في عالمٍ لا تتحرك خرائطه بالحروب وحدها، ولا تُعاد صياغة موازين قوته دائمًا تحت دوى المدافع، فثمّة خرائط أخرى تُرسم في صمتٍ عميق؛ ترسمها المصالح، وتعيد تشكيلها التحالفات، وتدفع بها حسابات القوة إلى مساراتٍ جديدة، بعيدًا عن صخب المشهد وضجيج الشعارات. وفي هذا العالم، لا تتبدّل مراكز الثقل الكبرى دفعةً واحدة، بل تتحرك أحيانًا بخطواتٍ هادئة ومحسوبة، حتى إذا اكتمل مسارها، بدا المشهد الدولي وكأنه قد استيقظ على خريطةٍ جديدة.
زيارة شي جين بينج للقاهرة .. شراكة تتجاوز حاويات التجارة..؟
بقلم محمود علام
وحين يلتقي عُمق التاريخ بجغرافيا المستقبل، تبدو القاهرة وبكين أمام لحظةٍ تتجاوز حدود العلاقات الثنائية ومفردات الشراكة التقليدية؛ لحظةٍ تتقاطع فيها إرادة الاستقلال مع تحولات النظام الدولي، وتتجاور فيها المصالح الاقتصادية مع حسابات الجغرافيا السياسية. ومن بوابة الوادي الخالد، في قلب عالمٍ مغاير يتشكل على مهل، تفتح العاصمتان نافذةً على نظامٍ أكثر تعددًا، تُعاد فيه صياغة حدود الإرادة المستقلة، لا بالضجيج، وإنما بالحركة الواعية التي تصنعها المصالح، وتدفعها موازين القوة؛ حركةٌ تستند إلى عراقة التاريخ، وتستشرف صناعة الغد، وتمضي على ضفاف النيل الخالد، في امتدادٍ يلتقي بالنهر الأصفر.
بعيدًا عن السرديات الإعلامية المعتادة التي تختزل زيارات القادة الكبار في حزمةٍ من الأرقام الاقتصادية الجافة ــ كتلك التي تتوقف عند تجاوز التبادل التجاري المصري الصيني حاجز العشرين مليار دولار، أو عند ما تحمله اتفاقيات الطاقة والحاصلات الزراعية من آفاقٍ واعدة ــ تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة لتسجل ما هو أبعد بكثير من مجرد شراكة اقتصادية تقليدية. فبينما ترى الصحف والوكالات العالمية في الزيارة تتويجًا لمسار العلاقات الثنائية وتعزيزًا لشراكةٍ تتسع آفاقها، تكشف قراءةٌ أعمق للمشهد عن تحركٍ يتجاوز حدود العلاقة المصرية الصينية، ويمتد إلى إعادة تموضعٍ هادئة في بعض موازين النظام الدولي؛ تحركٌ يُدار في صمت، بعيدًا عن صخب الإعلام الغربي، ويعيد تعريف موقع القاهرة في خريطة المصالح والقوى المتغيرة.
في قلب جغرافيا السياسة، قبل جغرافيا الاقتصاد، تبرز دلالة التتابع بين مشاركة الرئيس الصيني شي جين بينج في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في "بيشكك" وزيارته المباشرة إلى القاهرة، بوصفها زاويةً جديرة بالتأمل، وغائبةً إلى حدٍّ كبير عن القراءة التقليدية للزيارة. فأن ينتقل الرئيس الصيني، عقب حضوره القمة التي جمعت القوى الرئيسة في الفضاء الآسيوي، إلى القاهرة، يضع مصر في سياقٍ أوسع من مجرد كونها "بوابة تجارية" إقليمية عبر قناة السويس ومبادرة الحزام والطريق؛ فهي، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، حلقة وصلٍ حيوية بين آسيا الصاعدة وامتداداتها العربية والإفريقية.
وهنا لا تتحرك الصين في الشرق الأوسط كمستثمرٍ يبحث عن الأسواق فحسب، وإنما كقوةٍ صاعدة توسّع دوائر شراكاتها وحضورها الدبلوماسي والاقتصادي والأمني، وتدفع نحو صياغة عالمٍ أكثر تعددًا في مراكز القوة. وفي هذا السياق، أشارت وكالة رويترز للأنباء إلى أن زيارة شي تعكس سعي بكين إلى توسيع دورها الدبلوماسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، في وقتٍ يعيد فيه عدد من حلفاء واشنطن تقييم خياراتهم الاستراتيجية. فيما سلطت وكالة الأنباء الفرنسية الضوء على دعوة الرئيس الصيني إلى معارضة "التدخل الخارجي"، وطرح رؤى لبنيّةٍ أمنية إقليمية أكثر استقلالاً، بما يحمي استقرار المنطقة وممراتها الملاحية وأمنها المائي.
وعلى صعيد توظيف الاقتصاد بوصفه أداةً لإعادة بناء القدرات الإنتاجية، تكشف الملفات الاقتصادية للزيارة عن تحولٍ يتجاوز استيراد المصنوعات الصينية الجاهزة إلى توطين الإنتاج ونقل التكنولوجيا وبناء قواعد صناعية ذات امتدادٍ إقليمي. ففي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث رسخت الاستثمارات الصينية حضورها عبر المنطقة الصناعية "تيدا"، التي تستضيف نحو (200) شركة باستثمارات تقترب من (4 ) مليارات دولار، تزامن ذلك مع الاتفاق على إطلاق المرحلة الثالثة من توسعتها، بما يؤكد انتقال الشراكة من مجرد التبادل التجاري إلى بناء قاعدةٍ إنتاجية ولوجستية تستفيد من الموقع الاستراتيجي لمصر. ولم تتوقف المسارات عند هذا الحد؛ بل امتدت إلى توطين صناعاتٍ جديدة، وفي مقدمتها صناعة السيارات ومكوناتها، حيث وقّعت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خطاب نوايا مع مجموعة "تشونجتسه للمطاط ــ زد سي رابر " لبحث إنشاء مجمعٍ صناعي متكامل لتصنيع الإطارات في منطقة السخنة الصناعية، باستثماراتٍ تقديرية تصل إلى ( 500 ) مليون دولار، وعلى مساحةٍ مبدئية تبلغ نحو (600) ألف متر مربع، مع استهداف توجيه نحو (95%) من الإنتاج للتصدير.
ويمتد هذا التوجه إلى مجالاتٍ أخرى، من الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة إلى تقنيات الهيدروجين والنقل الكهربائي، بما يعكس انتقال العلاقة تدريجيًا من نموذج "صُنع في الصين" إلى نموذجٍ أكثر تعقيدًا قوامه "صُنع في مصر" للسوقين المصرية والإقليمية. وفي المسار المالي، اتخذ التعاون خطوةً لافتة بتوسيع نطاق استخدام العملتين الوطنيتين في التجارة والاستثمار؛ فقد جُدّد اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني، وارتفعت قيمته إلى (30) مليار يوان، كما اتفق الرئيسان على تشجيع تسوية مزيد من المعاملات التجارية والاستثمارية بالعملات المحلية، بما يفتح مجالاً أوسع لتنويع أدوات التسوية المالية وتقليص الاعتماد على الدولار في جانبٍ من حركة التجارة الثنائية.
أما الدلالة الأعمق، فتتجاوز حجم الاستثمارات وقيمة الاتفاقيات إلى إعادة توزيعٍ أكثر عمقًا لمواضع الإنتاج وسلاسل الإمداد. فبالنسبة إلى بكين، لا تمثل مصر مجرد سوقٍ مستقبلة للسلع، وإنما قاعدةً صناعية ولوجستية تتيح الاقتراب من أسواق إفريقية وأوروبية، والاستفادة من موقعٍ يتمتع بثقلٍ جغرافي واستراتيجي استثنائي. وفي المقابل، تمنح هذه الشراكة الاقتصاد المصري فرصةً لتعميق وتوطين التصنيع, وبناء قدر أكبر من المرونة في مواجهة الصدمات العالمية، وزيادة القيمة المضافة، وتوسيع قاعدة متقدمة لإعادة التصدير إلى إفريقيا وأوروبا. وهنا تحديدًا يتحول الاقتصاد من غايةٍ للزيارة إلى وسيلةٍ لبناء قدرةٍ أكبر على الإنتاج والتصنيع والنفاذ إلى الأسواق المتباينة؛ إذ لم تعد المسألة تتعلق فقط بمن يبيع ومن يشتري، وإنما بمن ينتج، ومن يملك التكنولوجيا، ومن يتحكم في سلاسل الإمداد، ومن يمتلك القدرة على النفاذ إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، لفتت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى اتساع مجالات التعاون المصري الصيني لتشمل قطاعاتٍ بالغة الأهمية، من أشباه الموصلات ومراكز البيانات إلى سلاسل إمداد المعادن الحيوية، بما يكشف أن الشراكة لم تعد تدور حول حركة السلع وحدها، وإنما تمتد إلى التكنولوجيا والبنية التحتية وسلاسل الإمداد التي تشكل ملامح الاقتصاد العالمي الجديد.
أما في إطار ترسيخ سياسة الاستقلال الاستراتيجي الناعم، والابتعاد عن الارتهان لمحورٍ واحد، فإن سجل القمم العشر المتتابعة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وشي جين بينج، الممتدة منذ عام 2014، يرسّخ لمبدأ دقيق في العقيدة الدبلوماسية المصرية الحديثة، قوامه تنويع الشراكات الكبرى دون الانخراط في محاور صدامية. ففي الوقت الذي تحاول فيه القوى الكبرى جرّ المنطقة إلى استقطابٍ حاد، تتقن القاهرة فن الاقتراب الحذر، لتؤكد أن سيادتها الوطنية تقتضي الانفتاح على الشرق الآسيوي الصاعد، تمامًا كما تنفتح على سائر شركائها، وأن قرارها التنموي يستند إلى إرادةٍ وطنية مستقلة لا تهيمن عليها اشتراطات الدوائر الغربية.
وفي ملفات المصير الاستراتيجي، امتد التوافق السياسي ليشمل قضايا الأمن القومي والوجودي والمصالح الحيوية، حيث تؤكد الصين دعمها لاستقرار مصر ودورها الإقليمي، وتُولي أهميةً خاصة لأمن الممرات المائية وحماية حركة التجارة الدولية، باعتبارهما جزءًا من منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. ولا يمكن فصل هذا التقارب عن البعد الأمني والعسكري المتنامي في العلاقات بين البلدين، والذي تجسّد بوضوح في المناورات الجوية المشتركة "نسور الحضارة 2026"، وما رافقها من تدريبات قتالية جوية شملت مقاتلات "الرافال" الفرنسية الصنع في مواجهة المقاتلات الصينية "جيه ــ 16"، في سيناريوهات تحاكي الاشتباك الجوي, كمؤشر على اتساع نطاق التعاون العسكري والتدريب المشترك، وسعي القاهرة إلى تنويع مصادر قدراتها الدفاعية وتوسيع خياراتها التقنية.
وخلاصةُ القول أن الزيارة، في جوهرها، ليست مناسبةً دبلوماسيةً للاحتفال بمرور عشرة أعوام على توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية ومرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فحسب، وإنما تعبيرٌ هادئ عن تحولاتٍ أوسع في بنية النظام الدولي، حيث تتسع دوائر القوة، وتتراجع تدريجيًا مركزية القطب الواحد، وتبحث القاهرة عن موقعٍ أكثر اتساعًا في خريطة المصالح والتحالفات العالمية. إنها شراكةٌ تدرك فيها الصين أهمية الثقل المصري، بما تمثله القاهرة من موقعٍ جغرافي محوري، وقدرةٍ على النفاذ إلى أسواقٍ تمتد من العالم العربي إلى إفريقيا، ووزنٍ إقليمي وسياسي يعزز مكانتها وموثوقيتها السياسية؛ وتدرك فيها مصر، في المقابل، أن طموحاتها التنموية في إطار "رؤية مصر 2030" تحتاج إلى شراكاتٍ متنوعة، قادرةٍ على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وفتح مساراتٍ جديدة للتجارة والاستثمار، دون حصر خياراتها في محورٍ واحد أو إغلاق أبوابها أمام بقية القوى الدولية. ومن هنا، تبدو الشراكة المصرية الصينية جزءًا من سياسةٍ أوسع عنوانها الاستقلال في القرار، وتنويع الخيارات، وبناء القدرة على الحركة في عالمٍ تتعدد فيه مراكز القوة.
ففي عالمٍ تتبدّل فيه خرائط القوة، لا تكون الدولة الأقوى هي من ترفع صوتها أكثر، بل من تتسع أمامها دوائر الاختيار، وتملك أن تتحرك بين مراكز القوة دون أن تفقد بوصلتها. فالتاريخ لا تصنعه دائمًا اللحظات التي يعلو فيها الضجيج، بل كثيرًا ما تصنعه تلك التي تتحرك فيها الدول بهدوء، وتترك للزمن مهمة كشف ما كان يُبنى في الظل. فحين تتغير الخرائط، لا يكون السؤال: من يقف إلى جوار من؟ بل يصير: من يملك أن يختار، وأن يتحرك، وأن يصنع لنفسه مكانًا بارزًا في الخريطة قبل أن تُرسم من جديد بمعزل عنه؟
موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً
في عالمٍ لا تتحرك خرائطه بالحروب وحدها، ولا تُعاد صياغة موازين قوته دائمًا تحت دوى المدافع، فثمّة خرائط أخرى تُرسم...
كلمة صغيرة... لكنها ليست سهلة دائما.. تأتيك رسالة تطلب منك شيئا فى يوم مزدحم، وتنظر إلى جدولك وتعرف أنك لا...
العودة للدراسة فرصة لإعادة تنظيم نمط حياة الطلاب بما يدعم المناعة، والنوم، والتركيز، والنشاط البدني، والصحة النفسية. فالمدارس والجامعات تجمع...
منذ طرح حلقاته الثلاث دفعة واحدة، نجح مسلسل "لعبة جهنم" في جذب الانتباه وإثارة حالة من القلق لدى المشاهد، ليس...