل بطبيعتها بعدًا سياسيًا يتجاوز الصياغة الدبلوماسية التقليدية المعهودة، إلا أن ثمة رسالة أخرى لا تقل أهمية عن رسالة التوقيت: رسالة المكان والحدث.
فالقمة لم تُعقد في أثينا، ولا نيقوسيا، ولا حتى في القاهرة، وإنما اختارت العلمين، وعلى هامش النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في اليوم نفسه، بمشاركة دولية واسعة تجاوزت 50 دولة، وأكثر من 250 عارضًا، ووفود وشركات وقوات جوية من دول عدة، في طليعتها روسيا وفرنسا وإسبانيا والهند وتركيا والسعودية والإمارات.
واللافت هنا أن اليونان لم تكن مجرد ضيف سياسي على هامش المعرض؛ فقد أدرجت القوات الجوية اليونانية طائرتها "إف ــ 16" ضمن برنامج العروض الجوية للمعرض في يوميه التاليين، فيما كان رئيس الوزراء ميتسوتاكيس حاضرًا على الأرض في يوم الافتتاح إلى جوار مضيفه الرئيس السيسي والرئيس القبرصي.
هكذا بدا المشهد، في صورته الرمزية، أكثر تعبيرًا من مجرد لقاء ثلاثي عابر: اليونان حاضرة في سماء العلمين بطائرتها، وحاضرة على أرضها برئيس حكومتها، ومصر هي التي وفرت الإطار الذي جمع بين الحضورين.
وليس من الضروري أن يعني ذلك أن اختيار المعرض مكانًا للقمة كان مقصودًا لبعث رسالة بعينها؛ لكن المؤكد أن وضع الاجتماع في هذا الإطار الدولي الواسع منحه دلالة مختلفة، إذ بدت القمة جزءًا من مناسبة دولية كبرى، لا اجتماعًا سياسيًا مستقلاً ومشحونًا بالرسائل. وبهذا لا يتعلق الأمر بإخفاء القمة أو بالتقليل من أهميتها، وإنما بتغيير إطارها وتوقيتها.
فالمشهد الذي خرج إلى العالم لم يكن ثلاثة قادة يجتمعون لمناقشة خلافات شرق المتوسط وحدها، بل ثلاثة قادة يشاركون في مناسبة دولية تستعرض الطيران والدفاع والتكنولوجيا والابتكار، ثم يعقدون اجتماعًا سياسيًا في إطار آلية تعاون قائمة بالفعل.
بل إن رئيس الوزراء اليوناني نفسه وصف اجتماع العلمين بأنه لقاء "غير رسمي" لكنه "جوهري"، مؤكدًا أن التعاون الثلاثي ليس موجهًا ضد أي دولة، بل يمثل نموذجًا للاستقرار والازدهار في شرق المتوسط. كما تحدث عن الأمن البحري وحرية الملاحة والطاقة، وعن مشروع الربط الكهربائي بين مصر واليونان، وعن إمكانات التعاون في مجال الغاز.
وهنا تكتسب القمة بعدًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن بعدها السياسي؛ فمشروعات الطاقة والربط الكهربائي ليست مجرد مشروعات بنيّة أساسية، وفي شرق المتوسط تحديدًا تتحول خطوط الكهرباء والغاز إلى أدوات لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي. ومشروع الربط الكهربائي الذي يربط الكهرباء المصرية بأوروبا عبر اليونان يمثل أكثر من صفقة اقتصادية؛ فهو جزء من تصور أوسع لدور مصر كمركز للطاقة وممر يربط إفريقيا بأوروبا.
ومن هنا يمكن فهم اختيار معرض الطيران والفضاء إطارًا للقاء بصورة أكثر اتساعًا. فالطيران والدفاع والتكنولوجيا والطاقة والاتصال ليست ملفات منفصلة في عالم اليوم؛ إنها مكونات منظومة واحدة عنوانها القدرة على بناء الشراكات وحماية المصالح وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.لقد كان الطيران في السماء، بينما كانت السياسة تُصاغ على الأرض.ففي سماء العلمين كانت الطائرات ترسم مساراتها الملونة لثوانٍ معدودة، بينما كان القادة الثلاثة يبحثون بعدها، على الأرض، عن مسارات أكثر دوامًا للطاقة والأمن والاقتصاد والاستقرار.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأعمق لقمة العلمين وما وراء أفقها؛ فالقاهرة لا تبحث عن محاور طارئة، ولا تختزل استراتيجيتها في تقاطع مصالح عابرة. وليس مطلوبًا منها أن تختار بين أثينا وأنقرة، ولا بين شراكتها مع قبرص وعلاقاتها مع أطراف أخرى؛ المطلوب أن تظل مصر هي التي تختار، وأن يبقى قرارها قائمًا على مصالحها، لا على تحالفات الآخرين.
فحكمة الدولة تكمن دومًا في أن تمتلك ناصية قرارها، لا أن تُساق في ركاب خيارات الغير؛ ففي شرق المتوسط المضطرب، حيث تتغير التحالفات بسرعة، لا يُقاس الوزن الاستراتيجي بكثرة الحلفاء، بل بقدرة الأوطان على امتلاك زمام الاختيار بينها، وإدارة حاضرها, وصياغة غدها بملء إرادتها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليست كل القمم متساوية في دلالاتها، وليس كل اجتماع بين ثلاثة قادة يمكن قراءته فقط من خلال ما جاء في...
في أعمال الحفائر بعد استرداد سيناء مباشرة كان مفتشي الآثار من جيل الرواد في مجال الآثار الإسلامية والقبطية يستخدمون الحمير...
في الاقتصاد التقليدي، كانت الهوية وثيقة تُستخدم لإتمام المعاملة ثم تختفي من المشهد. بطاقة شخصية، توقيع، مستند، وربما ختم موظف....
اليوم موعدنا مع حدوتة مصرية قديمة جديدة مع إحكي يا تاريخ.. نعرف حدوتة إيزيس والعقارب السع الحاميات