لماذا يصعب أن نغيّر رأينا... حتى عندما تتغير الصورة؟

حين نقرر من يكون الآخر.. قد نكوّن رأيا عن شخص فى بداية معرفتنا به، ثم تمر الأيام وتتغير أشياء كثيرة، لكنه يظل فى أذهاننا الشخص نفسه.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

زميل العمل الذى اعتبرناه غير مسؤول بسبب موقف قديم، فنستقبل كل تصرف جديد منه من خلال هذا الحكم، والابن الذى وصفناه منذ صغره بأنه "العنيد"، فنظل نقرأ استقلاله بعد سنوات باعتباره عنادا، أو شريك الحياة الذى أخطأ فى موقف سابق ثم تغير سلوكه، لكن جزءا منا ما زال ينتظر تكرار الخطأ. والأمر لا يتعلق بالآخرين فقط، فقد نحمل نحن أيضا أفكارا قديمة عن أنفسنا: "أنا لا أجيد التحدث أمام الناس"، أو "أنا لا أعرف كيف أقول لا"، أو "أنا شخص غير منظم". ربما كانت لهذه الأفكار أسباب حقيقية فى وقت ما، لكن السنوات مرت واكتسبنا خبرات جديدة وتغيرت قدراتنا، بينما ظلت الحكاية القديمة موجودة وكأنها لم تسمع بالأخبار الجديدة.

فلماذا يكون تكوين الرأى أحيانا أسهل من تغييره؟

الحكاية الأولى لا تغادر بسهولة

حين نكوّن تفسيرا لموقف أو شخص، لا يبقى مجرد معلومة منفصلة فى أذهاننا، بل تبدأ أشياء أخرى فى الالتفاف حوله. نتذكر مواقف تؤيده، ونفسر تصرفات جديدة من خلاله، وربما نحكى عنه للآخرين بالطريقة نفسها. ومع الوقت، لا يعود لدينا انطباع فقط، بل تصبح لدينا حكاية متماسكة تبدو منطقية. ولهذا قد نلاحظ التغيير أمامنا، لكننا نتأخر فى الاعتراف به. فإذا اعتدنا أن شخصا ما لا يهتم، قد تمر أمامنا محاولات اهتمامه وكأنها استثناء، وإذا اقتنعنا بأن موظفا غير كفء، قد نفسر نجاحه بأنه مساعدة من الآخرين أو مجرد حظ، أما الخطأ التالى، مهما كان صغيرا، فيبدو مألوفا ومقنعا: "ألم أقل ذلك من البداية؟" وهنا لا تكون المشكلة دائما فى أننا نرفض الحقيقة عمدا، بل فى أن العقل يحب الاتساق، والصورة التى عرفناها بالفعل أسهل من إعادة ترتيب الصورة كلها كلما ظهرت معلومة جديدة.

فى العلاقات... قد نتعامل مع نسخة قديمة

من أكثر الأماكن التى يظهر فيها ذلك العلاقات الطويلة. فنحن لا نعيش فقط مع الشخص الموجود أمامنا الآن، بل نحمل معنا تاريخا كاملا من المواقف والتوقعات والتفسيرات. وهذا التاريخ مهم بالطبع، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح أقوى من الحاضر. قد يقول أحد الزوجين: "أنت لا تسمعنى أبدا"، رغم أن الطرف الآخر بدأ منذ فترة يحاول أن يستمع بصورة مختلفة، وقد تقول زوجة: "هو لا يعبر عن مشاعره"، بينما ربما أصبح يفعل ذلك بطرق لم تكن موجودة قبل سنوات، لكنها لا تزال تبحث عن الصورة التى اعتادت أن تراها. وقد يظل أحدهما ينتظر رد الفعل القديم، فيدخل الحوار مستعدا للدفاع قبل أن يحدث الهجوم أصلا. وأحيانا يبذل الإنسان جهدا حقيقيا للتغيير، لكنه يشعر بعد فترة أن الآخرين ما زالوا يتعاملون معه كما كان، وهنا يصبح التغيير أصعب؛ ليس لأن الإنسان لا يستطيع أن يتغير، بل لأن بعض العلاقات تحتاج أيضا إلى أن تسمح للصورة القديمة بأن تتغير معه.

عندما تتمسك الفكرة بمكانها

يصف علم النفس ظاهرة قريبة من ذلك بمفهوم يسمى Belief Perseverance أو استمرار المعتقد، ويشير إلى ميل الإنسان إلى الاحتفاظ باعتقاد أو تفسير سبق أن كوّنه، حتى بعد ظهور معلومات جديدة تضعف الأساس الذى بُنى عليه هذا الاعتقاد. لا يعنى ذلك أننا لا نغير آراءنا أبدا، ولا أن كل رأى قديم خاطئ، لكنه يوضح لماذا قد لا تكون المعلومة الجديدة وحدها كافية دائما. فبمجرد أن نصنع تفسيرا، يصبح لهذا التفسير وجود مستقل نسبيا؛ نستطيع أن نجد له أسبابا جديدة، وأن نعيد قراءة المواقف بطريقة تحافظ عليه. وهذا يفسر جزءا من صعوبة بعض النقاشات؛ فقد نظن أن تقديم معلومة إضافية سيغير رأى الطرف الآخر فورا، ثم نفاجأ بأنه يتمسك بموقفه أكثر، لأننا لا نطلب منه فقط أن يستقبل معلومة جديدة، بل أحيانا أن يعيد النظر فى حكاية كاملة بناها من قبل.

الأطفال يكبرون... لكن الأوصاف قد لا تكبر معهم

ربما تكون الأسرة من أوضح الأمثلة على ذلك. فى كثير من البيوت يحصل كل شخص، دون قصد، على وصف يرافقه سنوات: هذا هو الهادئ، وتلك هى العصبية، وهذا هو المتفوق، وذاك لا يعتمد عليه. تبدأ الأوصاف من مواقف حقيقية، لكنها مع التكرار تتحول إلى عدسات ننظر من خلالها إلى الشخص. وقد يكبر الطفل ويتغير، بينما يبقى الوصف فى مكانه؛ الشاب الذى كان خجولا فى طفولته قد يصبح أكثر قدرة على التعبير، لكن الأسرة لا تزال تتحدث عنه باعتباره "الخجول"، والطفل الذى كان كثير الحركة قد يصبح مسؤولا، لكن خطأ واحدا يعيد فورا الجملة القديمة: "أنت لم تتغير". والكلمات هنا لا تصف فقط، بل قد تؤثر أيضا فى الطريقة التى يرى بها الإنسان نفسه، فحين يسمع الشخص الحكاية نفسها عنه مرات كثيرة، يصبح من السهل أن يتعامل معها كأنها جزء ثابت من هويته.

ونحن أيضا نحمل نسخا قديمة من أنفسنا

قد يكون أصعب رأى نحتاج إلى مراجعته أحيانا هو رأينا فى أنفسنا. ربما جربنا شيئا منذ سنوات ولم ننجح فيه، فقررنا أننا "لسنا جيدين فى هذا"، أو مررنا بعلاقة لم نستطع فيها وضع حدود، فأصبحنا نقول إننا لا نعرف كيف نحمى مساحتنا، أو أخطأنا فى قرار مهم، فظل الخطأ حاضرا كلما احتجنا إلى اتخاذ قرار جديد. لكننا ننسى أحيانا أن الشخص الذى خاض التجربة القديمة ليس تماما الشخص الذى يقف هنا اليوم؛ بينهما سنوات من التعلم والخبرة والمواقف والتغير، ومع ذلك قد نستمر فى اتخاذ قرارات الحاضر بناء على تعريف كتبناه لأنفسنا فى الماضى. وربما لهذا يكون النمو أحيانا أقل ارتباطا بأن نصبح شخصا جديدا، وأكثر ارتباطا بأن نسمح لأنفسنا بملاحظة الشخص الذى أصبحناه بالفعل.

الاعتراف بالتغيير لا يمحو الماضى

مراجعة رأينا فى شخص لا تعنى إنكار ما حدث من قبل، كما أن تغيير رأينا فى أنفسنا لا يعنى أن التجارب القديمة لم تكن حقيقية. يمكن للإنسان أن يكون قد أخطأ فعلا ثم يتعلم، ويمكن لشخص أن يكون قد تعامل بطريقة مؤذية فى فترة ثم يغير سلوكه، ويمكن لنا أن نفشل فى شىء ثم نصبح أفضل فيه. النضج لا يطلب منا أن ننسى التاريخ، وإنما أن نمنح الحاضر حقه أيضا. وفى العلاقات تحديدا، ربما يكون من أجمل أشكال التقدير أن نلاحظ محاولات الآخر للتغير، لا أن نطالبه بها ثم نتجاهلها عندما تحدث؛ فالشخص الذى يشعر أن كل خطوة جديدة ستُقرأ دائما من خلال أخطائه القديمة قد يفقد مع الوقت رغبته فى المحاولة.

ماذا لو نظرنا مرة أخرى؟

ربما نحتاج من وقت إلى آخر إلى سؤال بسيط: لو قابلت هذا الشخص اليوم للمرة الأولى، هل سأكوّن عنه الرأى نفسه؟ ليس الهدف أن نتخلص من خبرتنا السابقة أو نتجاهل إشارات مهمة، وإنما أن نختبر ما إذا كان حكمنا ما زال يصف الواقع الحالى، أم أنه يصف مرحلة انتهت. والسؤال نفسه يمكن أن نوجهه لأنفسنا: هل الجملة التى أرددها عن نفسى ما زالت صحيحة؟ هل أنا فعلا "لا أستطيع"، أم أننى لم أحاول منذ سنوات؟ هل ما زلت الشخص الذى ارتكب ذلك الخطأ، أم أننى تعلمت منه أشياء لم أكن أعرفها وقتها؟ ربما لا تكون كل إجاباتنا مختلفة؛ بعض الأشخاص يثبتون بالفعل أن الانطباع القديم كان دقيقا، وبعض الصفات تحتاج إلى وقت طويل حتى تتغير، لكن الفرق أن الحكم يصبح نتيجة لما نراه الآن، لا مجرد صدى لما رأيناه قديما.

حين نسمح للصورة بأن تتحرك

الإنسان بطبيعته يتغير، ليس دائما بسرعة، وليس فى كل الاتجاهات، لكن الخبرات والعلاقات والسنوات تترك أثرها فيه. وإذا كنا نطلب من أنفسنا ومن الآخرين النمو، فمن العدل أيضا أن نترك مساحة لرؤية هذا النمو عندما يحدث. ربما يكون من السهل أن نقول للآخر: "أنت دائما هكذا"، لكن كلمة "دائما" ثقيلة جدا على إنسان يتغير، وقد يكون من الأسهل أن نقول لأنفسنا: "أنا هكذا"، بدلا من اختبار إمكانية مختلفة. لا نحتاج إلى تغيير كل آرائنا، بل إلى ألا نحبها أكثر من الحقيقة. وربما لا يكون النضج فى أن نقرأ الناس جيدا من المرة الأولى، بل فى أن نكون مستعدين لقراءتهم مرة أخرى.

نافذة للتأمل

فكر فى شخص تعرفه منذ سنوات وما زلت تحمل عنه وصفا قديما. هل ما زال هذا الوصف يعبّر عنه اليوم، أم أنك لم تمنحه فرصة لأن يريك ما تغير؟ ثم جرّب السؤال الأصعب قليلا: ما الفكرة القديمة التى ما زلت تحملها عن نفسك، رغم أن حياتك ربما قدمت لك أدلة جديدة؟

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

لماذا يصعب أن نغيّر رأينا... حتى عندما تتغير الصورة؟

حين نقرر من يكون الآخر.. قد نكوّن رأيا عن شخص فى بداية معرفتنا به، ثم تمر الأيام وتتغير أشياء كثيرة،...

آداب الزواج في مصر القديمة

دراسة أثرية عن آداب الزواج في مصر القديمة اجراها الدكتور حسين دقيل الباحث المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية تلقى الضوء...

علامات نقص المناعة.. 15 إنذارًا لا تتجاهلها

الرسالة الحديثة في علم المناعة هي أن نقص المناعة قد يظهر بثلاث صور رئيسية: عدوى متكررة أو شديدة، خلل في...

ما بعد الذكاء الاصطناعي: لماذا تتسابق الشركات إلى الروبوتات البشرية؟

قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي يدور في الأغلب حول ما يستطيع أن يفعله على شاشة الكمبيوتر: يكتب،...