قد يقول لك أحدهم فى لحظة عابرة: "أنت لا تعرف كيف تتعامل مع الناس"، فتمر الجملة وتنتهى المحادثة، لكنها لا تنتهى بالضرورة داخلك. بعد فترة تدخل موقفًا اجتماعيًا جديدًا، فتتردد قبل أن تتحدث، وإذا لم يسر اللقاء كما تمنيت، تعود الجملة القديمة وكأنها وجدت دليلًا جديدًا على صحتها.
بقلم: منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
وقد يحدث العكس أيضًا؛ يخبرك شخص فى بداية حياتك أنك تجيد الشرح أو الكتابة أو التعامل مع الناس، فتبدأ فى ملاحظة هذه القدرة لديك، ثم تمنحها مساحة أكبر حتى تصبح جزءًا من الطريقة التى تعرف بها نفسك.
نحن نحب أن نعتقد أن صورتنا عن أنفسنا نصنعها وحدنا، لكن الحقيقة أن كثيرًا من الأصوات التى سمعناها عبر السنوات تركت أثرًا فى هذه الصورة، وبعضها ربما ما زال يتحدث بداخلنا حتى بعد أن نسينا صاحبه.
أول مرآة نرى فيها أنفسنا
قبل أن يستطيع الطفل أن يقول من أنا، يسمع الآخرين يقولون له من يكون. "أنت شاطر"، "أنت هادئ"، "أنت حساس"، "أختك أجرأ منك"، "أنت دائمًا تعمل مشاكل"، "أنت الشخص الذى نعتمد عليه". تبدو هذه العبارات أحيانًا مجرد وصف لموقف، لكن تكرارها قد يجعلها أكبر من الموقف نفسه. فالطفل لا يملك فى سنواته الأولى صورة مكتملة عن ذاته، ولذلك يستعير جزءًا من هذه الصورة من الوجوه والأصوات المحيطة به.
ومع الوقت قد يتحول الوصف إلى توقع، والتوقع إلى طريقة فى التصرف. فالذى يسمع باستمرار أنه خجول قد يبدأ فى تجنب المواقف التى تتطلب المبادرة، والذى يعرفه الجميع بأنه "العاقل" قد يشعر أنه لا يملك رفاهية التعب أو الخطأ، والطفل الذى اعتاد أن يكون "المتفوق" قد يكبر وهو يخشى أى تجربة لا يضمن فيها النجاح.
وحين نكبر... لا تختفى المرايا
قد نتصور أن تأثير نظرة الآخرين يقل بمجرد أن نكبر ونصبح أكثر معرفة بأنفسنا، لكنه لا يختفى بهذه السهولة. فى العمل، قد تغير كلمة من مدير الطريقة التى يرى بها موظف قدراته، وفى الزواج قد تجعل الانتقادات المتكررة شخصًا يبدأ فى الشك فى أشياء كان واثقًا منها، وفى الصداقة قد نشعر أننا أكثر خفة أو أكثر ثقلًا بحسب الطريقة التى يستقبلنا بها الآخرون.
وحتى على وسائل التواصل الاجتماعى، أصبحت هناك مرايا جديدة: أرقام الإعجاب، والتعليقات، والمقارنات، ومن لاحظ ما نشرناه ومن لم يلاحظه. لا يعنى ذلك أن كل رأى نسمعه يعيد تشكيلنا، لكن الإنسان لا يعيش فى فراغ، وصورته عن نفسه تتكون فى حوار مستمر بين ما يعرفه عن ذاته وما يراه منعكسًا فى عيون المحيطين به.
حين نرى أنفسنا كما نتخيل أنهم يروننا
من الأفكار المبكرة التى حاولت تفسير هذه العلاقة مفهوم Looking-Glass Self أو "الذات فى المرآة الاجتماعية"، الذى طرحه عالم الاجتماع الأمريكى Charles Horton Cooley فى بدايات القرن العشرين. والفكرة، فى صورتها المبسطة، أننا لا نبنى إحساسنا بأنفسنا من داخلنا فقط، بل نتخيل أيضًا كيف يرانا الآخرون، ثم نتخيل حكمهم علينا، وقد يؤثر ذلك فى المشاعر التى نكوّنها تجاه أنفسنا.
والمثير هنا أن التأثير لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون رأى الآخر حقيقيًا أو دقيقًا؛ فقد يكفى أحيانًا ما نعتقد أنه يراه فينا. قد تدخل اجتماعًا وتفسر صمت أحد الحاضرين باعتباره عدم اقتناع بك، أو ترى عدم الرد على رسالة باعتباره تجاهلًا، ثم تتصرف بناء على هذا التفسير، رغم أنك لا تعرف ما الذى كان يدور فعلًا فى ذهن الطرف الآخر.
ليست كل مرآة صافية
المشكلة أن الأشخاص الذين نرى أنفسنا من خلالهم لا ينظرون إلينا من مكان محايد. كل إنسان يرانا من خلال شخصيته وخبرته واحتياجاته وتوقعاته، ولذلك قد يكون الحكم الذى نتلقاه وصفًا لنا بقدر ما يكون انعكاسًا لمن يقوله. شخص يصفك بأنك "صعب" لأنك بدأت ترفض أشياء كنت تقبلها، وآخر يراك "باردًا" لأن طريقة تعبيرك عن المشاعر تختلف عن طريقته، ومدير يعتبر موظفًا غير طموح لأنه لا يسعى إلى المنصب الذى يراه هو علامة النجاح. حتى داخل الأسرة الواحدة قد يختلف وصف الشخص نفسه تمامًا من فرد إلى آخر. وإذا كانت المرايا مختلفة إلى هذا الحد، يصبح من الخطير أن نختار واحدة منها ونعتبرها الحقيقة الكاملة عن أنفسنا.
أخطر الكلمات قد تأتى ممن نحب
آراء الغرباء قد تضايقنا، لكن كلمات الأشخاص المهمين فى حياتنا غالبًا ما تصل إلى مكان أعمق. عندما يأتى النقد من أب أو أم أو شريك حياة أو شخص نحترمه، قد نمنحه وزنًا أكبر لأن العلاقة نفسها لها وزن. ولهذا يمكن لجملة تتكرر داخل علاقة قريبة أن تتحول بمرور الوقت من "هو يرانى هكذا" إلى "ربما أنا فعلًا هكذا".
فإذا سمع الإنسان باستمرار أنه مبالغ فى مشاعره، قد يبدأ فى الشك كلما انزعج؛ وإذا قيل له إنه لا يستطيع اتخاذ قرار جيد، فقد يبحث مع الوقت عن موافقة الآخرين قبل قراراته؛ وإذا كانت كل محاولة جديدة تقابل بالسخرية، ربما يتوقف عن المحاولة قبل أن يعرف أصلًا ما الذى كان يستطيع الوصول إليه.
وهنا لا تكون المشكلة فى النقد نفسه، فنحن جميعًا نحتاج أحيانًا إلى من يلفت انتباهنا إلى ما لا نراه، وإنما فى اللحظة التى يتحول فيها رأى شخص آخر إلى تعريف نهائى لنا.
لكن تجاهل الآخرين ليس الحل
قد يبدو الحل بسيطًا: "لا تهتم برأى أحد". لكنها نصيحة لا تبدو واقعية، وربما ليست مفيدة أيضًا. فنحن نحتاج إلى الآخرين كى نرى أشياء لا نستطيع رؤيتها وحدنا. قد يلاحظ صديق نمطًا نكرره، أو يخبرنا زميل عن طريقة فى التواصل تؤثر فى من حولنا، أو يلفت شخص قريب انتباهنا إلى قدرة لم نكن نقدرها فى أنفسنا. المشكلة إذن ليست فى أن نستمع، بل فى الطريقة التى نستقبل بها ما نسمعه.
هناك فرق بين أن أقول: "ربما لديه معلومة تستحق أن أفكر فيها"، وبين أن أقول: "بما أنه قال ذلك، إذن هذه هى حقيقتى". الرأى يمكن أن يكون نافذة نرى من خلالها جزءًا من أنفسنا، لكنه لا يجب أن يصبح البيت كله.
من قالها... وعلى أى أساس؟
قبل أن نضع رأيًا جديدًا داخل تعريفنا لأنفسنا، ربما يستحق أن نسأله بعض الأسئلة. هل هذا الشخص يعرفنى بما يكفى؟ هل يتحدث عن موقف محدد أم يصدر حكمًا عامًا؟ هل سمعت الملاحظة نفسها من مصادر مختلفة وفى أوقات مختلفة، أم أنها جاءت من شخص واحد وفى لحظة غضب؟ وهل أستطيع أن أجد فى تجربتى ما يؤيدها فعلًا؟ فهناك فرق كبير بين "تصرفت بأنانية فى هذا الموقف" و"أنت إنسان أنانى"، وبين "هذا العرض لم يكن جيدًا" و"أنت لا تجيد التحدث أمام الناس". الجملة الأولى تترك مساحة للتعلم والتغيير، أما الثانية فتحول السلوك إلى هوية. وربما نحتاج نحن أيضًا إلى الانتباه إلى اللغة التى نستخدمها مع الآخرين، لأن بعض الكلمات التى نقولها باعتبارها وصفًا عابرًا قد يحملها شخص آخر معه سنوات.
صورة لا يرسمها شخص واحد
كلما نضجت علاقتنا بأنفسنا، ربما تصبح صورتنا أقل اعتمادًا على مرآة واحدة. نسمع الآراء، ونراجعها، ونستفيد مما هو صادق فيها، لكننا نضيف إليها معرفتنا بتاريخنا واختياراتنا وما فعلناه عندما لم يكن أحد يشاهدنا. نحن لسنا فقط الطريقة التى يرانا بها الآخرون، ولسنا أيضًا الصورة التى نحب أن نراها عن أنفسنا دون مراجعة.
وبين الاثنين توجد مساحة أكثر واقعية: إنسان لديه نقاط قوة ونقاط تحتاج إلى تطوير، يتغير مع الوقت، وقد يخطئ شخص فى فهمه كما قد يخطئ هو فى فهم نفسه. وربما تكون الحرية هنا ليست أن نتوقف عن سماع الآخرين، وإنما أن نتوقف عن تسليم أى شخص منهم القلم ليكتب تعريفنا كاملًا.
نافذة للتأمل
فكر فى وصف عن نفسك تردده منذ سنوات: "أنا خجول"، "أنا عصبية"، "أنا لا أعرف كيف أختار"، "أنا الشخص الذى يتحمل الجميع"، أو أى جملة أخرى أصبحت مألوفة جدًا حتى إنك لم تعد تسأل من أين جاءت. هل اكتشفتها أنت من تجربتك، أم سمعتها أولًا من شخص آخر ثم بدأت تراها فى نفسك؟ وإذا كان صاحب هذا الصوت لم يعد موجودًا فى حياتك اليوم، فهل من العدل أن يظل رأيه موجودًا داخل تعريفك لنفسك؟ ربما يستحق الأمر أن تنظر مرة أخرى، لا لكى تثبت أن الآخرين كانوا مخطئين، بل لتعرف: من أنا اليوم، بعيدًا عن كل الأوصاف التى ورثتها عن نفسى؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
قد يقول لك أحدهم فى لحظة عابرة: "أنت لا تعرف كيف تتعامل مع الناس"، فتمر الجملة وتنتهى المحادثة، لكنها لا...
بدأ اليوم العالمي لسلامة المرضى (World Patient Safety Day) رسميًا عام 2019. ويتم الاحتفال به سنويًا في 17 سبتمبر، وجاء...
إن الأساس الذي يبارك العلم وينمي ثمرته يكمن في التزام طالب العلم بالأخلاق الفاضلة مع معلِّمه الذي يمثل الجسر الذي...
ترأس اللواء خالد فودة مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية ورئيس اللجنة القومية لحماية وتطوير القاهرة التراثية والدكتور إبراهيم صابر محافظ...