الشباب والقانون وبناء السلام: طاقة المجتمع حين تنضبط بالوعي والمسؤولية

يمثل الشباب طاقة المجتمع الأكثر قدرة على المبادرة والتعلم والتأثير. وحين تقترن هذه الطاقة بالوعي القانوني، تتحول من حماس عابر إلى مشاركة منظمة تحفظ السلم المجتمعي، وتدعم الثقة، وتفتح مسارات عملية لخدمة الناس. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الشباب والقانون وبناء السلام؛ فالمقصود بالشباب هنا ليس حدًا عمريًا جامدًا، بل فئة تمتلك الاستعداد للمشاركة والرغبة في ترك أثر داخل الأسرة والجامعة والعمل والمجتمع.

بقلم المستشار/ حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام

 

والقانون في هذا السياق هو الإطار الذي ينظم الحقوق والواجبات، ويحمي المبادرة من العشوائية، ويمنع استغلال الحماس أو إهدار الجهد. أما بناء السلام، فهو الجهد الذي يساعد المجتمع على إدارة الخلاف، ومنع العنف، ومكافحة خطاب الكراهية، ومعالجة أسباب التوتر قبل أن تتحول إلى صدام. وبهذا المعنى، يصبح الشاب الواعي بالقانون شريكًا في الوقاية والحوار وخدمة المجتمع، لا مجرد متلقٍ لبرامج أو خطابات.

الأساس الدستوري والقانوني للمشاركة الشبابية

يقدم الدستور المصري أساسًا واضحًا لدور الشباب في بناء المجتمع. فقد نصت المادة (82) على أن: "تكفل الدولة رعاية الشباب والنشء، وتعمل على اكتشاف مواهبهم، وتنمية قدراتهم الثقافية والعلمية والنفسية والبدنية والإبداعية، وتشجيعهم على العمل الجماعي والتطوعي، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة." وهذه المادة تضع الشباب داخل مشروع بناء الإنسان، من خلال الرعاية، وتنمية القدرات، والعمل الجماعي، والتطوع، والمشاركة العامة.

وتدعم المادة (75) حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بما يتيح مسارات منظمة لخدمة المجتمع. كما تقرر المادة (87) أن مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني، وتقرر المادة (59) أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان. وعند قراءة هذه النصوص معًا، يظهر أن مشاركة الشباب ليست نشاطًا هامشيًا، بل جزء من بناء حياة عامة آمنة ومنظمة.

وعلى المستوى التشريعي، ينظم قانون تنظيم الهيئات الشبابية رقم 218 لسنة 2017 صورًا مؤسسية لرعاية الشباب وتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والترويحية والثقافية وغيرها. كما ينظم قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 العمل التطوعي، ويقرره بوصفه نشاطًا حرًا لتحقيق النفع العام دون هدف للربح. وتمنح هذه النصوص المشاركة الشبابية إطارًا قانونيًا يحفظ المبادرة، ويحدد المسؤولية، ويحمي المتطوع والمستفيد.

الشباب بين الوقاية والحوار وخدمة المجتمع

أول طريق عملي لبناء السلام هو الوقاية. فالشباب بحكم قربهم من المدارس والجامعات والفضاء الرقمي يستطيعون ملاحظة مؤشرات التوتر مبكرًا: تنمر، خطاب كراهية، شائعة، خلاف داخل حي، أو غضب مرتبط بخدمة عامة. والتدخل الواعي في هذه اللحظة يمنع تضخم المشكلة، بشرط احترام القنوات القانونية، والمعلومات الصحيحة، واختصاصات المؤسسات.

والطريق الثاني هو الحوار. يحتاج الشباب إلى مهارات الإصغاء، واحترام الاختلاف، وإدارة الغضب، والسؤال دون استفزاز، والرد دون إهانة. هذه المهارات ليست ترفًا ثقافيًا، بل أدوات حماية اجتماعية؛ لأن كثيرًا من الأزمات ينشأ من عجز الناس عن التعبير أو الاستماع أو الاعتراف بوجهة نظر مختلفة. ومن هنا تستطيع الجامعات ومراكز الشباب والجمعيات أن تتحول إلى مدارس عملية للحوار إذا امتلكت برامج واضحة ومشرفين مدربين ومساحات آمنة للنقاش.

والطريق الثالث هو الخدمة العامة. حين يشارك الشباب في محو الأمية، ودعم التعليم، وحملات الصحة، وحماية البيئة، ومساندة كبار السن، ومساعدة الأطفال والأسر الأولى بالرعاية، فإنهم يبنون السلام بطريقة ملموسة. فالخدمة العامة تجعل الشاب أقرب إلى احتياجات الناس، وتدربه على الرحمة والانضباط والمسؤولية، وتمنحه فهمًا أعمق لمعنى المواطنة.

أجندة الشباب والسلام والأمن والدروس العملية

على المستوى الدولي، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2250 لسنة 2015 بشأن الشباب والسلام والأمن، مؤكدًا المساهمة الإيجابية للشباب في منع النزاعات وتسويتها وبناء السلام. وتقوم هذه الأجندة على خمسة محاور: المشاركة، والحماية، والوقاية، والشراكات، وإعادة الإدماج. ورغم نشأة القرار في سياقات النزاع المسلح، فإن منطقه العملي يصلح لكل مجتمع يريد أن يجعل الشباب جزءًا من الحل.

المشاركة تعني سماع صوت الشباب في القضايا التي تمس حياتهم. والحماية تعني صونهم من العنف، والاستغلال، والتطرف، وخطاب الكراهية، والمخاطر الرقمية. والوقاية تعني معالجة أسباب الغضب أو الانسحاب أو العنف قبل اتساعها. أما الشراكات فتجمع الشباب بالمؤسسات التعليمية، ومراكز الشباب، والجمعيات، والقطاع الخاص، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية. وإعادة الإدماج تمنح الشباب الذين تعرضوا لهشاشة اجتماعية أو تعثر تعليمي أو خطر فكري فرصة للعودة إلى مسار إيجابي عبر التعليم والتدريب والإرشاد والعمل.

وتكشف هذه المحاور درسًا مهمًا: بناء السلام لا ينجح بالوعظ وحده. إنه يحتاج إلى مشاركة حقيقية، وحماية من المخاطر، وتدريب، وفرص، وشراكات قابلة للقياس. فالشباب الذين يجدون طريقًا واضحًا للمشاركة يصبحون أقل عرضة للعزلة والتطرف واللامبالاة، وأكثر قدرة على تحويل طاقاتهم إلى عمل نافع.

مسارات واضحة لدور الشباب في بناء السلام

المسار الأول هو الوعي القانوني. يحتاج الشباب إلى معرفة حقوقهم وواجباتهم، وقواعد المشاركة العامة، والعمل الأهلي، والتطوع، والمسؤولية الرقمية، وطرق الإبلاغ عن العنف أو خطاب الكراهية أو الاحتيال. وهذه المعرفة تجعل المبادرة أكثر أمانًا وفاعلية.

المسار الثاني هو التدريب على الوساطة والحوار. ويمكن للجامعات ومراكز الشباب والجمعيات أن تقدم برامج عملية في إدارة الخلاف، والإصغاء، والتفاوض، واحترام التنوع، ومهارات التهدئة. فالوساطة ليست مهمة رسمية فقط، بل مهارة يومية يحتاجها الشاب في أسرته ودراسته وعمله ومجتمعه.

المسار الثالث هو التطوع المنظم. فكل فرصة تطوعية جادة تحتاج إلى دور واضح، وساعات محددة، ومشرف، وتدريب، وقواعد سلامة، وتقييم، وتوثيق للخبرة. وبهذا يتحول وقت الشباب إلى مهارة، وخدمتهم إلى أثر، وحماسهم إلى إنجاز.

المسار الرابع هو السلام الرقمي. يستطيع الشباب أن يكونوا قوة إيجابية عبر التحقق من المعلومات، ورفض إعادة نشر الإساءة، ومواجهة الشائعات بلغة هادئة، وصناعة محتوى يحترم الإنسان. ففي زمن المنصات، الكلمة مسؤولية، والضغط على زر المشاركة قد يبني الثقة أو يهدمها.

المسار الخامس هو ربط الشباب بالتنمية المحلية. التعليم، والصحة، والبيئة، ومحو الأمية الرقمية، وريادة الأعمال، ودعم الأسر الأكثر احتياجًا، كلها مجالات تجعل الشباب أقرب إلى قضايا الناس اليومية، وتبني ثقة متبادلة بين المواطن والمؤسسة.

وفي الختام، فإن الشباب والقانون وبناء السلام يلتقون عند فكرة محورية: الطاقة تحتاج إلى وعي، والحماس يحتاج إلى تنظيم، والمشاركة تحتاج إلى مسار واضح. لذلك يحتاج الشباب إلى قانون يوضح الطريق، ومؤسسات تفتح المجال، وتدريب يبني المهارة، وثقافة تحترم الحوار.

وحين يعرف الشاب حقه وواجبه، ويتدرب على إدارة الخلاف، ويشارك في خدمة مجتمعية على نحو منظم، ويحسن استخدام الكلمة في الواقع والفضاء الرقمي، يصبح شريكًا حقيقيًا في حماية المجتمع من التوتر والكراهية واللامبالاة. وبذلك يتحول بناء السلام من خطاب عام إلى ممارسة يومية تبدأ من الأسرة والجامعة ومركز الشباب والجمعية والمنصة الرقمية، وتنتهي بمجتمع أكثر ثقة وقدرة على البناء.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حسام الدين علام
حسام الدين علام
حسام الدين علام
المستشار حسـام الدين علّام

المزيد من مقالات

الوعي الإعلامي.. سلاح العقل في مواجهة فقاعات الوهم !

يرى البعض أن الوعي الإعلامي مفهوم معني به ذوو الاختصاص في الإعلام والاتصال فقط، والواقع أنه أصبح ضرورة يومية لكل...

توقير أهل العلم شرط النهضة الحضارية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لقد فضل الله...

الشباب والقانون وبناء السلام: طاقة المجتمع حين تنضبط بالوعي والمسؤولية

يمثل الشباب طاقة المجتمع الأكثر قدرة على المبادرة والتعلم والتأثير. وحين تقترن هذه الطاقة بالوعي القانوني، تتحول من حماس عابر...

حين تعلّم الطين أن يتكلم... الكتابة والكاتب والمدرسة في العراق القديم

كيف استطاع الإنسان أن يحتفظ بكمية من المعلومات أكبر مما تستطيع ذاكرته أن تستوعب؟ كيف تذكر التاجر ديونه؟ وكيف عرف...