كلمة صغيرة... لكنها ليست سهلة دائما.. تأتيك رسالة تطلب منك شيئا فى يوم مزدحم، وتنظر إلى جدولك وتعرف أنك لا تملك الوقت، فتفكر للحظة أن تعتذر، ثم تجد نفسك تكتب: "طبعا، حاضر".
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
يدعوك أحدهم إلى مناسبة لا ترغب فى حضورها، فتبدأ فى البحث عن طريقة تناسب بها يومك بدلا من أن تقول ببساطة إنك لن تستطيع. وربما يسألك شخص قريب منك: "ممكن أطلب منك حاجة؟"، فتوافق قبل أن تعرف أصلا ما الذى سيطلبه.
نقول "نعم" أحيانا ونحن نريد أن نقول "لا"، ثم نشعر بعد ذلك بالضيق أو الإرهاق، وربما نلوم الطرف الآخر لأنه طلب، رغم أنه لم يكن يعرف أننا لا نريد الموافقة.
والغريب أن الكلمة نفسها لا تحتاج أكثر من ثانية حتى تُقال، لكن ما يسبقها داخلنا قد يكون أكثر تعقيدا بكثير: ماذا سيظن عنى؟ هل سيغضب؟ هل سأبدو أنانية؟ ماذا لو احتجت إليه يوما ولم يساعدنى؟ فلماذا تصبح كلمة صغيرة مثل "لا" ثقيلة إلى هذا الحد؟
ليست كل موافقة نابعة من الرغبة
من الطبيعى أن نساعد من نحب، وأن نتنازل أحيانا، وأن نفعل أشياء لا نرغب فيها، لأن العلاقات لا تقوم على أن يفعل كل إنسان ما يناسبه فقط. المشكلة ليست فى أن نقول "نعم"، وإنما فى أن تصبح "نعم" إجابة تلقائية حتى عندما يكون داخلنا شىء آخر يريد أن يُسمع.
قد يوافق شخص على عمل إضافى رغم أنه بالكاد يستطيع إنهاء مسؤولياته الحالية، أو تستقبل امرأة ضيوفا وهى تحتاج إلى الراحة لأنها لا تريد أن يقال إنها لم تقم بالواجب، أو يتحمل أحد الزوجين مسؤوليات متزايدة دون أن يتحدث، ثم يبدأ بعد فترة فى الشعور بأن الطرف الآخر لا يقدّر ما يفعله.
وفى كل هذه المواقف قد تبدو الموافقة فى لحظتها أسهل من الاعتذار، لكنها لا تختفى بعد أن نقولها؛ بل تتحول إلى وقت وجهد ومسؤولية علينا أن نحملها. وهنا ربما لا يكون السؤال: لماذا نساعد الآخرين؟ بل لماذا نخشى أحيانا أن نخبرهم بأن لدينا حدودا أيضا؟
حين نربط الرفض بالعلاقة
فى كثير من الأحيان لا نخاف من كلمة "لا" نفسها، بل من المعنى الذى نتخيل أن الآخر سيضعه وراءها. نخشى أن يسمع: "أنا لا أهتم بك"، بينما نحن نقول فقط: "لا أستطيع الآن"، أو أن يفسر اعتذارنا باعتباره رفضا له شخصيا، بينما ما نرفضه هو الطلب أو التوقيت أو الطريقة.
ويزداد الأمر تعقيدا فى العلاقات القريبة، لأننا لا نتعامل مع موقف منفصل، بل مع تاريخ من المشاعر والتوقعات. قد توافق الزوجة لأنها لا تريد أن يبدأ خلاف، أو يوافق الزوج لأنه لا يريد أن يبدو غير مهتم، وقد يستجيب الابن البالغ لكل طلبات أسرته رغم ضغط حياته لأنه يشعر أن الاعتذار سيجعله مقصرا.
ومع الوقت، تختلط المحبة بالاستجابة المستمرة، حتى يصبح وضع الحد كأنه تهديد للعلاقة.
لكن العلاقة التى لا تحتمل "لا" صغيرة من وقت إلى آخر قد تدفع أصحابها إلى دفع ثمن أكبر لاحقا؛ لأن الموافقات التى لا نريدها لا تتحول دائما إلى حب وامتنان، بل قد تتحول مع التراكم إلى استياء.
الرغبة فى القبول.. حاجة إنسانية
ليس غريبا أن نهتم برأى الآخرين فينا؛ فالإنسان كائن اجتماعى، والانتماء والقبول من الاحتياجات الإنسانية الأساسية. وتشير أبحاث علم النفس الاجتماعى إلى قوة دافع الانتماء (Need to Belong)، أى ميل البشر إلى تكوين علاقات مستقرة والشعور بأنهم مقبولون داخلها، ولذلك يمكن أن يكون احتمال الرفض أو الاستبعاد مؤثرا فى سلوكنا أكثر مما نتصور.
لكن الحاجة إلى الانتماء لا تعنى أن الإنسان يجب أن يوافق دائما حتى يحافظ على علاقاته. فالمشكلة تبدأ عندما تصبح قيمتنا فى نظر أنفسنا مرتبطة بمدى رضا الآخرين عنا، فنحاول تجنب أى موقف قد يجعل أحدهم يشعر بخيبة أمل، حتى لو كان الثمن أن نتجاهل احتياجاتنا باستمرار.
وقد لا يقول لنا أحد أصلا إن محبتنا مشروطة بالموافقة، لكننا نتصرف وكأن هذا الشرط موجود، وهنا تصبح الحدود أكثر صعوبة، لأننا لا نضع حدا لطلب فقط، بل نشعر وكأننا نخاطر بمكاننا لدى الآخر.
فى العمل... الشخص المتعاون قد يدفع الثمن
يظهر هذا النمط كثيرا فى بيئة العمل. الشخص المعروف بأنه "دائما يساعد" قد يجد نفسه بعد فترة يحمل مهام أكثر من الجميع. تبدأ الأمور بطلب صغير، ثم طلب آخر، ومع الوقت يصبح استعداده الدائم للمساعدة جزءا من توقعات المحيطين به. وربما لا يكون الآخرون يستغلونه عمدا؛ هم فقط تعلموا من التجربة أنه سيقول نعم.
والمفارقة أن الشخص نفسه قد يبدأ فى الشعور بأنه غير مقدَّر؛ يرى الآخرين يغادرون فى موعدهم بينما يظل هو لإنهاء ما وافق عليه، أو يجد أن مسؤوليات جديدة أصبحت تُضاف إليه تلقائيا. لكنه عندما يسأل نفسه كيف حدث ذلك، قد يكتشف أنه لم يقل فى أى مرحلة إن قدرته وصلت إلى حدها. الحدود هنا لا تعنى أن نتوقف عن التعاون، وإنما أن تصبح المساعدة اختيارا لا وظيفة دائمة لم نتفق عليها.
عندما نتوقع من الآخرين أن يعرفوا حدودنا
من أكثر الأشياء التى تربك العلاقات أن نتوقع من الآخرين أن يكتشفوا ما لم نقله. نقبل الدعوة ثم نتمنى لو لاحظ صاحبها أننا متعبون، ونوافق على الطلب ثم ننتظر أن يقول الآخر من تلقاء نفسه: "لا، أنت لديك الكثير بالفعل"، وحين لا يحدث ذلك نشعر أنه لا يراعينا.
لكن الآخرين لا يعيشون داخل رؤوسنا، وما يبدو لنا واضحا قد لا يكون واضحا لهم على الإطلاق. فإذا قلنا "نعم" بابتسامة، فمن الطبيعى أن يفهم الطرف الآخر أننا موافقون. ولذلك فإن التعبير عن الحدود ليس قسوة، بل أحيانا هو أحد أشكال الوضوح التى تحمى العلاقة من سوء الفهم.
فبدلا من أن نوافق ثم نستاء، يمكن أن نقول: "أحب أن أساعدك، لكننى لا أستطيع هذا الأسبوع"، وبدلا من اختراع أعذار طويلة، يمكن أن يكون الاعتذار بسيطا ومحترما. فكلما بالغنا فى تبرير حدودنا، قد نرسل لأنفسنا قبل الآخرين رسالة بأن وجودها يحتاج إلى دفاع.
"لا" لا تحتاج دائما إلى قصة طويلة
أحيانا نتصور أن الرفض يحتاج إلى مرافعة كاملة؛ نشرح ظروفنا، ونعتذر أكثر من مرة، ونقدم أدلة تثبت أننا بالفعل لا نستطيع، وكأن كلمة "لا" لن تكون مقبولة إلا إذا أثبتنا أننا لم نملك أى خيار آخر.
لكن هناك فرقا بين الاحترام وبين طلب الإذن بأن تكون لنا حدود. يمكن أن نكون لطفاء وواضحين فى الوقت نفسه: "لن أستطيع هذه المرة"، أو "الوقت لا يناسبنى"، أو "أستطيع مساعدتك فى هذا الجزء، لكن ليس فى المهمة كلها".
بهذه الطريقة لا تتحول الحدود إلى حائط، بل تصبح معلومة تساعد الطرف الآخر على معرفة المساحة التى نستطيع أن نلتقى فيها. والحدود الجيدة لا تقول للآخر فقط أين يتوقف، بل تقول أيضا أين نستطيع نحن أن نكون موجودين بصدق.
حين تصبح "نعم" أكثر صدقا
ربما أجمل ما تمنحه لنا القدرة على قول "لا" هو أنها تعيد القيمة إلى كلمة "نعم". فعندما يعرف الإنسان أنه يستطيع الاعتذار، تصبح موافقته أكثر صدقا؛ يساعد لأنه يريد المساعدة، ويذهب لأنه يريد الحضور، ويمنح وقته لأنه اختار ذلك، لا لأنه خاف مما سيحدث إذا رفض.
وهذا يغير العلاقات أيضا؛ فبدلا من تراكم الاستياء الصامت، يصبح هناك وضوح أكبر حول ما يستطيع كل طرف تقديمه وما يحتاج إليه. وقد لا يعجب الآخر بحدودنا دائما، وهذا طبيعى؛ فاحترام الحدود لا يعنى أن الجميع سيكون سعيدا بها، كما أن حب الآخرين لا يعنى أن نحميهم من كل شعور بخيبة الأمل.
نحن مسؤولون عن الطريقة التى نعبر بها عن حدودنا، لكننا لسنا مسؤولين عن ضمان أن يحب الجميع كل حدود نضعها.
بين الأنانية والعناية بالنفس
ربما يكون أحد أسباب صعوبة الحدود أننا نضعها أحيانا فى الجهة المقابلة للكرم: إما أن أكون شخصا محبا ومتعاونا، أو شخصا يفكر فى نفسه. بينما الحياة لا تحتاج إلى هذا الاختيار الحاد. يمكن للإنسان أن يكون كريما وله حدود، حاضرا للآخرين ويحتاج إلى وقت لنفسه، متعاونا ويقول أحيانا إنه لا يستطيع.
بل إن الحدود قد تجعل عطاءنا أكثر استدامة؛ فالإنسان الذى يقول نعم لكل شىء قد يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها أن يقول نعم لشىء، بينما من يعرف قدرته يستطيع أن يوزعها بصورة أكثر اتزانا.
وربما لا يكون السؤال الذى نحتاج إلى طرحه قبل كل موافقة: "هل أستطيع أن أفعل هذا؟" فقط، وإنما: "إذا قلت نعم، فما الذى أقول له لا فى المقابل؟" لأن الوقت والطاقة محدودان، وكل اختيار يأخذ مساحة من اختيار آخر.
نافذة للتأمل
فكر فى آخر مرة قلت فيها "نعم" بينما كنت تريد أن تقول "لا". ما الذى كنت تخشى أن يحدث لو اعتذرت؟ هل كان الخوف من خسارة العلاقة، أم من غضب الآخر، أم من الصورة التى قد يكوّنها عنك؟ ثم اسأل نفسك سؤالا آخر: هل العلاقة التى أريد الحفاظ عليها تحتاج فعلا إلى موافقتى الدائمة، أم تحتاج إلى أن أكون فيها أكثر صدقا؟ ربما لا تكون الحدود هى المسافة التى نبعد بها الآخرين عنا، بل المساحة التى تسمح لنا بأن نبقى قريبين منهم دون أن نبتعد عن أنفسنا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
إن الأساس الذي يبارك العلم وينمي ثمرته يكمن في التزام طالب العلم بالأخلاق الفاضلة مع معلِّمه الذي يمثل الجسر الذي...
ترأس اللواء خالد فودة مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية ورئيس اللجنة القومية لحماية وتطوير القاهرة التراثية والدكتور إبراهيم صابر محافظ...
أعظم ثروات الأمم على الإطلاق ليس الثروات المادية بل هي عقل الإنسان؛ ولذلك لم يكن غريبا أن جعلت الشريعة حفظ...
لم يعد عالم الشركات الناشئة كما كان قبل سنوات قليلة. فالفكرة الجيدة لم تعد تكفي وحدها للحصول على التمويل، والنمو...