كلمة واحدة... تغيّر يوما كاملا

قد يعود الإنسان إلى بيته بعد يوم مليء بالنجاحات، فينسى كلمات التقدير التي سمعها، ويتوقف ذهنه عند ملاحظة عابرة أو نقد بسيط تلقاه في نهاية اليوم. وربما يظل يفكر فيها ساعات طويلة، ويعيدها في ذهنه مرة بعد أخرى، بينما تتوارى عشرات المواقف الجميلة التي سبقتها. يحدث ذلك مع الجميع تقريبا، حتى مع أكثر الناس ثقة بأنفسهم، وكأن العقل يمنح الكلمات المؤلمة وزنا أكبر من الكلمات المطمئنة

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

وربما تأملت يوما نهاية يومك، فوجدت أنك لا تتذكر الضحكات، ولا كلمات الشكر، ولا الإنجازات الصغيرة التي حققتها، بل تتذكر عبارة واحدة أزعجتك. وكأن هذه العبارة استطاعت أن تطغى على كل ما عداها، حتى يصبح اليوم كله ملونا بها.

فلماذا يحدث ذلك؟

حين يلتقط العقل الخطر أولا

لا يتعامل العقل مع جميع الأحداث بالدرجة نفسها من الاهتمام. فمنذ آلاف السنين كان بقاء الإنسان يعتمد على سرعة ملاحظته للخطر أكثر من استمتاعه بالأمان. ولذلك تطور العقل ليعطى الأولوية لكل ما قد يمثل تهديدا، حتى وإن كان مجرد كلمة أو موقف بسيط.

ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم الانحياز السلبى (Negativity Bias)، حيث تميل عقولنا إلى الاحتفاظ بالمواقف السلبية لفترة أطول، وإعطائها أهمية أكبر من الأحداث الإيجابية.

ولا يعنى ذلك أن العقل متشائم بطبيعته، بل يعنى أنه مبرمج على حماية الإنسان. فالأسلاف الذين كانوا ينتبهون إلى مصادر الخطر عاشوا فرصا أكبر للبقاء، بينما كان تجاهل التهديد قد يكلفهم حياتهم. وما زالت هذه الآلية تعمل داخلنا حتى اليوم، رغم أن كثيرا من "المخاطر" أصبحت كلمات أو مواقف اجتماعية أكثر منها أخطارا حقيقية.

في العلاقات... لا يكفي الحب وحده

قد يعيش الزوجان عشرات المواقف الجميلة معا، ثم تأتى كلمة قاسية في لحظة غضب، فتظل عالقة في الذاكرة لسنوات. ليس لأن الحب اختفي، بل لأن العقل منح تلك الكلمة مساحة أكبر مما تستحق.

وقد يحدث العكس أيضا؛ يبذل أحد الطرفين جهدا كبيرا في التعبير عن الاهتمام، لكن الطرف الآخر يظل منشغلا بالمرة التي شعر فيها بالإهمال، وكأنها أصبحت العدسة التي يرى من خلالها العلاقة كلها.

ولهذا نجد أحيانا أشخاصا يقولون: "لم يعد يفعل أى شىء جميل من أجلى"، بينما الواقع يخبرنا بأن الطرف الآخر ما زال يقدم الكثير، لكن الذاكرة أصبحت أكثر انشغالا بما يؤلمها من اهتمامها بما يطمئنها.

لماذا نتذكر النقد أكثر من المديح؟

كم مرة تلقيت كلمات تشجيع على عمل أنجزته، ثم انشغلت طوال اليوم بالملاحظة الوحيدة التي وجهها إليك أحدهم؟

ليس لأن النقد دائما أكثر صدقا، وإنما لأن العقل يتعامل معه باعتباره معلومة تستحق الانتباه حتى لا يتكرر الخطأ. المشكلة أن هذا الانتباه يتحول أحيانا إلى مبالغة، فنبدأ في التقليل من قيمة كل ما حققناه بسبب تعليق واحد لم يعجبنا.

وفي بيئة العمل يتكرر الأمر كثيرا. فقد يحصل الموظف على إشادة طوال العام، ثم يتلقى ملاحظة واحدة في تقييم الأداء، فيخرج مقتنعا بأنه فشل. ليس لأن التقييم كان سيئا، بل لأن العقل منح النقد وزنا أكبر من كل عبارات التقدير التي سبقته.

الانحياز السلبى... ليس عيبا

قد يظن البعض أن التركيز على الجوانب السلبية ضعف في الشخصية أو تشاؤم، لكنه في الحقيقة آلية طبيعية يعمل بها العقل البشري. فالمشكلة ليست في وجود هذا الميل، وإنما في تركه يقود حياتنا دون وعي.

حين نفهم أن العقل يسلط الضوء تلقائيا على ما يهددنا، يصبح من الأسهل أن نتوقف لحظة قبل أن نعمم حكما سلبيا على يوم كامل، أو علاقة كاملة، أو حتى على أنفسنا. فالوعي لا يلغى هذه الآلية، لكنه يساعدنا على ألا نستسلم لها.

حين يصبح الجرح أكبر من الحقيقة

ومع مرور الوقت قد لا نتذكر الحدث نفسه، بل نتذكر الأثر الذى تركه داخلنا. وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الإنسان قد يبني صورته عن نفسه، أو عن علاقة كاملة، اعتمادا على عدد محدود من المواقف المؤلمة، متجاهلا عشرات اللحظات التي كانت تقول شيئا مختلفا.

وقد يحدث ذلك داخل الأسرة أيضا. فقد يتذكر الابن موقفا شعر فيه بالرفض أو القسوة، فيظل حاضرا في ذاكرته سنوات طويلة، بينما تتوارى مئات المواقف التي تلقى فيها حبا ودعما واهتماما. ولا يعنى ذلك أن الجرح لم يكن حقيقيا، لكنه لا يمثل القصة كلها.

كيف نوازن بين العقل والقلب؟

لا نستطيع أن نلغي هذا الميل الطبيعي داخلنا، لكننا نستطيع أن ننتبه إليه. أن نسأل أنفسنا: هل ما أفكر فيه الآن يمثل الصورة كلها، أم أنه مجرد جزء منها؟ وهل أعطيت الكلمات الجميلة المساحة نفسها التي منحتها للكلمات الجارحة؟

وأحيانا يحتاج الإنسان أن يدرب نفسه على استحضار ما هو جميل، لا لأنه ينكر الألم، ولكن لأنه يعيد التوازن إلى الصورة. فالامتنان، وتذكر المواقف الطيبة، والاحتفاظ بلحظات النجاح، ليست رفاهية نفسية، بل وسائل تساعد العقل على ألا يترك الساحة كاملة للذكريات المؤلمة.

أحيانا لا يكون المطلوب أن ننسى الألم... بل ألا نجعله يروي القصة كلها.

حين نعيد النظر إلى حياتنا

ربما لا نستطيع أن نمنع الكلمات المؤلمة من أن تترك أثرا، لكننا نستطيع أن نتذكر أن حياتنا لم تكن يوما سلسلة من الجراح فقط. ففي كل علاقة، وكل تجربة، وكل يوم تقريبا، توجد لحظات تستحق أن نتوقف عندها كما نتوقف عند الألم.

والوعي لا يعني أن ننكر الجانب السلبي، بل أن نمنحه حجمه الحقيقي، دون أن نسمح له بأن يحجب كل ما عداه. فالإنسان الذي يرى الجرح وحده يفقد القدرة على رؤية التعافي، والذي لا يرى إلا الألم قد يحرم نفسه من الامتنان لكل ما كان جميلا وما زال موجودا.

وربما تبدأ الصحة النفسية من هذه الموازنة الدقيقة؛ أن نعترف بما يؤلمنا، دون أن نسمح له بأن يصبح الرواية الوحيدة لحياتنا.

وربما لا تكون المشكلة في أن الألم يطرق باب الذاكرة... بل في أننا نتركه يجلس فيها وحده.

نافذة للتأمل

ما الكلمة التي ما زلت تحملها في قلبك منذ سنوات؟

وهل تتذكر، في المقابل، الكلمات الطيبة التي قيلت لك في الفترة نفسها؟

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

كلمة واحدة... تغيّر يوما كاملا

قد يعود الإنسان إلى بيته بعد يوم مليء بالنجاحات، فينسى كلمات التقدير التي سمعها، ويتوقف ذهنه عند ملاحظة عابرة أو...

فك شفرات الساركوبينيا.. نحو عضلات لا تشيخ

الساركوبينيا هي متلازمة حيوية معقدة تتميز بفقدان تدريجي وشامل لكتلة العضلات الهيكلية، وقوتها، ووظيفتها الجسدية. لم تعد المنظمات الصحية تنظر...

الآثار المصرية وتأثيرات الزلازل عبر العصور

أبدع قدماء المصريين في الهندسة والتعامل مع البيئة وتطويعها لصالحه لتفادي قوتها التدميرية، واستطاعوا دراسة قياسات الأرض بدليل تحملها لقمة...

الديموغرافيا.. الجبهة الصامتة التي تعيد رسم خريطة القوة العالمية

لم يعد العالم يخشى من المستقبل بسبب الزيادة الهائلة في أعداد البشر كما كان يحدث قبل عقود، بل بدأ يواجه...