من موسكو لنيودلهي: تسليح الهند المتطور وتأثيره الخفي على توازنات الشرق الأوسط

يشهد الشرق الأوسط لحظة استثنائية تتجاوز في تعقيدها كل ما عرفه من قبل.

                                                      نهال الشافعي                                                                          رئيس تحرير النشرة الفرنسية والموقع الإلكتروني بقناة النيل الدولية

فالإقليم الذي لطالما كان ساحة لصراعات داخلية وتنافسات إقليمية أصبح اليوم نقطة التقاء لموجة جديدة من التفاعلات الدولية، تعيد صياغة موازين القوى وتستدعي لاعبين من خارج الفضاء الجغرافي التقليدي للمنطقة.

وفي مقدمة هؤلاء تأتي الهند وباكستان، القوتان النوويتان اللتان تنقلانهما التحولات العالمية من أطراف جنوب آسيا إلى قلب بؤر التوتر في الشرق الأوسط.

هذا الانخراط المتزايد لا ينفصل عن تحولات كبرى تضرب النظام الدولي. فصعود آسيا كمركز بديل للقوة العالمية، وتراجع حدة الهيمنة الغربية، واتساع رقعة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، كلها عوامل تجعل الشرق الأوسط مساحة مفتوحة لإعادة تشكيل شبكات النفوذ.

وبفعل هذه التحولات، لم يعد الوجود الهندي والباكستاني في المنطقة محصورًا في التجارة أو العمالة أو تدفقات الطاقة، بل بات يحمل طابعًا أمنيًا واستراتيجيًا يتقاطع مع مصالح القوى الكبرى.

فالهند اليوم تتقدم بثبات نحو دور عالمي يتجاوز حدود القارة الآسيوية. انتقالها من موقع الدولة غير المنحازة إلى لاعب أساسي ضمن ترتيبات غربية في الأمن والتكنولوجيا جعلها طرفًا مهمًا لشراكات إقليمية متقدمة.

وفي المقابل، تتحرك باكستان عبر محور آخر، يرتبط عضوياً بالصين وبمشروع "الحزام والطريق" الذي يعيد رسم جغرافيا التجارة والنفوذ على امتداد القارات. ومع تعمق التعاون العسكري بين باكستان وبعض دول الخليج، باتت المنطقة العربية جزءًا من امتداد طبيعي لنفوذ القوة النووية الباكستانية.

هذا التزامن في الحضور الهندي والباكستاني داخل منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية واضطراب في التوازنات الدقيقة يطرح أسئلة ملحّة حول مستقبل الإقليم.

فالتنافس الهندي–الباكستاني ليس مجرد خلاف سياسي، بل نزاع طويل يتضمن سباقًا على الردع النووي، وصدامات حدودية ممتدة، واستقطابًا أيديولوجيًا عميقًا.

انتقال مثل هذا النوع من الصراع إلى الشرق الأوسط يضاعف من مخاطر الانفجار، خاصة حين يتقاطع مع بؤر توتر إقليمية لم تُحسم منذ عقود.

تزداد الصورة تعقيدًا حين يضاف إلى هذا التنافس صراع آخر أكبر وأعمق: الصراع الأمريكي–الصيني.

فالهند اليوم تمثل ركيزة مهمة في الاستراتيجية الغربية لاحتواء النفوذ الصيني، في حين ترتبط باكستان بتحالف استراتيجي يجعلها حجر أساس في مشروعات بكين العابرة للقارات.

وبذلك يصبح الشرق الأوسط ساحة مزدوجة التوتر: ساحة لمنافسة الهند وباكستان، وساحة أخرى للتقاطع بين واشنطن وبكين.

ومع اعتماد طرق الطاقة العالمية والممرات البحرية والبنى التحتية اللوجستية على الجغرافيا العربية، يصبح أي تحرك دولي مرتبط بجنوب آسيا جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي.

إن أخطر ما يواجه المنطقة في هذه اللحظة هو الانتقال غير المنضبط للصراعات الآسيوية إلى بيئة مشبعة أصلًا بالتوتر.

فوجود قوتين نوويتين داخل شبكة تحالفات متداخلة في منطقة لم تتعافَ بعد من صدمات العقدين الماضيين يُنذر بتحولات غير مسبوقة في قواعد الردع الإقليمي.

وقد يتحول الشرق الأوسط، بتشابك مصالحه مع مشروعات الربط والاستثمار الكبرى، إلى خط تماس مباشر بين مخاوف الردع النووي ومخاطر الانخراط العسكري المتبادل، بما يتجاوز قدرة الفاعلين المحليين على التحكم أو التهدئة.

كما أن التنافس الهندي–الباكستاني داخل المنطقة يفتح الباب أمام تدويل الصراعات المحلية، بحيث تصبح النزاعات العربية أو الإقليمية ساحة اختبار لأدوات القوة في جنوب آسيا.

هذا التدويل لا يغير فقط في موازين القوى، بل يحدّ أيضًا من قدرة الإقليم على الحفاظ على استقلال قراره الاستراتيجي في مواجهة موجة النفوذ القادمة من الشرق.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد توسع طبيعي لدول تبحث عن فرص اقتصادية جديدة، بل هو جزء من تحوّل هيكلي يعيد توزيع مراكز القوة على مستوى النظام الدولي.

دخول الهند وباكستان إلى عمق الشرق الأوسط يجعل الإقليم واحدًا من أهم ساحات إعادة التشكيل الجيوسياسي لعقود قادمة، ويحوّله إلى نقطة ارتكاز في صراع عالمي متعدد الأطراف.

وفي ظل هذه المعادلة الجديدة، لا يمكن لصناع القرار تجاهل خطورة التداخل بين الصراعات العابرة للقارات، ولا تجاهل حجم الانعكاسات التي قد تطال الأمن الإقليمي واستدامة الاستقرار في المنطقة.

لقد أصبح الشرق الأوسط اليوم مرآة لصراع عالمي يتشكل، وبوابة كبرى لإعادة تعريف أدوار الهند وباكستان في النظام الدولي.

وهذه اللحظة — بكل ما تحمله من فرص ومخاطر — تستدعي قراءة استراتيجية واعية، تدرك أن ما يحدث ليس تطورًا عابرًا، بل تحوّلًا عميقًا يعيد رسم الخريطة السياسية للإقليم وللعالم في آن واحد.

 

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
مقالات

زلزال بلا رصاص

نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص