لم يكن طرح دونالد ترامب بشأن رغبته في "شراء جرينلاند" مجرد تصريح صادم أو زلة لسان سياسية، كما حاول كثيرون اختزاله، بل جاء كاشفًا عن تحوّل أعمق في طريقة تفكير جزء مهم من النخبة الأمريكية المحافظة تجاه الجغرافيا السياسية؛ ففي عالم يشهد تآكلًا متسارعًا في قواعد النظام الدولي الليبرالي، تعود الأرض لتفرض نفسها بوصفها أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الاقتصاد أو التفوق العسكري. ومن هذا المنظور، تبدو جرينلاند أكثر من مجرد جزيرة نائية؛ إنها عقدة قوة كامنة في قلب صراعات القرن الحادي والعشرين.
نهال الشافعيماجستير علوم سياسية و استراتيجية ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
تحتل جرينلاند موقعًا فريدًا يربط أمريكا الشمالية بأوروبا وروسيا عبر القطب الشمالي، ما يمنحها أهمية عسكرية واستراتيجية بالغة. فمنذ الحرب العالمية الثانية، شكّلت الجزيرة جزءًا من البنية الدفاعية الأمريكية، واحتضنت عناصر أساسية من منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، ما جعلها نقطة مراقبة متقدمة لأي تحركات روسية محتملة عبر المسارات القطبية. هذا الواقع الجيوسياسي لم يتغير، لكنه اكتسب زخمًا جديدًا مع تصاعد التوتر بين القوى الكبرى، ومع تحوّل القطب الشمالي من هامش جغرافي متجمد إلى ساحة تنافس مفتوحة.
لقد أعاد التغير المناخي رسم خرائط النفوذ العالمي، لا من بوابة البيئة وحدها، بل من خلال فتح ممرات بحرية جديدة وتوسيع نطاق الوصول إلى موارد كانت حتى وقت قريب بعيدة المنال.
وضمن هذا السياق، بات القطب الشمالي مسرحًا لتقاطع المصالح الروسية والصينية والأمريكية، حيث تسعى كل قوة إلى ترسيخ حضورها قبل أن تُغلق نافذة الفرص.
روسيا، التي تمتلك أطول سواحل قطبية في العالم، استثمرت بكثافة في عسكرة المنطقة وتطوير بنيتها التحتية، معتبرة القطب الشمالي امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي واقتصادها الطاقوي.
أما الصين، فقد دخلت المشهد بهدوء محسوب، مستخدمة أدوات الاستثمار والبحث العلمي، مع تركيز خاص على جرينلاند بوصفها مخزنًا واعدًا للمعادن الأرضية النادرة.
هذه المعادن تمثل العمود الفقري لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والصناعات العسكرية، ومع هيمنة الصين على سلاسل توريدها عالميًا، بات البحث عن بدائل مسألة أمن قومي أمريكي بامتياز.
من هنا، تكتسب جرينلاند قيمة تتجاوز بعدها الجغرافي، لتتحول إلى رافعة استراتيجية في معركة الاستقلال الصناعي وتقليل التبعية الجيواقتصادية.
وفي هذا التقاطع بين الاقتصاد والأمن، تتضح خلفية الطرح الترامبي، الذي عبّر عن هذا الإدراك بلغة الصفقات لا بلغة الدبلوماسية.
تكشف مقاربة ترامب تجاه جرينلاند عن جوهر "الترامبية" في السياسة الخارجية، حيث يُنظر إلى التحالفات والمؤسسات الدولية باعتبارها أدوات ثانوية، بينما تحظى السيطرة المباشرة على النقاط الجغرافية الحساسة بالأولوية القصوى.
فبالنسبة لهذه الرؤية، لا يكفي أن تكون الجغرافيا ضمن دائرة النفوذ، بل يجب أن تكون مضمونة وخاضعة لإرادة القوة الكبرى. وهو منطق يتناقض مع المقاربة الأوروبية التقليدية القائمة على الإدارة الجماعية للمخاطر، لكنه ينسجم مع عالم يتجه أكثر فأكثر نحو منطق الصراع الصفري.
بغض النظر عن موقع ترامب الرسمي، فإن الرؤية التي عبّر عنها تجاه جرينلاند استمرّت كجزء من التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
بل شهدنا خلال السنوات الأخيرة تكثيفًا للحضور الأمريكي السياسي والاقتصادي في الجزيرة، إلى جانب عرقلة مشاريع استثمارية صينية، وإعادة التأكيد على أهميتها في وثائق الأمن القومي الأمريكية؛ وهو ما يشير إلى أن ما طُرح سابقًا بأسلوب فجّ، يجري اليوم تنفيذه بصيغة أكثر هدوءً ومأسسة، دون أن يفقد جوهره الاستراتيجي.
في المحصلة، تكشف قضية جرينلاند أن العالم يدخل مرحلة تعود فيها الجغرافيا لتفرض منطقها الصارم على السياسة الدولية. فالمواقع والموارد والممرات البحرية باتت عناصر حاكمة في تشكيل ميزان القوة، على حساب الخطابات القيمية والشعارات السياسية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن حديث ترامب عن جرينلاند نكتة سياسية أو فكرة هامشية، بل إشارة مبكرة إلى عالم تُدار فيه المنافسة من فوق الخرائط، حيث تصبح الجغرافيا سلاحًا استراتيجيًا، لا مجرد خلفية صامتة للأحداث.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...
لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...
يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...