عباس شراقى: التنين الصينى يجيد استخدام العلاقات والصداقات التجارية لحسم الملفات السياسية
أصبحت الصين قوة حاضرة فى المجالات الاقتصادية بمختلف دول العالم.. وحضورها فى الشرق الأوسط وأفريقيا يمنحها فرصة مهمة للعب دور الوساطة فى عدة ملفات ساخنة.. تؤثر بوضوح فى حماية وتعزيز الأمن.. وبالتزامن تأتى فرص الاستثمار وتعزيز الشراكات التجارية.
هذا ما دفع عدد من الخبراء والباحثين والدبلوماسيين لترجيح قدرة التنين الصينى على حسم ملف أزمة السد الأثيوبى.. نظرا لما تمتلكه من أدوات تأثير.. وعلاقات مميزة تجمعها بمختلف الأطراف.. ورغبتها الفعلية فى دعم الاستقرار الأفريقى.. والإنطلاق نحو فرصة أفضل للاستثمار والشراكة المتوازنة.
البداية مع الدكتور علاء الظواهرى عضو اللجنة الثلاثية الدولية ولجنة التفاوض المصرية بشأن السد الأثيوبي، ويقول: لا تزال مشكلة السد الأثيوبى قائمة، بسبب تعنت النظام فى أديس أبابا وإصراره على إدارة السد بشكل منفرد، والموقف لم يتغير منذ بدء المفاوضات حيث تشكلت اللجنة الثلاثية الدولية للتفاوض وخضنا معارك شرسة وكذلك دعوة الرئيس الأمريكى ترامب خلال ولايته الأولى، حيث مهد الطريق لبنود تقاربت فيها وجهات النظر ليتم رفضها أيضا من أديس بابا، ويبدو أن الضغط الأمريكى لم يكن كافيا إذا ما وضعنا فى الحسبان بعض المحاور السياسية الأخرى المتعلقة بإسرائيل واللعب بورقة منابع النيل للضغط على مصر، وهي أفكار قديمة لم تكن وليدة اللحظة.
ويكمل الدكتور علاء الظواهرى أن هناك قوى عظمى تستطيع بالفعل لعب دور الوساطة بين مصر وأثيوبيا، للحفاظ على أمن مصر المائي، والصين هي أبرز تلك الدول، حيث تربطها شراكات وأعمال ورؤى سياسية وتعاون ثقافى واقتصادى ومعلوماتى، حتى أصبحت مصر واحدة من أبرز شركاء التنين الصينى فى إقليم الشرق الأوسط والقارة السمراء، تلك السياسات التى تنتهجها الصين جعلتها تفتح أسواق وتضخ استثمارات فى مختلف بقاع العالم، ومن هنا يمكن الحديث عن سلاح الصين القوى فى الوساطة وحماية الحقوق المائية المصرية، خاصة وان التعنت الإثيوبى والتعامل الاحادى على السد يجعل لمصر الحق كاملا فى الحفاظ على حقها الأزلى فى المياه بالصورة التى تحافظ على أمنها المائي والقومي، والصين استطاعت مؤخرا التواجد بقوة فى كل القارات من خلال شركاتها العابرة واستثماراتها الصناعية والزراعية وغيرهم، ولذلك نرى تواجدها مؤثرا من خلال شراكات تجمعها بمعظم دول أفريقيا وأبرزها مصر وأيضا أثيوبيا، وأعتقد أن هذا التواجد هو ما أعطاها ثقلا كدولة عظمى قادرة على تبنى رؤى شاملة ومختلفة من شأنها تقريب وجهات النظر والضغط المحدود على أطراف الصراع.
وأكد الدكتور علاء الظواهرى أن التواجد الصينى فى إثيوبيا عبر الشركات والاستثمارات، وبشكل عام فإن التقدم العلمي للتنين الصينى جعل الشركات الصينية موجودة بقوة فى كل مكان حيث برز تواجد شركاتها فى مجال توليد الطاقة ونقل الكهرباء وأيضا تحلية المياه، حيث تتواجد فى مصر شركات لتحلية المياه وهندسة الري وغير ذلك من أعمال أصبح للصين باع كبير فيها.. إلى جانب تميزها بخلق معادلة متوازنه بين الجودة والسعر والتسهيلات الاستثمارية المقدمة، والصين من شأنها ان تجد حلا للخلاف بين مصر وإثيوبيا لوجود مصالح ومشروعات مشتركة بينها وبين البلدين، وهو ما يعزز من وساطتها والوصول لحلول تضمن لمصر الحفاظ على حقها المائي.
وأوضح الدكتور علاء الظواهرى أنه يمكن رصد الموقف الإثيوبى الحالي تجاه إدارة السد، حيث يتم الملء لحوالى 74 مليار متر مكعب، وتتلخص الإدارة الإثيوبية من حوالى 24 مليار متر قبل حلول موسم الفيضان، ولم تتأثر الحصة المصرية من الماء، خاصة أن أكبر كمية فيضان كانت حاضرة فى موسم الملء ولدينا مفيض توشكى وأيضا بحيرة ناصر كمخزون استراتيجي يمكن التعامل من خلالهما فى كلا الحالتين.. سواء النقص أو الفيضان حال حدوث مشكلة او خلل فى السد.
ويرى السفير مجدى عامر، سفير مصر فى الصين، مساعد وزير الخارجية لشؤون دول حوض النيل سابقا، أن صداقة الصين مع مصر وأثيوبيا والسودان تجعلها قادرة على التأثير والوساطة من أجل حل الأزمة، ولكن هذا التأثير محدود ويخضع لبعض المعايير، مؤكدا أنه لا شك أن الصين دولة عظمى استطاعت فى وقت قليل ان تبنى شراكات وصداقات قوية فى شتى المجالات، وفى معظم بقاع العالم، وهو ما يجعلها مستعدة لتقديم هذا الدور، خاصة وأنها تمتلك علاقات قوية مع القاهرة وأديس بابا، وهو ما يجعلها وسيطا مثاليا، ولكن تظل المصالح الخاصة هي المبدأ الأساسى لسياسات أى دولة.. وسقف التفاوض أو الضغط هنا محدود، بمعنى ان الصين لن تجازف لتتبنى وجهة نظر دولة على حساب أخرى.. اذا ما ظل الخلاف محتدما او انها تتخذ إجراء من شأنه وضع إحدى دول الصراع فى موقف عدائي، ولا ننسى ان الصين تعد إحدى أبرز دول منابع الأنهار، صحيح لا توجد خلافات أو أزمات شبيهه إلا أن الرؤية بشكل شامل قد تجعلها متحفظة إلى حد كبير فى التأثير على إثيوبيا برغم علاقة الشراكة الواسعة والقوية بمصر، إلا أن نفس هذا القدر من العلاقات تجمعها أيضا بإثيوبيا، وتلك العلاقات الصينية هي محور ذى وجهين.. إذ إنها مفيدة فى تطوير وجهات النظر والوساطة بشكل عام، إلا انها لا تستطيع تبنى وجهة نظر أو تحالف لصالح دولة، لأنه سيمثل موقف عدائى عند الجانب الآخر أو على الأقل سيخلق نوعا من التوتر فى العلاقات، وهو ما ترفضه الصين وتعكسه سياساتها تجاه إقليم الشرق الأوسط والقرن الافريقي، حيث تمتد شراكاتها عبر دول مختلفة الأيديولوجية.
وأكد السفير مجدى عامر أن التقدم العلمي الصينى جعلها تتواجد فى الكثير من دول العالم، حيث تبرز مشروعاتها الإنشائية وشركاتها الهندسية.. وغيرها مما ساهم فى تكوين استثمارات وخلق ثقل نوعى للصين، والتي ترى فى القاهرة شريكا مهما يكاد يكون حليفا له ثقل عربى وأفريقي، وهناك رؤى مشتركة تجمع بين البلدين فى سياسات المنطقة والأحداث السياسية والعسكرية، بخلاف التبادل التجارى والاستثمارات الضخمة.. كان آخرها تواجد بعض الشركات الصين للحصول على مزايدة أو "tenders" لتحلية المياه من الحكومة المصرية، حيث تتمتع الشركات الصينية بخبرات واسعة فى مجال تحلية المياه وهندسة الري وأيضا الزراعة وغيرها، كذلك فالصين لديها رؤى واضحة وتتفق مع وجهة النظر المصرية فيما يخص بعض القضايا منها الحرب السودانية، حيث تقف الصين ومصر من أجل عودة استقرار السودان، مثلما تبنت الصين رفض الصراع فى جنوب السودان قبل الحرب الأخيرة، ولكن هذا الرفض أو محاولات التسوية تظل محدودة، خاصة إذا كانت بعض أطراف الصراع لا تملك علاقات قوية مع بعضها.. وأيضا فالمصالح الخاصة لكل دولة تظل هي الأهم.
ونبه السفير مجدى عامر إلى أن التأثير والوساطة قد يكون معدوما حتى من الدول العظمى، خاصة فى بعض الحالات كما فى وضع السودان الحالي، فإذا كان بإمكان الصين الوساطة فى جمع أديس بابا والقاهرة وأيضا حكومة الخرطوم.. فإنها لا تستطيع كمثال التأثير أو التفاوض مع كيان غير شرعى مثل ميليشيات الدعم السريع.. إذا كان يتعلق الأمر بالقضية السودانية، حيث بات معروفا ان وجود منفذ على البحر أصبح ضرورة حتمية من وجهة نظر حكومة "ابى أحمد" وهو ما يجعل استقرار السودان عقبة أمام الحلم الإثيوبي.
من جانبه، قال الدكتور عباس شراقى أستاذ الموارد المائية بمركز الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة: تتواجد الصين بعلاقات تجارية واقتصادية وسياسية تجمعها بالعديد من الدول، مما يجعلها قوى فاعلة فى العديد من الأقاليم الدولية والمحافل.. إلا أنها تسعى فى المقام الأول لتحقيق ريادتها بصمت بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي قد تحدثه بعض الدول الأقل مكانة حين تدخل وساطة أو تتبنى وجهة نظر، وتلك السياسية الصينية تجعلها تقف على باب محايد مع الكثيرين، لتتمتع بمزايا النزاهة والوساطة، وان كانت تلك المسافة مع شركائها على خط واحد، ذلك لأنها لا تريد خسارة أسواقها واستثماراتها وعلاقات الصداقة والروابط التى جعلت لها ثقلا فى الكثير من البلاد حول العالم، حيث تعد الصين هي القوى الاقتصادية الأكبر فى أفريقيا، سواء داخل مصر أو إثيوبيا، صحيح ان الشركات الصينية لم تشارك فى أعمال السد الإثيوبي إلا ان هناك شركات صينية تواجدت قبل مشكلة هذا السد، وأنشأت سد "تاكيزى" الذي قامت بالعمل عليه الشركة الصينية المائية، وهو أمر طبيعى ان تتواجد الشركات العملاقة من دول مختلفة فى مثل تلك المشروعات، حيث تواجدت شركات ألمانية وإيطالية وعربية لإنشاء السد، والذي مر بمراحل مختلفة تسبق هذه المشاركة، ولكن فيما يخص السد الإثيوبى فإن الشركات الصينية لم تتواجد إلا من خلال إحدى الشركات المتخصصة فى أعمال نقل وهندسة الكهرباء، تلك الشراكات الاقتصادية معتادة وتقوم بها الشركات العملاقة منها شركات مصرية تولت إنشاءات مشابهة مثل إقامة سد "جوليوس نيريري" والذي أنشأته شركة المقاولون العرب المصرية وشركائها.
ويضيف الدكتور عباس شراقى أن حكومة ابى أحمد كانت قد قررت التعامل بالأمر المباشر مع الشركات الأجنبية من أجل إنشاء السد.. بعد تصفية الشركة الوطنية لديهم والتي كانت تحمل اسم "ميتك" بعد ثبوت فساد القائمين عليها، وتواجد الاستثمارات الصينية يعزز من ثقلها داخل أفريقيا، بحيث يمكنها تقريب وجهات النظر، ويمكن القول ان أوراق الضغط الصينية تتمثل فى العلاقات والصداقات التجارية، وثقلها فى دول القرن والشمال الأفريقي، حيث تواجد شركاتها واستثماراتها بشكل واضح، وتأتى مصر على رأس دول المنطقة تعاطفا وأولوية بالنسبة للتنين الصيني، وهو ما يجعله وسيطا مقبولا لدى القاهرة، خاصة مع تقارب الرؤى فيما يخص بعض القضايا.. منها استقرار المنطقة وخاصة السودان.. والتي تعانى من حروب شديدة والتي تعد طرفا من أطراف الصراع على الحقوق المائية وأزمة السد الأثيوبي.
وعن التعاون المصرى الصينى فى مجال تحلية مياه البحر يرى الدكتور عباس شراقى أن هذا التعاون يحمل أبعادا مختلفة، وقال: أصبح مجال تحلية مياه البحر مجالا تنافسيا بين العديد من الدول وشركاتها العابرة للقارات.. ومنهم الصين، الا أنه لا يخفى ان الاستثمار الخليجي فى هذا المجال هو الأبرز، حيث تعد السعودية والإمارات أبرز الدول فى هذا المجال، وتتحدث الأرقام عن ان نسبة خمسين بالمائة من المياه المحلاه فى العالم تأتى من خلال شركات خليجية، نتيجة خبرتهم فى هذا المجال.. إلا أن هذا لا يعنى عدم خبرة الشركات الصينية فى هذا المجال، إذ تتميز الشركات الصينية بتحقيق معادلة الجودة مقابل أقل سعر فى معظم المجالات، وهو ما فتح لها أسواقا مختلفة، وخلق لها ثقل دولى يمكنها من لعب دور الوسيط فى العديد من القضايا، وأبرزها قضية حقوق مصر المائية، نظرا لعلاقاتها بين أطراف الخلاف ولتمتعها بالثقة من الجانبين، ولكن يتوقف الأمر على مدى قوة تلك الأوراق مقابل التعنت الأثيوبي.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
حسام الدجنى: العرب مطالبون بتنفيذ اقتراح الرئيس السيسى بتكوين جيش عربى موحد منصور أبو كريم: بكين تدعم الحقوق الفلسطينية دون...
حسن سلامة: المناورات المصرية الصينية ترسيخ لسلام مبنى على القوة اللواء نصر سالم: التسليح الصينى يكسر التفوق النوعى لإسرائيل عمرو...
غواصة صينية تنزع مظلة التفوق العسكرى الإسرائيلى