رغم التباعد الجغرافي بين اليمن والصوماليلاند وفنزويلا، فإن الأزمات التي تشهدها هذه الساحات لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثًا منفصلة أو صراعات محلية معزولة؛ بل تعكس، في جوهرها، تحولات أعمق تضرب بنية النظام الدولي، حيث يعود منطق القوة إلى الواجهة، وتتراجع قدسية السيادة الوطنية، وتتحول الجغرافيا من إطار ثابت إلى أداة فاعلة في الصراع السياسي والاقتصادي.
نهال الشافعيماجستير علوم سياسية و استراتيجية ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
في اليمن، لم يعد الصراع محصورًا داخل حدود الدولة أو مرتبطًا بتوازنات داخلية فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة أمنية أوسع تتصل مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. أي تصعيد في هذا المسرح ينعكس فورًا على حركة التجارة الدولية، وأسعار الطاقة، وحسابات القوى الكبرى، وهو ما يفسر تدويل الأزمة وتعدد الفاعلين فيها.
أما الصوماليلاند، فتطرح نموذجًا مختلفًا للصراع نفسه، حيث لا يدور النزاع حول السلطة فقط، بل حول الخريطة ذاتها. فمحاولات فرض أمر واقع سياسي خارج إطار الدولة الصومالية لا تهدد وحدة الصومال وحده، بل تفتح الباب أمام إعادة إنتاج النزعات الانفصالية في القارة الإفريقية، وتمنح القوى الخارجية فرصة لإعادة التموضع العسكري والسياسي في منطقة القرن الإفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية المتصاعدة.
وفي فنزويلا، تتجلى الأزمة بصورة أوضح في تسييس الموارد الاستراتيجية، حيث تتحول الثروة النفطية من عنصر قوة سيادية إلى نقطة ضعف قابلة للاستغلال الخارجي.
الدولة التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط عالميًا أصبحت ساحة صراع مفتوح بين الضغوط الاقتصادية، والاستقطاب السياسي، والتدخلات غير المباشرة، في مشهد يعكس هشاشة مفهوم السيادة في عالم تتقدم فيه المصالح على القواعد.
القاسم المشترك بين هذه الأزمات هو انتقال الصراع من البر إلى الفضاءات الحيوية: البحر والطاقة وسلاسل الإمداد، البحر الأحمر، وخليج عدن، وموانئ القرن الإفريقي، وحقول النفط الفنزويلية لم تعد مجرد معطيات جغرافية، بل تحولت إلى أدوات ضغط وإعادة تشكيل لموازين القوى.
فالجيوسياسة المعاصرة لم تعد تُدار عبر الحدود، بل عبر التحكم في التدفقات.
في هذا السياق، يتعرض القانون الدولي لاختبار قاسٍ. فالحلول العسكرية، والاعترافات الأحادية، والعقوبات العابرة للحدود باتت تحل تدريجيًا محل الآليات الجماعية لتسوية النزاعات.
ومع تراجع فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف، تصبح القواعد الدولية خاضعة لتأويل القوة، ما يجعل الاستقرار الدولي هشًا وقابلًا للانكسار في أي لحظة.
تكشف هذه المشاهد مجتمعة عن ملامح عالم متعدد الأقطاب، لكنه غير مستقر. فالقوى الكبرى لم تعد تكتفي بإدارة الأزمات أو احتوائها، بل تسعى إلى توظيفها لإعادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
والنتيجة نظام دولي أكثر تشرذما، تتحول فيه الأطراف الهامشية إلى ساحات مركزية للصراع غير المباشر، بينما تتحمل الدول الضعيفة الكلفة الأكبر.
في خضم هذا المشهد المتقلب، تبرز المقاربة المصرية بوصفها نموذجًا مختلفًا قائمًا على منطق الاستقرار الوقائي. فالقاهرة تنطلق من إدراك واضح بأن أمن البحر الأحمر، وقناة السويس، والقرن الإفريقي يشكل منظومة واحدة لا يمكن فصل عناصرها.
ومن هنا، تركز السياسة المصرية على دعم وحدة الدول الوطنية، وتأمين الممرات البحرية، وتغليب الحلول السياسية الشاملة على منطق الحسم العسكري، إدراكًا بأن تفكك الدول ينعكس مباشرة على الأمن الإقليمي والدولي.
في المحصلة، لا يمكن فهم أزمات اليمن والصوماليلاند وفنزويلا إلا باعتبارها ثلاث واجهات لأزمة دولية واحدة في طور إعادة التشكل.
إنها مؤشرات على عالم تتقدم فيه المنافسة على التعاون، وتتحول فيه الجغرافيا الهامشية إلى مركز ثقل، ويصبح الاستقرار رهين قدرة الفاعلين الدوليين على إعادة الاعتبار للسياسة كأداة ضبط عقلاني، لا كغطاء لاستخدام القوة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...
لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...
يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...