خبراء يرفعون شعار.. القضية الفلسطينية المستفيد الأول من التقارب المصرى الصينى

حسام الدجنى: العرب مطالبون بتنفيذ اقتراح الرئيس السيسى بتكوين جيش عربى موحد منصور أبو كريم: بكين تدعم الحقوق الفلسطينية دون ضغط على تل أبيب وسام زغبر: تقارب القاهرة وبكين يغير موازين القوى فى المنطقة ويحرم إسرائيل من التفوق الجوى

أثارت المناورات بين سلاحى الجو المصرى والصينى قلقاً كبيراً داخل إسرائيل، وتحدثت المواقع الإخبارية داخل الكيان الصهيوني عن هذا التقارب بين مصر والصين بوصفه خطراً على الكيان. وفجرت هذه المناورات بركان القلق داخل دول العدو الصهيوني، باعتباره خطراً يهدد التفوق الجوى الإسرائيلي وهو العنصر الذى يحرص الكيان الصهيوني على ضمان تفوقه فيه. القلق الإسرائيلي ظهر جلياً فى البرامج التليفزيونية، ونقلت القنوات العبرية مشاهد مصورة للطائرات الصينية الجديدة مقاتلات جي10-سى (J-10C)، والتي دخلت سلاح الجو المصرى مؤخراً، وهي طائرة متقدمة من الجيل الرابع، كما تناول الإعلام الإسرائيلي قدرات الطائرة الصينية، وكيف أنها ستحرم إسرائيل من عنصر التفوق الجوى.

 

ويسهم التقارب المصرى الصيني فى دفع بكين نحو هدفها الرئيسي وهو إنهاء أحادية القطب، وبناء عالم متعدد الأقطاب، عالم تنافس فيه الصين الولايات المتحدة على زعامة العالم، سياسياً واقتصادياً. كما أن هذا التقارب المصرى الصيني يصب فى مصلحة القضية الفلسطينية ويسهم فى إجبار إسرائيل على العودة إلى مائدة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني للتفاوض وفق مبدأ "الأرض مقابل السلام".

كما يسهم التقارب المصرى الصيني فى دفع بكين إلى اتخاذ مواقف قوية ضد الاحتلال الإسرائيلي فى المحافل الدولية، وإجبار الكيان الصهيوني على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، ووقف عدوانها المتواصل ضد الفلسطينيين فى قطاع غزة والضفة الغربية.

قلق إسرائيلي من تقارب القاهرة وبكين

يقول الباحث فى الشئون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور منصور أبوكريم إن الكيان الصهيوني ينظر إلى أي تعاون استراتيجي بين الجيش المصرى تحديداً وقوة كبرى مثل الصين على أنه يمثل تهديداً للأمن القومى الإسرائيلي. لأنها ترى أن مثل هذا التعاون الاستراتيجي يعزز من مكانة مصر الإقليمية، وهذا فى حد ذاته أمر مقلق للأمن القومى الإسرائيلي على البعيد المدى.

وتكشف حالة الذعر من أي تعاون بين مصر والصين عن خشية إسرائيل والنخبة الحاكمة فى دولة الاحتلال من تعاظم قوة مصر وتعاظم قوتها العسكرية، وهذا يمثل بالنسبة لإسرائيل على المستوى الاستراتيجي تهديداً مباشراً للأمن القومى الإسرائيلي لأن إسرائيل تنظر للجيش المصرى وقوة مصر على إنها تهديد بعيد المدى للأمن القومى رغم توقيع معاهدة سلام بين الطرفين.

وأضاف أبوكريم أنه فيما يتعلق بحصول مصر على مقاتلات صينية أو صواريخ جو/جو فهذا أيضا يشكل تهديدا للتوازن الاستراتيجي بين مصر وإسرائيل فإسرائيل خلال الفترة الماضية بدت تنظر لتعاظم قوة الجيش المصرى على أنه يشكل تهديداً بعيداً المدى للأمن القوم الإسرائيلي، لذلك نرى خلال الفترة الماضية مقالات وتقارير فى الصحف الإسرائيلية تتحدث عن تعاظم قوة الجيش المصرى مقارنة بالجيش الإسرائيلي الذي أنهك خلال السنوات الماضية نتيجة دخوله فى معارك ممتدة سواء فى غزة أو لبنان أو إيران وبالتالي فإنه فى ظل إنهاك الجيش الإسرائيلي باتت النخبة الحاكمة فى إسرائيل ترى فى الجيش المصرى تهديد بعيد المدى.

وأوضح أبوكريم أن التقارب المصرى-الصينى يؤثر على مخططات الاحتلال فى توسيع نفوذه الاحتلالي، فإسرائيل تخطط لتكون القوة الوحيدة المهيمنة فى الشرق الأوسط بعد أن تم تقويض النظام الإيراني وتحجيم نفوذه الإقليمى عبر الضربات غير المباشرة لأذرعه مثل حزب الله اللبناني أو حركة حماس فى غزة أو جماعة الحوثي فى اليمن، أو من خلال تقويض قدرات النظام الإيراني عبر القصف الأمريكي الإسرائيلي، ومن هنا تنظر إسرائيل إلى الدور المصرى على المستوى السياسي أو المستوى العسكري على أنه عقبة كبيرة فى طريق انفرادها بقيادة المنطقة، ومن هنا تأتى المخاوف الإسرائيلية من التقارب المصرى للصيني.

ولفت أبوكريم إلى أن هناك قلقاً إسرائيلياً من توسع الوجود الصيني فى الشرق الأوسط، وهذا جزء من الصراع الدولي ما بين الصين والولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل والتي تنظر إلى تعاظم الدور الصيني فى الشرق الأوسط وتقارب الصين مع بعض الدول العربية على أنه تهديد للنفوذ الأمريكي فى المنطقة وهذا أمر مقلق ليس لإسرائيل فحسب وإنما للولايات المتحدة أيضا لذلك الصين توسع نفوذها فى الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة الماضية، وعقدت اتفاقيات استراتيجية مع بعض الدول الإقليمية وهذا يمثل تهديدا ليس فقط للأمن القوم الإسرائيلي إنما للمصالح الأمريكية التي إسرائيل جزء منها. مضيفاً أن المنطقة مقبلة بلا شك على إعادة تموضع استراتيجية، وهذا التموضع الاستراتيجي قد يترتب عليها تحالفات إقليمية جديدة، بدت بوادره فى تحالف سعودي باكستاني تركي، وقد نرى تحالفات أخرى عابرة للمنطقة وهذا جزء من طبيعة التحالفات المقبلة في المنطقة. فالشرق الأوسط بعد انتهاء ثنائية القطبية أو ثنائية المحاور، محور المقاومة ومحور الاعتدال، دخلت في طور من التطور الجديد وقد نرى تحالفات أخرى عابرة للحدود بل وعابرة للمنطقة.

الصين تدعم القضية الفلسطينية في المحافل الدولية وفيما يتعلق بالتقارب الصيني المصرى وأثره على القضية الفلسطينية يقول أبوكريم إن الصين لاعب أساسي ومهم، كما أن الدور المصرى مؤثر ومفصلي في معادلة القضية الفلسطينية، وأي تقارب ما بين الصين ومصر سينعكس إيجابيا على القضية الفلسطينية خاصة في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن والجمعية العامة الأمم المتحدة باتجاه تعزيز الحقوق الفلسطينية، ومواجهة السياسات الإسرائيلية، ومواجهة استفراد الولايات المتحدة بالقرارات الدولية وهذا أمر يصب في صالح القضية الفلسطينية وفي صالح القضايا العربية بشكل عام.

وأشار أبوكريم إلى أن السياسة الصينية خلال العقود الماضية لم تكن سياسة حاسمة فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية، فالصين مازالت تحتفظ بعلاقات جيدة على المستوى السياسي والاقتصادي مع إسرائيل. والتبادل الاقتصادي بين إسرائيل والصين تجاوز 11 مليار دولار، ويشمل التعاون بينهما عدة قضايا وعدة مجالات بما فيها التعاون الأمني وتعاون التطبيقات وتعاون في قضايا الأمن الإلكتروني، ولم تستخدم حتى الآن الصين نفوذها لدى الاحتلال أو نفوذها الدولي أو مكانتها في الاقتصاد الدولي للعب دور محوري فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية، لكن الصين على المستوى العام تتمسك ببعض الثوابت مثل مطالباتها بقيام دولة فلسطينية، والتسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتمسك بمبدأ حل الدولتين، لكن ذلك بدون أن تتخذ مواقف واضحة تجاه إسرائيل وتجاه السياسات الإسرائيلية. لذلك الصين ما زالت تلعب دور الحياد الإيجابي بمعنى أنها لا تريد "توتير" العلاقات مع إسرائيل أو اتخاذ مواقف حادة تجاه السياسات الإسرائيلية لكنها في المقابل تدعم الحقوق الفلسطينية في مجلس الأمن وفي جميع المحافل الدولية وتقوم بتقديم بعض الدعم الاقتصادي للفلسطينيين وخاصة السلطة الفلسطينية لكن بدون آليات حقيقية لتحويل هذا الدعم وهذه السياسة إلى أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل.

الصين تملأ الفراغ بعد تراجع دور واشنطن

ويقول أستاذ العلوم السياسية دكتور حسام الدجنى إن إسرائيل تخشى من الانفتاح المصرى على الصين، ومن نجاح الدبلوماسية المحترفة التى تعمل عليها القاهرة لإحداث توازن فى العلاقات بين مصر وبقية دول العالم بما يخدم مصالحها الحيوية وأمنها القومى، لاسيما أن القراءة الإسرائيلية لمثل هذه المناورات العسكرية تمنح مصر مزيداً من القوة والكفاءة وهو ما يضرب نظرية تفوق جيش الاحتلال الصهيوني فى مقتل، كما أن هذا التقارب المصرى الصينى يكشف السياسيات الإسرائيلية الخاطئة التى ورطت الولايات المتحدة فى عدة حروب بالمنطقة، واستغلتها الصين لملء فراغ سياسي وعسكري وإحداث تحول جيوسياسي بسبب فشل واشنطن فى حماية حلفائها. وأخيراً فإن من أسباب القلق الإسرائيلي توسع النفوذ الصينى بالمنطقة نتيجة تراجع الدور الأمريكى وهو ما يعنى أن النظام العالمي مقبل على نظام دولى متعدد الأقطاب، وهذا لا يخدم مصالح إسرائيل الحيوية.

وأضاف الدجنى أن إسرائيل تتابع أي شى يحدث فى المنطقة، خصوصا فى دولة بوزن وحجم مصر وأى تطور لهذه الدولة سواء كان فى المجال العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي فإنه يشكل قلقاً عند الإسرائيليين لأن العقيدة الإسرائيلية تعتمد على ضعف دول الجوار ودول الشرق الأوسط لأن إسرائيل تريد من خلال التفوق العسكري فرض هيمنة جيوسياسية على المنطقة بشكل كامل وإعادة هندسة المنطقة بما يخدم توجهات إسرائيل الكبرى، لذلك يأتى التحول فى العلاقة الاستراتيجية بين مصر والصين، والذهاب باتجاه تحول استراتيجي فى هذه العلاقة والقيام بمناورات عسكرية مشتركة، يعنى أن مصر فى السنوات الأخيرة باتت تهتم بشكل أكبر بالقوات المسلحة وبتطوير وتحديث قواتها بما يتوافق مع مواكبة التكنولوجيا والتطور العلمي الهائل فى العالم، وهذا أمر يثير قلق إسرائيل لأن قوة مصر تعنى فى النهاية تقويض المشروع الصهيوني. كما أن المنطقة باتت تشهد تحالفات كبيرة وهذا بالتأكيد تنظر له إسرائيل بقلق فبعد التحالف الباكستاني التركي السعودي، يأتى التقارب المصرى مع الصين، وهذا بالتأكيد لا يخدم مصالح إسرائيل التى تريد للمنطقة أن تبقى فى أسوأ وأضعف حالاتها، كما تريدها منطقة غارقة فى حالة من التفكك والصراعات المذهبية والأزمات الاقتصادية حتى يضمن الكيان الصهيوني تفوقه العسكري على جميع دول المنطقة.

ولفت الدجنى إلى أن أهم رسائل صادرة عن المناورات العسكرية الجوية بين مصر والصين هي رسالة مفادها أن التفوق الجوى الإسرائيلي والذي تتباهى به إسرائيل أصبح غير موجود، فمصر تمتلك طائرات جديدة ومصادر تسلح جديدة تختلف عن المصادر الغربية، فمصر أصبحت تمتلك مقاتلات جي-10 سى (J-10C)، وفى تقديري أن هذا هو أبلغ رسالة فى هذه المناورة وهو ضرب نظرية التفوق الجوى الإسرائيلي أو وحدانية التفوق الجوى فى منطقة الشرق الأوسط لصالح إسرائيل.

وشدد الدجنى على أن أى تطور لقدرات أى جيش عربي سيشكل قلقاً لإسرائيل، فهذا الكيان الاحتلالي يريد الجيوش العربية جيوشاً لا علاقة لها بالعمل العسكري أو بأي تطور أو مواكبة التكنولوجيا أو الحصول على مقدرات عسكرية، وذلك لأن إسرائيل ترى نفسها فى عداء مع جميع دول منطقة الشرق الأوسط وليس مع دولة بعينها، وبذلك تريد أن تفرض من خلال القوة العسكرية هيمنة سياسية وهيمنة اقتصادية وهيمنة جيو سياسية. وامتلاك مصر لأن هذا النوع من الطائرات يقلق إسرائيل ويحدث اختلالاً فى موضوع التفوق الجوى، كما أن التقارب المصرى-الصينى يؤثر على مخططات الاحتلال فى التوسع فى المنطقة.

الصين تخطط لنظام عالمى متعدد الأقطاب

وأشار الدجنى أن إسرائيل تخشى من أن يصبح النظام الدولي متعدد الأقطاب لأنها ستكون أمام خيارات صعبة، فمع أى قطب ستصطف إسرائيل فى سياساتها العسكرية الاقتصادية وغير ذلك، وهذا يعنى أنه هناك تراجعاً للولايات المتحدة الأمريكية وهي الحليف الأول لإسرائيل، ولذلك فإن دخول الصين على هذا الخط وبهذه القوة ولأول مرة، بالمدخل العسكري وليس الاقتصادي، يشكل قلقاً لإسرائيل بشكل كبير لأن المنطقة بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية والحرب على غزة مقبلة على سباق تسلح ومقبلة على إعادة التحالفات وذلك فى ظل فشل الولايات المتحدة فى حماية حلفائها وقواعدها في منطقة الشرق الأوسط خلال الحرب مع إيران، فكيف الحال لو كانت هناك مواجهة مع تركيا أو مع مصر أو مع دول أكبر بكثير من إيران.

وأوضح الدجنى أن إسرائيل لا تخشى من تحالفات مصرية مع الولايات المتحدة فهي تعمل على ضبط هذه العلاقات بما يضمن تفوقاً إسرائيلياً، لكنها تخشى من تحالف مصر مع الصين، أو يتوجه العرب إلى تنفيذ مقترح الرئيس عبدالفتاح السيسي بتكوين "الجيش العربي الموحد"، مضيفاً أن التقارب المصرى مع الصين له انعكاسات إيجابية على مستقبل القضية الفلسطينية، فأي إضعاف لدولة الاحتلال يخدم عملية السلام لأنه عندما ترى إسرائيل نفسها متفوقة على كل دول المنطقة تقتل متى تشاء وتتوغل متى تشاء فالذي يجبرها أن تدخل فى عملية سلام قائمة على الأرض مقابل السلام هو زيادة قوة الجيوش العربية وأولها الجيش المصرى.

وألمح الدجنى إلى أن إسرائيل قبل أحداث السابع من أكتوبر كانت تدعو إلى سلام مقابل سلام، وهو ما يعرف بالسلام الإبراهيمي بعدما كانت فى فترات زمنية سابقة تنخرط فى عملية تسوية شعارها "الأرض مقابل السلام". وتعاظم قوة الجيش المصرى تنعكس إيجابياً على القضية الفلسطينية من خلال إعادة الاعتبار لمبدأ "الأرض مقابل السلام" وهذا انعكاس إيجابي على القضية الفلسطينية إضافة إلى أنه ما يخشاه الفلسطينيون من أن إسرائيل تتوسع أكثر وأكثر وتلتهم إسرائيل الكبرى وهذا يعنى ذوبان وتصفية المشروع الوطني الفلسطيني، لافتاً إلى أن المناورات الجوية بين مصر والصين من شأنها أن تكبح دولة الاحتلال لو وظفت سياسياً بشكل جيد.

واختتم الدجنى بالتأكيد على أن نجاح الصين فى ضرب فكرة النظام العالمي أحادي القطبية وإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب يمكن أن يسهم فى أن تفرض الصين القرارات الشرعية الدولية على إسرائيل على عدة مستويات سواء كانت دبلوماسية أو اقتصادية أو حتى عسكرية لأن بقاء منطقة الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية يضرب مصالح الصين فى منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير كون أن الصين تريد استقراراً لهذه المنطقة يضمن تنفيذها لمشروع "طريق الحرير" الذي يعتبر من المشاريع الجيوستراتيجية الكبيرة بالنسبة للصين وهذا لا يمكن أن يتم فى ظل الحروب الموجودة في المنطقة، والتي من أهم أسبابها، وجود إسرائيل كقوة احتلال وعدوان في المنطقة.

التقارب المصرى الصينى يغير موازين القوى فى المنطقة

 

من جانبه يقول الباحث فى الشئون السياسية وحسام زغبر إن القلق الإسرائيلي ينطلق من أن تطوير العلاقات المصرية–الصينية إلى شراكة استراتيجية لا يمثل مجرد تعاون ثنائي بين القاهرة وبكين، بل يحمل تداعيات سياسية وعسكرية وأمنية واسعة على موازين القوى فى المنطقة.

إن مصدر القلق الإسرائيلي الأساسي ليس المناورة الجوية المشتركة بحد ذاتها، وإنما المسار الاستراتيجي الذي تعكسه، أي انتقال مصر نحو تنويع شراكاتها الدولية وتعميق علاقاتها مع الصين، بما قد يعزز موقع القاهرة كقوة إقليمية، ويفتح الباب أمام إعادة رسم بعض معادلات النفوذ والأمن فى الشرق الأوسط. ويمكن القول إن ما يوصف بـ"الذعر الإسرائيلي" يعكس فى جوهره قلقاً استراتيجياً متزايداً من مسار إعادة تشكيل البيئة الأمنية فى المنطقة، أكثر مما هو خوف مباشر من المناورات المصرية–الصينية بحد ذاتها.

وأضاف زغبر أنه بات واضحاً أن مصر تتجه إلى تنويع شراكاتها العسكرية والاستراتيجية، فيما توسع الصين حضورها فى الشرق الأوسط وأفريقيا. وقد لفتت المناورات الجوية "نسور الحضارة 2026" الانتباه تحديداً لأنها تمثل النسخة الثانية من التدريب الجوي المشترك، وتتضمن تدريبات على القتال الجوي والتفوق الجوي والإنقاذ القتالي. مؤكداً أن حالة الذعر الإسرائيلية، إذا أردنا توصيفها بدقة، هي قلق من تحول استراتيجي تدريجي فى المنطقة: مصر تعزز استقلالية قرارها وتنويع شراكاتها، والصين توسع حضورها، والنظام الإقليمي نفسه يتجه نحو تعدد مراكز القوة. ولذلك فإن ما يزعج إسرائيل ليس تحليق الطائرات المصرية والصينية فى مناورة مشتركة فحسب، بل احتمال أن تكون هذه المناورات جزءاً من مسار طويل يعيد رسم موازين القوة والنفوذ فى الشرق الأوسط.

وأوضح زغبر أن أهمية "نسور الحضارة 2026" لا تكمن فى كونها مناورة جوية مشتركة فحسب، وإنما فى الرسائل الاستراتيجية التي حملتها في توقيت إقليمي شديد الحساسية. فالتدريب، الذي بدأ بمشاركة القوات الجوية المصرية والصينية، يشمل القتال الجوي، وعمليات تحقيق التفوق الجوي، والبحث والإنقاذ القتالي، وتخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وأبرز هذه الرسائل:

أولاً: مصر لا تحصر شراكاتها العسكرية فى الغرب.

ثانياً: الصين تدخل مجال التعاون العسكري الإقليمي من البوابة المصرية.

ثالثاً: اختبار العمل الجوي المشترك والتفوق الجوي، ما يعني أن التدريب تناول مهارات وعمليات جوية ذات طبيعة متقدمة، وليس مجرد استعراض عسكري أو تدريب بروتوكولي.

رابعاً: الرسالة الأهم لإسرائيل هي أن التفوق الجوي ليس معادلة ثابتة إلى الأبد. المناورة تفتح أمام مصر فرصة للاطلاع العملي على عقائد وأنظمة وتكتيكات صينية مختلفة عن المدرسة الغربية التقليدية، وهذا تحديداً يمكن أن يثير اهتمام المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لأنها تراقب أي تغير محتمل فى نوعية القدرات الجوية المصرية وفى مصادر التكنولوجيا العسكرية التي تحصل عليها القاهرة.

خامساً: رسالة استقلال القرار العسكري المصري.

سادساً: رسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل معاً بأن المنطقة تتجه نحو تعدد مراكز القوة.

سابعاً: الرسالة المستقبلية أخطر من المناورة الحالية، وما يثير قلق إسرائيل هو احتمال أن تتحول التدريبات المتكررة إلى تعاون أوسع فى التكنولوجيا والتسليح والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة، وهو ما يمكن أن يغير طبيعة معادلات القوة على المدى الطويل. وتذهب تحليلات حديثة إلى أن هذا الاحتمال هو أحد أسباب الاهتمام الإسرائيلي والأميركي بالتقارب العسكري المصري–الصيني.

وبتالي، فإن الرسالة الأبرز التي بعثت بها "نسور الحضارة" هي أن مصر تتحرك نحو بناء قوة عسكرية أكثر تنوعاً واستقلالاً، وأن الصين باتت قادرة على مد حضورها العسكري إلى قلب الشرق الأوسط. وهذا أكثر ما يقلق إسرائيل كونه مؤشراً على تحولات أوسع فى ميزان القوى الإقليمي.

وشدد زغبر على أن ما يقلق إسرائيل ليس حصول مصر على J-10C بوصفها مقاتلة من الجيل الرابع المطور، ولا PL-15 بوصفه صاروخاً بعيد المدى منفرداً، وإنما الجمع بين الاثنين ضمن منظومة مصرية متطورة ومستقلة عن القيود الغربية.

وهنا تكمن حساسية المسألة: فإسرائيل لا تريد فقط الحفاظ على تفوقها العددي أو التقني، بل على التفوق النوعي المطلق فى المجال الجوي الإقليمي. وإذا امتلكت مصر قدرة موثوقة على اكتشاف الأهداف والاشتباك معها من مسافات بعيدة، فإن هامش التفوق الإسرائيلي يصبح أقل.

وبذلك تتحول قضية J-10C وPL-15 من صفقة تسليح محتملة إلى مؤشر على انتقال مصر من تنويع مصادر السلاح إلى تنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية والقدرة الاستراتيجية، وهو ما يفسر جانباً مهماً من الحساسية الإسرائيلية تجاه التعاون العسكري المصري–الصيني.

ولفت زغبر إلى أن التقارب المصري–الصيني يفرض قيوداً سياسية واستراتيجية على محاولات إسرائيل توسيع نفوذها الإقليمي، ليس لأنه يشكل تحالفاً مصرياً–صينياً موجهاً ضد إسرائيل، وإنما لأنه يعزز تعدد مراكز القوة فى الشرق الأوسط ويقلل من قدرة أي طرف واحد على التحكم فى قواعد اللعبة الإقليمية.

فكلما امتلكت مصر خيارات أوسع فى الشراكات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وكلما تعمق الحضور الصيني فى المنطقة، أصبحت إسرائيل أمام بيئة إقليمية أكثر تعددية وأقل قابلية للهيمنة.

والأهم أن هذا التحول يأتي فى سياق أوسع، إذ تشير تحليلات حديثة إلى تراجع احتكار الولايات المتحدة لترتيبات الأمن الإقليمي وصعود دور القوى الإقليمية والدولية الأخرى. ويمكن القول، إن التقارب المصري–الصيني يضرب فى العمق البيئة التي تسعى إسرائيل إلى فرض هيمنتها داخلها: احتكار القوة، واحتكار التكنولوجيا، واحتكار الشراكات الدولية. وكلما ازدادت الخيارات المصرية وتعددت مراكز القوة فى المنطقة، تراجع هامش الحركة الإسرائيلية واتسعت مساحة القرار العربي المستقل.

وأوضح زغبر أنه يمكن فهم الخشية الإسرائيلية من الحضور الصيني المتزايد فى الشرق الأوسط باعتباره قلقاً من تحول طويل الأمد فى البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إسرائيل، وليس خوفاً من الصين باعتبارها خصماً عسكرياً مباشراً فى المنطقة. فالصين تتوسع فى علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية، وبات التعاون مع مصر يشمل أيضاً أبعاداً أمنية وعسكرية متنامية، مشيراً إلى أن إسرائيل تخشى وجود الصين بقوة فى الشرق الأوسط لأنها تمثل قوة كبرى قادرة على تغيير قواعد النفوذ دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وعندما يتم هذا الحضور عبر مصر، تزداد أهميته، لأن القاهرة تجمع بين الثقل العربي والموقع الجغرافي الاستراتيجي والقوة العسكرية والتحكم فى قناة السويس والعلاقات المتوازنة مع القوى الكبرى.

نظام إقليمي متعدد الأقطاب

وبالتالي، فإن ما يثير القلق الإسرائيلي هو احتمال انتقال المنطقة من نظام إقليمي يغلب عليه النفوذ الأميركي–الإسرائيلي إلى نظام أكثر تعددية، تتوزع فيه مراكز القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الإقليمية. وهذا التحول، إذا ترسخ، يعني أن قدرة إسرائيل على فرض ترتيباتها أو تحويل تفوقها العسكري إلى نفوذ سياسي دائم ستصبح أكثر تعقيداً.

ونفى زغبر أن يكون التقارب المصري–الصيني يعني ولادة حلف عسكري جديد فى مواجهة أحد، لكنه يمثل مؤشراً على إعادة توزيع النفوذ فى الشرق الأوسط. وما يزعج إسرائيل هو أن مصر، بما تملكه من ثقل عربي وموقع استراتيجي وقوة عسكرية، قد تصبح جسراً لحضور صيني أوسع فى المنطقة، الأمر الذي يضعف احتكار واشنطن وتل أبيب لبعض أدوات التأثير، ويجعل معادلة القوة الإقليمية أكثر تعدداً وأقل قابلية للهيمنة من طرف واحد.

لذلك يمكن عنونة ما يزعج الاحتلال الإسرائيلي فى ثلاثة تحولات:

تحول مصر من الاعتماد النسبي على شريك استراتيجي رئيسي إلى تنويع الشراكات.

انتقال الصين من الحضور الاقتصادي والدبلوماسي إلى حضور عسكري وتكنولوجي أكثر وضوحاً.

انتقال المنطقة من نظام يغلب عليه النفوذ الأميركي إلى نظام أكثر تعددية تتنافس فيه قوى دولية وإقليمية متعددة.

وعن آثار التقارب المصري–الصيني على مستقبل القضية الفلسطينية، يقول زغبر إن اتساع الشراكة بين القاهرة وبكين يمكن أن يوفر للقضية الفلسطينية مساحة سياسية ودبلوماسية أكبر فى مواجهة محاولات تهميشها أو اختزالها فى ملف أمني وإنساني، كما أن التقارب المصري–الصيني يفتح نافذة جديدة أمام القضية الفلسطينية فى ظل إعادة تشكيل النظام الدولي. فمصر تمتلك الثقل العربي والجغرافي والقدرة على التأثير المباشر فى ملف غزة، بينما تمتلك الصين الوزن الدولي والعضوية الدائمة فى مجلس الأمن والقدرة على التواصل مع دول الجنوب العالمي.

والأهم أن بكين أثبتت بالفعل استعدادها للانخراط فى الملف الفلسطيني، سواء عبر استضافة حوارات المصالحة الفلسطينية أو عبر الدعوة إلى وقف إطلاق النار والحوار.

دور صيني داعم للقضية الفلسطينية

وألمح زغبر إلى أن الصين يمكن أن تلعب دوراً سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً أكثر تأثيراً فى دعم الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، خصوصاً أن الموقف الصيني الرسمي واضح فى دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ودعم عضوية فلسطين الكاملة فى الأمم المتحدة.

والمطلوب من بكين ألا تكتفي بإعلان دعمها لحل الدولتين، وإنما تحويل هذا الموقف إلى فعل سياسي ودبلوماسي واقتصادي مؤثر، والدفع نحو مؤتمر دولي للسلام، ومساندة العضوية الكاملة لفلسطين فى الأمم المتحدة، والمشاركة فى إعادة إعمار غزة ضمن إطار سياسي يضمن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه وحقه فى تقرير مصيره.

 	ناصر حجازي

ناصر حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مصر تفرض كلمتها وتجبر الاحتلال على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة
القضية الفلسطينية
يايسا
ديمترى دليانى: تحويل المقاومة إلى حزب سياسى لايتوّج إلا بالاستقلال وال
رسائل الرئيس السيسى فى أسبوع الاضطرابات الإقليمية..
يصيي
بيا
اللجنة الوطنية لإدارة غزة

المزيد من سياسة

احتمالات نجاح الوساطة الصينية لإنهاء أزمة السد الأثيوبى

عباس شراقى: التنين الصينى يجيد استخدام العلاقات والصداقات التجارية لحسم الملفات السياسية

خبراء يرفعون شعار.. القضية الفلسطينية المستفيد الأول من التقارب المصرى الصينى

حسام الدجنى: العرب مطالبون بتنفيذ اقتراح الرئيس السيسى بتكوين جيش عربى موحد منصور أبو كريم: بكين تدعم الحقوق الفلسطينية دون...

خبراء يكشفون.. أسباب الرعب الإسرائيلى من مناورات نسور الحضارة 2

حسن سلامة: المناورات المصرية الصينية ترسيخ لسلام مبنى على القوة اللواء نصر سالم: التسليح الصينى يكسر التفوق النوعى لإسرائيل عمرو...

تل أبيب ترصد جدول أعمال «غير معلن» فى زيارة «شى» للقاهرة

غواصة صينية تنزع مظلة التفوق العسكرى الإسرائيلى