"كان المفروض أن يفهم"

لماذا ننتظر من الآخرين أن يفهمونا... دون أن نتكلم؟

تعود إلى البيت بعد يوم طويل، تتحدث أقل من المعتاد، وتجيب بكلمات قصيرة، وربما تنتظر سؤالًا واحدًا: "مالك؟". لكنه لا يأتي. أو تفعل شيئًا من أجل شخص قريب منك، وتتوقع أن يلاحظ مقدار الجهد الذى بذلته، ثم تمر اللحظة وكأن شيئًا لم يحدث. وفى العمل، تتحمل مهام متراكمة، وتظل تنجز ما تستطيع، بينما تنتظر أن يلاحظ مديرك أنك وصلت إلى أقصى طاقتك.

بقلم: منى عبدالعزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

وعندما لا يحدث ما توقعته، تبدأ جملة مألوفة فى الظهور داخلنا: "كان المفروض أن يفهم". تبدو الجملة منطقية جدًا ونحن نقولها؛ فنحن نعرف ما نشعر به، ونرى العلامات التى نظن أننا أرسلناها، ونتذكر كل التفاصيل التى سبقت الموقف. لكن الطرف الآخر لا يعيش داخل هذه التفاصيل، وربما لم يرَ منها إلا وجهًا صامتًا، أو رسالة قصيرة، أو شخصًا ما زال يقول إنه بخير.

ما نعيشه من الداخل... لا يراه الآخر بالطريقة نفسها

حين نشعر بالحزن أو الغضب أو القلق، تكون التجربة واضحة جدًا بالنسبة إلينا. نسمع الحوار الذى يدور فى رؤوسنا، ونعرف لماذا تغير صوتنا، وما الذى جعلنا نصمت، ولماذا لم نرد بالطريقة المعتادة. لذلك قد يبدو لنا أن كل هذه الأشياء ظاهرة أيضًا لمن أمامنا. لكن الآخر لا يملك كل هذه المعلومات؛ هو يرى فقط الجزء الذى خرج إلى الخارج. قد يلاحظ تغيرًا ولا يعرف سببه، أو يفسر الصمت باعتباره إرهاقًا، أو يظن أن اختصار الكلام يعنى الانشغال. والمفارقة أننا قد نفسر عدم فهمه باعتباره عدم اهتمام، بينما يكون ما حدث ببساطة أن الرسالة التى اعتقدنا أننا أرسلناها كاملة لم تصل إليه إلا فى صورة إشارات متفرقة.

فى العلاقات... تبدأ الخلافات أحيانًا من الأشياء التى لم تُقَل

ربما تظهر هذه الفجوة بوضوح أكبر فى العلاقات القريبة، لأننا نتوقع ممن يعرفوننا جيدًا أن يحتاجوا إلى كلمات أقل. بعد سنوات من الزواج، قد تقول الزوجة: "هو عارف إيه اللى بيضايقنى"، ويقول الزوج: "أكيد فاهمة إنى مضغوط"، وكل منهما يبنى تصرفاته على افتراض أن الآخر يعرف ما لم يُقَل.

وقد تنتظر واحدة منهما مبادرة معينة باعتبارها دليلًا على الاهتمام، بينما لا يعرف الطرف الآخر أصلًا أن هذه المبادرة تحمل كل هذا المعنى. ومع الوقت لا يصبح الخلاف حول الموقف نفسه فقط، بل حول سؤال آخر: "كيف لم تعرف؟". والقرب بالفعل يجعلنا أكثر قدرة على قراءة بعضنا، لكنه لا يمنحنا القدرة على قراءة الأفكار. فحتى أكثر الناس معرفة بنا قد يخطئون فى تفسير صمتنا، لأن معرفة الإنسان لا تعنى امتلاك نسخة من عالمه الداخلى.

حين تبدو مشاعرنا أكثر وضوحًا مما هى عليه

يطلق علماء النفس على ظاهرة قريبة من ذلك اسم Illusion of Transparency أو وهم الشفافية، وهى ميل الإنسان إلى المبالغة فى تقدير مدى قدرة الآخرين على معرفة ما يشعر به أو يفكر فيه. نحن نمتلك وصولًا مباشرًا إلى عالمنا الداخلى، ولذلك قد يصعب علينا تقدير مقدار المعلومات التى لا يملكها الآخرون عنه.

فإذا كنا متوترين أثناء حديث مهم، قد نشعر أن توترنا واضح للجميع، وإذا أخفينا معلومة ما قد نتصور أن ملامحنا تكشفها، وإذا شعرنا بالانزعاج من موقف قد نفترض أن الشخص الآخر لابد أنه أدرك ذلك. لكن ما يبدو مكشوفًا تمامًا من الداخل قد يكون أقل وضوحًا بكثير من الخارج.

ليس فى البيت فقط

الأمر نفسه يحدث فى العمل والصداقة ومواقف الحياة اليومية. قد يعمل شخص شهورًا منتظرًا أن يلاحظ المسؤول جهده، لكنه لا يتحدث عن إنجازاته أو طموحه، ثم يشعر بالإحباط عندما تذهب فرصة كان يريدها إلى شخص آخر. وقد يشعر صديق بأنه دائمًا الطرف الذى يسأل ويبادر، فيقرر التوقف قليلًا ليرى إن كان الآخر سيلاحظ، بينما يفسر صديقه ابتعاده بأنه انشغال ويرد عليه بمسافة مماثلة.

وأحيانًا نريد الدعم، لكننا عندما يُسأل عما إذا كنا نحتاج شيئًا نجيب: "لا، أنا تمام"، ثم نشعر بالوحدة لأن الشخص صدق الإجابة. فى كل هذه المواقف لا يكون أحد الطرفين بالضرورة مخطئًا أو غير مهتم؛ قد يكون كل منهما يتصرف بناء على معلومات مختلفة تمامًا عن تلك التى يملكها الآخر.

لكن هل يجب أن نشرح كل شىء؟

بالطبع لا. ليست العلاقات الجيدة اجتماعات نشرح فيها كل شعور وكل حركة، وهناك قدر طبيعى من الانتباه والفهم نتوقعه ممن تربطنا بهم علاقة قريبة. من المؤلم فعلًا أن نضطر إلى طلب أبسط أشكال الاهتمام طوال الوقت، كما أن تكرار تجاهل احتياج عبّرنا عنه بوضوح يختلف تمامًا عن عدم فهم احتياج لم نتحدث عنه أصلًا.

لذلك لا تعنى الفكرة أن نعفى الآخرين من مسؤولية الانتباه، وإنما أن نفرق بين شيئين: ما قلناه بالفعل ولم يُسمع، وما تصورنا أننا قلناه لأننا شعرنا به بقوة. هذا الفرق مهم، لأنه يمنعنا أحيانًا من بناء حكم كبير على رسالة لم نتأكد أصلًا أنها وصلت.

قبل أن تقول: "أنت لا تفهمنى"

ربما يكون السؤال الأكثر فائدة فى لحظة كهذه: هل عبّرت عما أحتاج إليه بوضوح، أم كنت أنتظر أن يُفهم وحده؟ قد نكتشف أن بعض الأشياء التى نعتبرها بديهية ليست بديهية للطرف الآخر. بالنسبة لشخص، السؤال المتكرر هو اهتمام، بينما يراه آخر تدخلاً. أحدهما يشعر بالحب عندما يسمع الكلمات، والآخر يعبّر عنه بالأفعال.

شخص يحتاج إلى الحديث عندما يكون منزعجًا، بينما يحتاج آخر إلى بعض الوقت قبل الكلام. وحين نفترض أن طريقتنا هى اللغة المفهومة للجميع، قد نقضى وقتًا طويلًا فى إرسال رسائل لا يعرف الآخر أنه مطالب بقراءتها.

الوضوح لا يفسد عفوية العلاقات

هناك من يشعر أن طلب الاهتمام يفقده قيمته: "إذا طلبت منه أن يفعل ذلك، فما فائدته؟ كنت أريده أن يفعله من نفسه". والمشاعر وراء هذه الجملة مفهومة؛ فنحن نحب أن نشعر بأن الآخر يلاحظنا دون تعليمات. لكن العلاقات لا تُبنى كلها على الاختبارات الصامتة.

أحيانًا يكون إخبار شخص بما يسعدنا فرصة له حتى يعرفنا بصورة أفضل، وليس دليلًا على أنه لا يهتم. فالناس يتعلمون بعضهم بعضًا، وحتى بعد سنوات تظل هناك أشياء جديدة نكتشفها. والوضوح لا يعنى أن نملى على الآخرين كيف يحبوننا، لكنه يمنحهم فرصة عادلة لمعرفة ما الذى يعنى لنا الحب والاهتمام والدعم.

الكلام لا يضمن الاستجابة... لكنه يوضح الحقيقة

التعبير الواضح لا يعنى أننا سنحصل دائمًا على ما نريد. قد تقول ما تحتاج إليه، ويختلف الآخر معك، أو لا يستطيع تقديمه، أو يختار ألا يفعل. وهذا مؤلم أحيانًا، لكنه يمنحنا معلومة حقيقية عن العلاقة. هناك فارق كبير بين شخص لم يعرف ما نحتاج إليه، وشخص عرفه بوضوح ثم تجاهله باستمرار.

الصمت قد يجعلنا نخلط بين الاثنين، فنحكم على الآخرين بناءً على امتحان لم يعرفوا أنهم يخوضونه. أما الكلام فيضع الواقع أمامنا كما هو، وربما تكون هذه إحدى فوائد الوضوح التى لا نتحدث عنها كثيرًا: إنه لا يساعد الآخرين فقط على فهمنا، بل يساعدنا نحن أيضًا على فهم علاقاتنا بصورة أدق.

حين نستبدل الاختبار بالحوار

ربما لا نحتاج إلى أن نتوقف عن تمنّى أن يفهمنا الآخرون من نظرة أو كلمة؛ فهناك لحظات جميلة فعلًا فى العلاقات حين يعرف شخص قريب منا ما نحتاج إليه دون أن نطلب. لكن المشكلة تبدأ عندما نجعل هذه اللحظات معيارًا للحب كله، فنختبر الناس بصمت ثم نغضب عندما لا يعرفون الإجابة. يمكننا بدلًا من ذلك أن نمنح العلاقات فرصة للكلام: "أنا محتاج أن تسمعنى فقط"، "الموقف ده ضايقنى"، "أنا مضغوط ومحتاج مساعدة"، أو حتى "لما تعمل كذا، ده بيفرق معايا".

ربما لا تبدو هذه الجمل رومانسية بقدر فكرة أن يعرف الآخر وحده، لكنها أكثر عدلًا للطرفين. فالقرب الحقيقى لا يعنى أن نقرأ أفكار بعضنا، بل أن نشعر بأن هناك مساحة آمنة نستطيع فيها أن نقول ما بداخلنا.

نافذة للتأمل

فكر فى موقف شعرت فيه مؤخرًا أن شخصًا قريبًا منك "كان يجب أن يفهم". ما الذى كنت تتوقع منه أن يعرفه تحديدًا؟ وهل قلته له فعلًا، أم كنت تعتمد على أن يقرأ إشاراتك؟ ثم جرّب أن تقلب السؤال: كم مرة ربما كان شخص أمامك ينتظر منك الفهم نفسه، بينما لم تكن تعرف أصلًا ما الذى يدور بداخله؟ أحيانًا لا يكون السؤال الأهم: "لماذا لم يفهمنى؟"، بل: "هل منحته ما يكفى كى يفهمنى؟"

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

"كان المفروض أن يفهم"

تعود إلى البيت بعد يوم طويل، تتحدث أقل من المعتاد، وتجيب بكلمات قصيرة، وربما تنتظر سؤالًا واحدًا: "مالك؟". لكنه لا...

أسرار التشتت لدى الطلاب

تُعد ظاهرة التشتت الفكري واحدة من أعظم التحديات المعرفية في العصر الحديث. لم يعد التشتت مجرد حالة عابرة من السرحان،...

قمة العلمين.. رسائل تُقرأ خارج سماء العرض

ليست كل القمم متساوية في دلالاتها، وليس كل اجتماع بين ثلاثة قادة يمكن قراءته فقط من خلال ما جاء في...

الحمار واكتشاف الآثار، قصص أعظم اكتشافات أثرية

في أعمال الحفائر بعد استرداد سيناء مباشرة كان مفتشي الآثار من جيل الرواد في مجال الآثار الإسلامية والقبطية يستخدمون الحمير...


مقالات

"كان المفروض أن يفهم"
  • الخميس، 10 سبتمبر 2026 10:00 ص
أسرار التشتت لدى الطلاب
  • الخميس، 10 سبتمبر 2026 08:00 ص
قمة العلمين.. رسائل تُقرأ خارج سماء العرض
  • الأربعاء، 09 سبتمبر 2026 04:57 م
عقارب إيزيس السبع الحاميات
  • الإثنين، 07 سبتمبر 2026 10:00 ص