مصر وقضايا المنطقة.. ثقل دولة وحكمة قيادة

في السياسة الدولية، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها الجغرافي وحده، ولا بعدد ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية، وإنما بقدرتها على الحضور والتأثير، وبمدى ما تحظى به من ثقة واحترام لدى الأطراف المختلفة، وبقدرتها على أن تكون جزءًا من صناعة الحلول عندما تتعقد الأزمات.

أيمن عدلي
عضو مجلس إدارة نقابة الإعلاميين

 

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحراك المصري المكثف خلال الأيام الماضية، الذي عكس بوضوح مكانة مصر الإقليمية والدولية، وثقلها السياسي، ودورها المتوازن في التعامل مع قضايا المنطقة والعالم.

فما بين مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة تجمع "بريكس" في نيودلهي، ولقاءاته مع عدد من قادة العالم، ثم استقبال القاهرة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تتأكد حقيقة أساسية: مصر حاضرة عندما تكون قضايا المنطقة على مائدة البحث، وصوتها مسموع عندما يتعلق الأمر بالأمن والاستقرار والسلام.

ولعل اللافت في التحرك المصري أنه لا يتحرك في اتجاه واحد، ولا يرتبط بمحور دون آخر، وإنما يقوم على سياسة تقوم على الانفتاح والتوازن والحفاظ على المصالح الوطنية، مع التمسك بثوابت مصر تجاه قضايا الأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية وأمن الممرات المائية ورفض توسيع دائرة الصراع.

وفي قمة "بريكس"، ظهر الحضور المصري في إطار أوسع من العلاقات الثنائية؛ فمصر أصبحت عضوًا في تجمع يمثل مساحة مهمة للحوار الاقتصادي والسياسي بين دول كبرى ودول الجنوب العالمي. وقد أتاحت القمة للرئيس السيسي لقاء عدد من القادة، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، بما يعكس تعدد دوائر الحركة المصرية في السياسة الخارجية.

ثم جاءت زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة لتؤكد خصوصية العلاقات المصرية السعودية، وتفتح مساحة للتنسيق بشأن ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة والتطورات في اليمن. وهي ملفات لا تتوقف آثارها عند حدود المنطقة، وإنما تمتد إلى التجارة العالمية وأمن الطاقة والاقتصاد الدولي.

أما القضية الفلسطينية، فتظل في صدارة أولويات السياسة المصرية، وهو ما ظهر مجددًا في استقبال الرئيس السيسي للرئيس محمود عباس، والتأكيد على استمرار التنسيق المصري الفلسطيني، ورفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، ومواصلة الجهود المرتبطة بوقف الحرب والتعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وهنا تظهر قيمة الدور المصري؛ فالقاهرة لا تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها أحداثًا منفصلة، وإنما تنظر إليها باعتبارها ملفات مترابطة تمس الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.

القوة الحقيقية في السياسة ليست دائمًا في ارتفاع الصوت، وإنما في القدرة على إدارة الاختلاف، والحفاظ على المصالح، وفتح أبواب الحوار، والتحرك في اللحظة المناسبة.

وهذا ما يفسر جانبًا من طبيعة التعامل الدولي مع القاهرة؛ فمصر بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها العربي، ودورها الإفريقي، وصلاتها الدولية المتنوعة، تظل دولة يصعب تجاوزها عند مناقشة قضايا المنطقة.

ومن هنا فإن الحضور المصري المتزايد لا ينبغي أن يقرأ فقط من خلال عدد الزيارات أو اللقاءات الرئاسية، وإنما من خلال طبيعة الملفات التي تناقش في القاهرة، والأطراف التي تتواصل معها، والمساحات التي تتحرك فيها الدبلوماسية المصرية.

فحين يأتي قادة ومسؤولون كبار إلى القاهرة لبحث ملفات الأمن الإقليمي، وحين يتحرك الرئيس المصري بين عواصم العالم للمشاركة في قمم كبرى ولقاء قيادات دولية، فإن الرسالة الأهم هي أن مصر تمتلك أوراقًا سياسية وحضورًا تاريخيًا وجغرافيًا يجعلها طرفًا أساسيًا في معادلات المنطقة.

وتبقى الحكمة في إدارة هذا الدور هي التحدي الأكبر؛ لأن المنطقة تمر بمرحلة بالغة التعقيد، تتداخل فيها الصراعات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة والممرات البحرية وإعادة تشكيل النظام الدولي.

وفي وسط كل هذه التحولات، تبدو مصر حريصة على أن تكون دولة استقرار لا دولة صراع، ودولة حوار لا دولة قطيعة، ودولة تسعى إلى الحلول السياسية كلما كان ذلك ممكنًا.

إن قوة مصر ليست وليدة اللحظة، وإنما هي تراكم تاريخ وجغرافيا ودور عربي وإفريقي، يضاف إليه في الوقت الراهن نشاط دبلوماسي واسع، ورؤية تسعى إلى حماية المصالح المصرية مع الحفاظ على دور القاهرة في محيطها العربي والإفريقي والدولي.

مصر عندما تتحدث عن قضايا المنطقة، فإنها لا تتحدث من موقع المتفرج، وإنما من موقع الدولة التي تدرك أن استقرار محيطها جزء من أمنها، وأن مسؤوليتها التاريخية تفرض عليها أن تظل حاضرة في صناعة المستقبل.

وهكذا، فإن المشهد خلال الأيام الماضية يقدم صورة واضحة لمصر التي تتحرك في دوائر متعددة، وتستقبل قادة العالم، وتشارك في أكبر التجمعات الدولية، وتناقش أصعب ملفات المنطقة، محتفظة بثوابت سياستها الخارجية وبقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف.

وفي عالم تتغير فيه التحالفات وتتسارع فيه الأزمات، تظل إحدى أهم نقاط قوة مصر أنها تعرف قيمة موقعها، وتدرك ثقل دورها، وتتعامل مع المتغيرات بعقل الدولة وحسابات القيادة المسؤولة.

أيمن عدلي

أيمن عدلي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
أيمن عدلي
أيمن عدلي
أيمن عدلي
نهال الشافعي
أيمن عدلي
أيمن عدلي
ايمن عدلي

المزيد من مقالات

مصر وقضايا المنطقة.. ثقل دولة وحكمة قيادة

في السياسة الدولية، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها الجغرافي وحده، ولا بعدد ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية، وإنما بقدرتها...

المدرسة كمؤسسة لبناء السلوك والأخلاق

تعد المدرسة المؤسسة الرسمية التي تقوم على تربية النشء وتعليمهم مبادئ العلوم والأخلاق والقيم والاتجاهات، وتنشئتهم التنشئة الصالحة التي تخرج...

الوعي الإعلامي.. سلاح العقل في مواجهة فقاعات الوهم !

يرى البعض أن الوعي الإعلامي مفهوم معني به ذوو الاختصاص في الإعلام والاتصال فقط، والواقع أنه أصبح ضرورة يومية لكل...

توقير أهل العلم شرط النهضة الحضارية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لقد فضل الله...