لوجيستيات النفوذ الهادئ

مصر و جيبوتي...شراكة عند المضيق

عند بوابة باب المندب، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، وحيث تتحول الممرات البحرية إلى مفاتيح نفوذ، تعيد مصر وجيبوتي صياغة معادلة مختلفة في القرن الأفريقي، تقوم على التنمية بدل الصراع، وعلى الشراكة بدل التنافس.

نهال الشافعى
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 

فما شهدته العلاقات بين القاهرة وجيبوتي في ديسمبر 2025 لا يمكن اختزاله في زيارات رسمية أو توقيع اتفاقيات، بل يمثل انتقالًا مدروسًا من الحضور السياسي إلى التأثير الاقتصادي المستدام.

لطالما كانت جيبوتي نقطة ارتكاز جيوسياسية بحكم موقعها الاستثنائي على مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، لكن الجديد اليوم هو تحولها، بالشراكة مع مصر، من مجرد ساحة عبور إلى منصة إنتاج وخدمات لوجستية تخدم شرق أفريقيا وعمق القارة.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى رؤية مصرية ترى أن أمن البحر الأحمر لا يتحقق فقط بالانتشار العسكري أو التنسيق الأمني، بل عبر خلق مصالح اقتصادية مشتركة تجعل الاستقرار خيارًا عقلانيًا للجميع.

زيارة الفريق مهندس كامل الوزير إلى جيبوتي في ديسمبر 2025 مثلت لحظة فارقة في هذا المسار.

فالاتفاقيات التي جرى توقيعها لم تُصمم لخدمة تجارة ثنائية محدودة، بل لتأسيس بنية لوجستية إقليمية قادرة على إعادة توجيه حركة التجارة في القرن الأفريقي.

إنشاء محطة متعددة الأغراض في ميناء جيبوتي بقيادة تحالف مصري يعكس إدراك القاهرة أن السيطرة الناعمة على سلاسل الإمداد باتت أحد أهم أدوات النفوذ في القرن الحادي والعشرين، وأن الموانئ لم تعد مجرد بنية تحتية، بل أوراق قوة استراتيجية.

في السياق نفسه، يأتي إطلاق مركز لوجستي إقليمي داخل المنطقة الحرة بجيبوتي ليعكس نقلة نوعية في التفكير المصري تجاه أفريقيا؛ فبدل الاكتفاء بالتصدير التقليدي، تسعى مصر إلى التمركز داخل الأسواق الأفريقية، وتحويل جيبوتي إلى بوابة لعبور المنتجات والخبرات المصرية نحو دول شرق ووسط القارة.

هذه المقاربة تضع القاهرة في موقع الشريك التنموي، لا المستثمر العابر، وهو فارق جوهري في منطقة اعتادت أن تكون مسرحًا لمشاريع قصيرة النفس.

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن البعد البيئي والاقتصادي طويل المدى، الذي يتجسد في مشروع "الميناء الأخضر" بميناء دوراله. فالاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيل الموانئ لا يعكس فقط التزامًا بالاستدامة، بل يحرر النشاط اللوجستي من تقلبات أسعار الوقود، ويمنح جيبوتي ميزة تنافسية في سوق عالمي بات يضع المعايير البيئية في صلب قراراته.

على الأرض، تتجسد الشراكة المصرية الجيبوتية في مشروعات تحمل طابعًا إنسانيًا وتنمويًا مباشرًا، مثل افتتاح فرع بنك مصر في جيبوتي، الذي يمثل الذراع المالية الداعمة للاستثمارات المشتركة، ومحطة الطاقة الشمسية في قرية "عمر كجع"، التي تتجاوز رمزيتها الاقتصادية لتؤكد أن التنمية ليست حكرًا على الموانئ والمناطق الحرة، بل تمتد إلى المجتمعات المحلية.

أما مشروع تطوير طريق "جيبوتي – الصومال"، فيعيد رسم الخريطة البرية للمنطقة، ويفتح أفقًا جديدًا للتكامل الإقليمي.

اللافت في هذا المسار أن مصر لا تتحرك في القرن الأفريقي بمنطق ملء الفراغ أو منافسة القوى الدولية، بل بمنطق بناء التوازن؛ فبدل عسكرة باب المندب، تعمل القاهرة على تحصينه اقتصاديًا، عبر ربط أمن الملاحة بازدهار الدول المطلة عليه.

هذه المقاربة تجعل من الشراكة مع جيبوتي نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه العلاقات العربية–الأفريقية في مرحلة ما بعد الصراعات المفتوحة.

في المحصلة، ما يجري بين مصر وجيبوتي اليوم هو صياغة هادئة لخارطة طريق جديدة في القرن الأفريقي، حيث تتحول الموانئ إلى محركات نمو، واللوجستيات إلى أداة استقرار، والجغرافيا من لعنة صراع إلى فرصة نهضة.

إنها شراكة لا تبحث عن مكاسب سريعة، بل عن إعادة تشكيل المستقبل عند أحد أكثر مفاصل العالم حساسية.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
مقالات

زلزال بلا رصاص

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص