توقير أهل العلم شرط النهضة الحضارية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لقد فضل الله العلماء على غيرهم، ورفع قدرهم؛ فقال -سبحانه-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]..

بقلم أ.د / مصطفى محمد عوض
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية


وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بهذا العلمِ أقوامًا ويَضَعُ به آخَرِينَ» [رواه الإمام مسلم]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «فضْلُ العالِمِ على العابِدِ كفضْلِي على أدْناكُم، إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماواتِ والأرضِ حتى النملةَ في جُحْرِها وحتى الحوتَ ليُصلُّونَ على معلِّمِ الناسِ الخيرَ» [رواه الإمام الترمذي].


والعلماء هم ورثة الأنبياء؛ حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «العلماءُ همْ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لمْ يورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثُوا العلمَ، فمنْ أخذَ بهِ، فقدْ أخذَ بحظٍّ وافرٍ» [رواه الإمام أبو داود والإمام الترمذي].

وقد أمرنا الشرع الحنيف بتوقيرهم وإجلالهم؛ حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ منْ إجلالِ اللهِ -تعالى- إكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنهُ، وإكرامَ ذي السلطانِ المقسطِ» [رواه الإمام أبو داود].

وتوقير أهل العلم يكون بالدعاء لهم، والثناء عليهم، والسؤال عنهم، وتفقد أحوالهم، وزيارتهم، والأخذ عنهم، ونشر علمهم، وستر عيوبهم، ومؤازرتهم على البر والتقوى، وتعظيم منزلتهم عند العامة والخاصة.

وتوقير أهل العلم من سمات الصحابة الكرام؛ فقد كانوا يوقرون أكابرهم وفقهاءهم، وتلقى ذلك عنهم التابعون وأتباعهم، وشاع هذا الخلق الكريم في زمان الأئمة الكبار كالإمام مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وإسحاق، وغيرهم؛ فقد كان مجاهد مولى لابن عباس، وكان ابن عمر يأخذ له بالركاب ويسوي عليه ثيابه إذا ركب الدابة، وكان الإمام أحمد متكئا من علة (أي: مرض)، فذكر عنده إبراهيم بن طهمان فاستوى جالسا وقال: «لا ينبغي أنْ نذكرَ الصالحينَ فنَتَّكِئَ»، وأخذ الصحابي الجليل ترجمان القرآن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- بركاب أبي بن كعب -رضي الله عنه-، فقيلَ لهُ: أنتَ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وتأخذُ برِكابِ رجلٍ منَ الأنصارِ؟! فقالَ: «إنَّه ينبغي للحَبْرِ أنْ يُعظَّمَ ويُشرَّفَ».

وإنما طلب منا ديننا الحنيف هذا التوقير والتعظيم للعلماء؛ لما فيه من مصالح عظيمة؛ فإن توقير العلماء أدعى إلى توقير علمهم الذي يحملونه، وأقرب إلى أن يحرصوا على بذله للناس؛ فإن التوقير والأدب والتلطف يأتي بالعطف والود بين أهل العلم، والعلم رحم بين أهله، كما أن في ازدرائهم وإهانتهم خطرا على المجتمع بكتمانهم العلم، أو عجزهم عن إبلاغه، أو استهانة الناس بهذا العلم الذي يحملونه؛ ولذا كانت سنة الله فيمن اعتدى على أهل العلم والصلاح أن يفضحه الله ويكبته؛ قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69].

ونحن في بداية عام دراسي جديد، يجب أن نعلم أطفالنا وأولادنا احترام أهل العلم ومعلميهم؛ لأنه إذا نشأ الأطفال والصغار على توقير أهل العلم ومعلميهم، وتأثروا بسمتهم، واقتدوا بأثرهم؛ صار عندهم ولاء لوطنهم ولدينهم ومجتمعهم، فينهض المجتمع والوطن بفضل هذا التوقير لهؤلاء العلماء، وتدور عجلة الإنتاج والتقدم، ويصير هذا الوطن في مقدمة الأمم؛ فبالعلم تتقدم الأمم وتنهض وتزدهر.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

توقير أهل العلم شرط النهضة الحضارية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لقد فضل الله...

الشباب والقانون وبناء السلام: طاقة المجتمع حين تنضبط بالوعي والمسؤولية

يمثل الشباب طاقة المجتمع الأكثر قدرة على المبادرة والتعلم والتأثير. وحين تقترن هذه الطاقة بالوعي القانوني، تتحول من حماس عابر...

حين تعلّم الطين أن يتكلم... الكتابة والكاتب والمدرسة في العراق القديم

كيف استطاع الإنسان أن يحتفظ بكمية من المعلومات أكبر مما تستطيع ذاكرته أن تستوعب؟ كيف تذكر التاجر ديونه؟ وكيف عرف...

حق المرأة في الأجر.. وشراكتها في القرار

تبدأ الحكاية من تفاصيل الحياة اليومية؛ أمّ تدير أسرتها وتساند أبناءها، وعاملة تساهم في الإنتاج، ومزارعة تحافظ على دورة الغذاء،...