حين يصبح الغد مكانًا نعيش فيه

لماذا نؤجل أهم الأشياء... رغم أننا نعرف أنها قد تغيّر حياتنا؟

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

مع بداية كل عام، أو مع بداية كل شهر، نعد أنفسنا بالكثير. نقرر أن نعتنى بصحتنا، وأن نعود إلى القراءة، وأن نتعلم شيئًا جديدًا، وأن نبدأ ذلك المشروع الذى ظل مؤجلًا طويلًا. نكتب أهدافنا بحماس، ونشعر أن هذه المرة ستكون مختلفة، وكأن مجرد كتابة الخطة يمنحنا إحساسًا بأننا اقتربنا بالفعل من تحقيقها.

ثم تبدأ الأيام فى الجرى كعادتها. ننشغل بالعمل، وبالمسؤوليات، وبالرسائل التى لا تنتهى، وبالمهام اليومية التى لا يبدو أن لها نهاية. وكلما تذكرنا ما وعدنا به أنفسنا، قلنا: "ليس اليوم... سأبدأ غدًا." والغريب أن الغد لا يأتى أبدًا بالصورة التى تخيلناها، بل يأتى محملًا بانشغالات جديدة، فنؤجل مرة أخرى، دون أن نشعر أن التأجيل نفسه أصبح جزءًا من أسلوب حياتنا.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أننا لا نؤجل الأشياء قليلة الأهمية، بل نؤجل غالبًا أكثر الأشياء التى نؤمن بأنها ستصنع فارقًا حقيقيًا فى حياتنا.

الحكاية ليست حكاية كسل

حين نعجز عن البدء، يكون أول تفسير نقدمه لأنفسنا أننا نفتقد الإرادة، أو أننا أشخاص غير منظمين. وربما نقارن أنفسنا بآخرين يبدو أنهم أكثر قدرة على الإنجاز، فنزداد اقتناعًا بأن المشكلة نحن.

لكن لو تأملنا حياتنا قليلًا، سنكتشف أن كثيرًا ممن يؤجلون أهدافهم ليسوا كسالى على الإطلاق. قد يقضى أحدهم يومه بين الاجتماعات، والالتزامات، ومساعدة الآخرين، وإنجاز عشرات المهام، ثم يعجز فى نهاية اليوم عن تخصيص نصف ساعة لشىء يخصه هو. وقد تكون أم أو أب يقضيان يومهما فى رعاية الأسرة، بينما يؤجلان باستمرار الاهتمام بصحتهما أو ممارسة هواية كانا يحبّانها يومًا.

إذن فالمشكلة ليست دائمًا فى قلة الوقت، ولا فى ضعف الرغبة، وإنما فى الطريقة التى يوزع بها العقل اهتمامه بين ما يمنحنا راحة الآن، وما سيمنحنا حياة أفضل لاحقًا.

الغد... ذلك الوعد الجميل

من السهل أن نقنع أنفسنا بأن الغد سيكون أكثر ملاءمة. سنكون أقل إرهاقًا، وأكثر تركيزًا، وستكون الظروف أفضل. ويبدو هذا التفكير منطقيًا إلى درجة أننا لا نشعر أننا نؤجل، بل نشعر أننا نحسن اختيار التوقيت.

ولهذا نظل نؤجل الاشتراك فى دورة نحتاجها، أو زيارة طبيب، أو البدء فى ممارسة الرياضة، أو كتابة فكرة نحلم بتحويلها إلى مشروع. وفى العلاقات أيضًا يحدث الأمر نفسه؛ نؤجل الحديث الذى يحتاجه شريك الحياة لأننا ننتظر لحظة أكثر هدوءًا، ونؤجل الاعتذار حتى تهدأ النفوس، ونؤجل التعبير عن الامتنان لأننا نظن أن الفرصة ستبقى دائمًا موجودة.

والمشكلة أن الحياة لا تتوقف حتى نجد اللحظة المثالية. فبينما ننتظر الوقت المناسب، يمر الوقت نفسه.

حين يشرح العلم ما نعيشه

يطلق علماء النفس على هذا الميل اسم "الخصم الزمنى" (Temporal Discounting)، وهو مفهوم يصف الطريقة التى يمنح بها العقل قيمة أكبر للمكافآت القريبة، مقارنة بالمكاسب الأكبر التى تتحقق فى المستقبل.

ولهذا قد تبدو راحة البقاء فى المنزل اليوم أكثر جاذبية من الفوائد الصحية التى سنحصل عليها بعد أشهر من الالتزام بالرياضة. وقد تبدو متعة تصفح الهاتف الآن أكثر إغراءً من قراءة صفحات قليلة فى كتاب نعرف أنه سيضيف إلينا الكثير. وليس لأننا لا نهتم بالمستقبل، بل لأن العقل يتعامل مع الحاضر وكأنه أكثر واقعية، بينما يبدو المستقبل بعيدًا بما يكفى لتأجيله.

وحين نفهم هذه الآلية، ندرك أن المشكلة ليست فى أننا لا نعرف ما يجب أن نفعله، بل فى أن عقولنا تمنح الراحة الفورية وزنًا أكبر من المكاسب المؤجلة.

حين يمتد التأجيل إلى علاقاتنا

فى العلاقات الإنسانية، لا يكون التأجيل أقل أثرًا. فقد نؤجل حوارًا مهمًا لأننا لا نريد إفساد يوم هادئ، أو نؤجل الاعتذار لأننا ننتظر أن يهدأ الطرف الآخر، أو نؤجل التعبير عن مشاعرنا لأننا نظن أن الفرصة ستأتى لاحقًا.

لكن العلاقات لا تنمو بما نشعر به فقط، بل بما نعبر عنه أيضًا. والكلمات التى لا تُقال فى وقتها قد لا تجد الأثر نفسه إذا قيلت بعد شهور. وليس لأن المشاعر تغيرت بالضرورة، وإنما لأن الزمن غيّر السياق الذى كان ينتظرها.

ولذلك لا تضيع بعض العلاقات بسبب خطأ كبير، بل بسبب أشياء صغيرة تأجلت حتى أصبحت المسافة بين القلوب أكبر من أن تعبرها كلمة واحدة.

حين نحكم على أنفسنا بقسوة

بعد مرات كثيرة من التأجيل، يبدأ الإنسان فى تكوين صورة غير عادلة عن نفسه. يقول: "أنا دائمًا أؤجل"، أو "أنا لا أستطيع الالتزام"، حتى تصبح هذه الجمل جزءًا من هويته، لا مجرد وصف لسلوك مؤقت.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فبدل أن ننظر إلى التأجيل باعتباره عادة يمكن فهمها وتغييرها، نعتبره دليلًا على ضعف شخصيتنا. بينما تشير الدراسات إلى أن هذا الميل موجود بدرجات مختلفة لدى معظم البشر، وأن فهمه يساعدنا على التعامل معه بذكاء، بدلًا من الاكتفاء بلوم أنفسنا.

فالتغيير لا يبدأ حين نصف أنفسنا بالقسوة، بل حين نفهم كيف يعمل عقلنا، ثم نبحث عن طريقة نتعاون بها معه، لا أن ندخل فى معركة دائمة ضده.

البداية أصغر مما نتخيل

ربما لا نحتاج إلى انتظار يوم يخلو من الانشغال، أو إلى موجة حماس استثنائية، أو إلى ظروف مثالية لا تأتى أبدًا. ربما نحتاج فقط إلى أن نصغر حجم البداية.

صفحتان من كتاب.

عشر دقائق من المشى.

رسالة مؤجلة.

مكالمة قصيرة.

أول صفحة فى مشروع كبير.

فالإنجازات العظيمة لا تبدأ غالبًا بخطوات عظيمة، وإنما تبدأ بلحظة يقرر فيها الإنسان أن يتوقف عن انتظار الغد، ويمنح اليوم فرصة صغيرة.

نافذة للتأمل

ربما لا يكون أكبر ما سرقته منا عادة التأجيل هو الوقت...
بل الحياة التى كان يمكن أن نصنعها، لو بدأنا عندما قلنا لأنفسنا للمرة الأولى: سأبدأ غدًا.
فكر فى شىء مهم تؤجله منذ فترة، ليس لأنك لا تريده، بل ربما لأنك تنتظر الوقت أو المزاج أو الظروف المناسبة.
ما أصغر خطوة يمكنك أن تفعلها اليوم... دون أن تنتظر أن تصبح مستعدًا لكل ما بعدها؟
ربما لا يحتاج المستقبل إلى نسخة أفضل منك بقدر ما يحتاج إلى خطوة صغيرة من النسخة التى أنت عليها الآن.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

حين يصبح الغد مكانًا نعيش فيه

لماذا نؤجل أهم الأشياء... رغم أننا نعرف أنها قد تغيّر حياتنا؟

دراسة تحليلية وصور نادرة لكشف مدينة عسيلة بطريق الحج المصري القديم

كشفت بعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية عن بقايا مبنى أثري بمدينة "عسيلة" المندثرة، يرجح...

اليوم العالمي للشباب

يُحتفل باليوم العالمي للشباب في 12 أغسطس من كل عام، تأكيدًا على الدور المحوري للشباب في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا...

الذهب بعد صدمة الوظائف.. بداية موجة جديدة؟

لم تعد حركة الذهب في الأسواق العالمية مجرد انعكاس مباشر لتغيرات أسعار الفائدة الأمريكية أو تقلبات الدولار، كما جرت العادة...