الوعي الإعلامي.. سلاح العقل في مواجهة فقاعات الوهم !

يرى البعض أن الوعي الإعلامي مفهوم معني به ذوو الاختصاص في الإعلام والاتصال فقط، والواقع أنه أصبح ضرورة يومية لكل مواطن يعيش في عالم تتدفق فيه المعلومات والأخبار والصور والفيديوهات والآراء على مدار الساعة.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

حيث أصبح الخبر يصل إلى المتلقي في لحظته، وأحيانا قبل أن تتأكد صحته أو مصدره أو دوافع من يقف وراء نشره !

ما يجعلنا نتوقف لنؤكد إن الوعي الإعلامي هو قدرة المتلقي على أن يتفاعل مع ما يقدم له من رسائل إعلامية، وأن يقرأها ويفهمها ويحللها، ويميز بين ما هو حقيقي وما هو زائف، وبين المعلومة والرأي، وبين الخبر والدعاية، وبين المحتوى الذي يستهدف تنويره والمحتوى الذي يسعى إلى تضليله !

وتبرز أهمية الوعي بصورة خاصة في مواجهة الشائعات التي لا تحتاج في عصر وسائل التواصل الاجتماعي إلى جهد كبير حتى تنتشر، بل يكفي هاتف محمول ورسالة مثيرة وعشرات الأشخاص الذين يعيدون نشرها دون تحقق.

وهنا يصبح المتلقي نفسه جزءا من عملية صناعة الشائعة وتوسيع نطاقها، حتى لو لم يكن يقصد ذلك !

وهنا تأتي أهمية الوعي بأنه قادر على وأد الشائعة قبل انتشارها، وذلك عندما يسأل المتلقي
نفسه :
من أين جاء هذا الخبر؟
ما هو مصدره؟
هل نشرته وسيلة إعلام موثوقة؟
هل توجد مصادر أخرى تؤكده؟ وهل العنوان المثير يتفق فعلا مع مضمون الخبر؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تكون كافية في كثير من الأحيان لمنع معلومة كاذبة من التحول إلى "شائعة" يتداولها الناس.

ولا يتوقف الوعي الإعلامي عند التمييز بين الخبر الحقيقي والخبر الكاذب، وإنما يمتد إلى خلق أنماط سلوكية إيجابية لدى الجمهور تقاوم شيوع الخبر الكاذب!

إن الإعلام ينقل الواقع، ويستطيع أن يسهم في تشكيله، من خلال ما يقدمه من نماذج وقيم وسلوكيات ولذلك فإن الرسالة الإعلامية الواعية ينبغي أن تشجع على العمل والإنتاج والانضباط واحترام القانون والمواطنة والمسئولية الاجتماعية، وأن تدعم نقاط القوة في الفرد والمجتمع، بدلا من تكريس ثقافة السلبية والاعتماد على الآخرين وانتظار الحلول الجاهزة.

ومن أخطر ما نحتاج إلى مقاومته اليوم تلك الرسائل التي تقدم النجاح باعتباره نتيجة سريعة بلا جهد، أو الثروة باعتبارها هدفا منفصلا عن العمل والإنتاج، أو الشهرة باعتبارها قيمة في حد ذاتها.

إن المجتمع الذي يريد بناء مستقبله يحتاج إلى بناء قيمي يربط النجاح بالاجتهاد، والتقدم بالعلم، وتحسين مستوى المعيشة بالعمل والإنتاج، ويعيد الاعتبار إلى قيمة الوقت والمسئولية.

ويأتي الحوار الجمعي باعتباره أحد أهم مخرجات الوعي الإعلامي ولا يكتفي المتلقي الواعي بتلقي الرسالة، ولا يعتبر الاختلاف معها سببا للخصومة، وإنما يمتلك القدرة على مناقشتها والرد عليها بالحجة والمنطق.

و ليس مطلوبا أن يتفق أفراد المجتمع في كل شيء، وإنما المجتمع الناضج هو الذي يستطيع أفراده إدارة اختلافاتهم بصورة عقلانية، ومناقشة قضاياهم العامة بعيدا عن التخوين والتجريح والتعصب وبناء ثقافة الرأي والرأي الآخر!

وفي المقابل، يحتاج الإعلان قدرا كبيرا من الوعي الإعلامي حيث اتاحت التقنيات الحديثة للمعلنين أدوات شديدة التطور للتأثير في الجمهور، وأصبح من الممكن استخدام البيانات والخوارزميات والمؤثرين والمحتوى المرئي والذكاء الاصطناعي في تقديم السلع والخدمات والأفكار بصورة شديدة الجاذبية، حتى لو كان المنتج نفسه رديئا أو الخدمة لا تتناسب مع الوعود المقدمة.

وهنا لا ينبغي أن يكون المتلقي مستهلكا سلبيا للإعلان، بل عليه أن يسأل نفسه :
هل ما أراه حقيقة أم مبالغة تسويقية؟
وهل الصور والمعلومات المقدمة تعكس الواقع فعلا؟
وهل هناك دليل على جودة المنتج أو الخدمة؟

أم أن الإعلان يعتمد فقط على الإثارة والتخويف والطمع والرغبة في تحقيق مكسب سريع؟

إن امتلاك هذه العين النقدية يمثل خط دفاع مهما أمام الإعلانات الخادعة التي تستغل التقنيات الحديثة كي تسيطر على عقل المستهلك قبل أن تمنحه فرصة التفكير !

والأخطر من ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تدفع الإنسان إلى العيش داخل ما يمكن تسميته "فقاعات افتراضية"، حيث لا يرى فيها إلا الآراء التي تشبه رأيه، ولا يتابع إلا المصادر التي تؤكد أفكاره، ويعيش داخل حلقة مفرغة من الأفكار الجامدة، ويصبح أكثر رفضا لأي رأي مختلف وهنا يتم تدمير ممنهج لثقافة الاختلاف ومن ثم تأتي أهمية الوعي الإعلامي في تلاشي هذه الفقاعات.

يبحث المتلقي الواعي عما يؤكد اقتناعاته، أو يخالفها، ويستمع إلى الرأي الآخر، ويميز بين الاختلاف الموضوعي والتضليل، ويعيد مراجعة موقفه كلما ظهرت أمامه معلومات جديدة !

إن معركة الوعي الإعلامي في جوهرها حرب ضد الجمود تقبل التطور التكنولوجي والثورة في وسائل التواصل الاجتماعي، وليست ضد الإعلان أو الإعلام الجديد .

معركة الوعي هي من أجل متلقٍ أكثر وعيا وقدرة على الاختيار الصحيح !

وكلما ارتفع مستوى الوعي الإعلامي، تراجعت فرص الشائعة في الانتشار، وضعفت قدرة المحتوى المضلل على السيطرة على الجمهور، وأصبح الإعلان الخادع أقل تأثيرا، واتسعت مساحة الحوار العام، وتراجعت فرص الوقوع في أسر الفقاعات الفكرية الجامدة.

وفي النهاية، إن المجتمع الذي يمتلك وعيا إعلاميا لا يكون مجرد جمهور يستهلك الرسائل، وإنما يتحول إلى شريك واعٍ في صناعة المشهد الإعلامي والمجتمعي !

وهذا هو الهدف الحقيقي:
أن ننتقل من مجرد متلقين لما يقال لنا إلى مواطنين قادرين على السؤال والتحقق والتحليل والحوار والاختيار.

ومن ثم أصبح الوعي الإعلامي أحد شروط حماية العقل وبناء الإنسان وصناعة مجتمع أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

الوعي الإعلامي.. سلاح العقل في مواجهة فقاعات الوهم !

يرى البعض أن الوعي الإعلامي مفهوم معني به ذوو الاختصاص في الإعلام والاتصال فقط، والواقع أنه أصبح ضرورة يومية لكل...

توقير أهل العلم شرط النهضة الحضارية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لقد فضل الله...

الشباب والقانون وبناء السلام: طاقة المجتمع حين تنضبط بالوعي والمسؤولية

يمثل الشباب طاقة المجتمع الأكثر قدرة على المبادرة والتعلم والتأثير. وحين تقترن هذه الطاقة بالوعي القانوني، تتحول من حماس عابر...

حين تعلّم الطين أن يتكلم... الكتابة والكاتب والمدرسة في العراق القديم

كيف استطاع الإنسان أن يحتفظ بكمية من المعلومات أكبر مما تستطيع ذاكرته أن تستوعب؟ كيف تذكر التاجر ديونه؟ وكيف عرف...