لم تُطلق الحرب في أوكرانيا رصاصة واحدة في الشرق الأوسط، لكن ارتداداتها ضربت الإقليم في العمق، محدثة زلزالًا جيوسياسيًا صامتًا أعاد تشكيل موازين القوة والتحالفات ومسارات التجارة والطاقة.
نهال الشافعى ماجستير علوم سياسية واستراتيجية رئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
ومع اندلاع حرب غزة لاحقًا، ثم تصاعد التوتر في البحر الأحمر، اتضح أن ما بدأ في أوروبا لم يكن صراعًا معزولًا، بل مقدمة لتحول دولي أوسع، انتقلت فيه الأزمات من ساحات القتال المباشر إلى نقاط الاختناق الاستراتيجية في النظام العالمي.
فالحرب الأوكرانية سرّعت تفكك منطق الاستقرار الدولي القديم، وأضعفت قدرة القوى الكبرى على الضبط الشامل.
ومع اندلاع حرب غزة، لم يعد الشرق الأوسط مجرد متأثر بالتحولات، بل تحوّل إلى مركز اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات المتزامنة.
هنا، لم يكن التصعيد العسكري وحده هو المؤشر، بل اتساع رقعة التداعيات الاقتصادية والأمنية، خاصة في الممرات البحرية الحيوية.
في ملف الطاقة، عززت الحرب الأوكرانية موقع الشرق الأوسط كمصدر بديل وحاسم لأوروبا، لكن حرب غزة والاضطراب في البحر الأحمر أضافا بعدًا أكثر تعقيدًا: أمن الإمدادات لم يعد مرتبطًا بالإنتاج فقط، بل بسلامة طرق النقل.
التهديدات التي طالت الملاحة في باب المندب وقناة السويس أعادت تعريف الطاقة كمنظومة متكاملة تشمل الجغرافيا السياسية، والأمن البحري، والتوازنات الإقليمية، وهو ما منح دول الإقليم – لا سيما الدول المطلة على الممرات الاستراتيجية – وزنًا تفاوضيًا متزايدًا في المعادلة الدولية.
أما التجارة العالمية، فقد تلقت ضربة مزدوجة. فبعد أن عطلت الحرب في أوكرانيا سلاسل الإمداد البرية والبحرية في أوروبا، جاءت أزمة البحر الأحمر لتكشف هشاشة طرق التجارة العالمية، مع اضطرار شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتأثر أسواق الغذاء والسلع الأساسية.
وهنا، لم تعد الأزمات بعيدة عن المواطن العادي، بل انعكست مباشرة على الأسعار والتضخم والاستقرار الاجتماعي في دول عديدة، بما فيها دول الشرق الأوسط نفسها.
سياسيًا، كشفت حرب غزة حدود القدرة الأمريكية على الاحتواء؛ فواشنطن، المنخرطة بعمق في دعم أوكرانيا ومواجهة الصين، وجدت نفسها أمام أزمة إقليمية كبرى لا تملك أدوات حسمها، مكتفية بإدارة التوازنات ومنع الانفجار الشامل.
هذا التراجع النسبي في القدرة على الضبط فتح المجال أمام فاعلين آخرين، إقليميين ودوليين، للتحرك ضمن هوامش أوسع، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
في المقابل، استثمرت روسيا والصين هذا المشهد المعقّد لتعزيز حضورهما السياسي، ليس عبر التدخل العسكري المباشر، بل من خلال الخطاب السياسي، والدبلوماسية، والعلاقات الاقتصادية، وتقديم نفسيهما كقوى تنتقد ازدواجية المعايير الغربية، خاصة في التعامل مع غزة.
هذا التمركز غير الصدامي أعاد تشكيل صورة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالوجود العسكري، بل بالقدرة على التأثير في السرديات والتحالفات.
إقليميًا، تحركت القوى المتوسطة ببراغماتية واضحة. إيران ربطت بين غزة وساحات النفوذ الإقليمية، مستخدمة منطق الضغط غير المباشر.
تركيا واصلت لعب دور الوسيط القادر على مخاطبة جميع الأطراف، مع توظيف موقعها الجغرافي والسياسي في ملفات الطاقة والممرات البحرية.
إسرائيل، من جانبها، سعت إلى تدويل أمنها، وربط حربها في غزة بالسياق العالمي لمكافحة “التهديدات العابرة للحدود”، في محاولة لإعادة تثبيت مكانتها داخل المنظومة الغربية، رغم الكلفة السياسية والأخلاقية المتزايدة.
في قلب هذا المشهد، يتأكد أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع تقليدية، بل نقطة تقاطع للأزمات العالمية: من أوكرانيا إلى غزة، ومن البحر الأسود إلى البحر الأحمر.
الصراعات لم تعد منفصلة، بل مترابطة عبر الطاقة والتجارة والممرات البحرية، وهو ما يفرض على دول الإقليم التفكير بمنطق استراتيجي طويل الأمد، لا بردود الفعل الآنية.
ومن هذا المنطلق، تبرز الرؤية المصرية كطرح عقلاني في زمن الفوضى.
رؤية تقوم على تثبيت مفهوم الدولة الوطنية، ورفض توسيع دائرة الصراع، والحفاظ على أمن الممرات البحرية، والدفع نحو حلول سياسية، مع تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد.
فمصر تتعامل مع التحولات العالمية باعتبارها واقعًا يجب إدارته بمرونة، لا صدامًا يجب الانخراط فيه، واضعة الأمن القومي – بمفهومه الشامل: السياسي والاقتصادي والغذائي – في صدارة الأولويات.
إن ما بعد أوكرانيا، وما بعد غزة، ليس مرحلة عابرة، بل إعادة تشكيل عميقة للنظام الدولي.
وبينما تتغير الجغرافيا الجيوسياسية وتتقاطع الأزمات، يبقى الرهان الحقيقي على وعي دول الشرق الأوسط بوزنها الجديد، وقدرتها على تحويل موقعها من ساحة ارتدادات إلى مركز توازن، يصنع الاستقرار بدل أن يستهلكه، ويؤسس لشراكات قائمة على المصالح المتبادلة واحترام السيادة، لا على منطق إدارة الأزمات أو تصديرها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...
لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...
يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...